رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

السّرد المقلوب في «فئران أمي» حصة

باسم سليمان*
من الممكن تنميط رواية سعود السنعوسي ضمن مصطلح الرّواية المستقبلية مع الأخذ بالاعتبار أنّ المصطلح هو تضاد مع الرواية التاريخية للناحية الزمنية فقط ، فالروائي الكويتي السنعوسي ينتج المتخيّل المستقبلي لبلده الكويت من ذات النافذة التي أنتجت الرواية التاريخية متخيلها التاريخي من حيث أنّ الرواية التاريخية هي الهامش المكبوت والمغفل في الرواية الرسمية للتاريخ والهدف من هذه الرؤية يمكن في أن الهامش المغيّب للتاريخ بدأ في الظهور ولم يعد كافياً الخط الرسمي لجبّه بل أنّ المنطقة كلّها تغلي فوق نيران هوامشها المكبوتة والمبعدة قسراً لزمن طويل عن فعل النقد والبحث والتمحيص ، فرماد دولة المواطنة المزعومة يخبئ تحته الكثير من جمر الثنائيات القاتلة في التاريخ هكذا كان ذهاب السنعوسي إلى المستقبل تحذيراً وبنفس الوقت مخاتلاً من حيث وضع الحرب اللبنانية كمثال إلى ما آلت إليه بلده مستقبلاً ، فالمستقبل الذي استشرفه السنعوسي في رواية " فئران أمّي حصّة" هو أقرب للوضع الليبي والسوري وليس اللبناني رغم استجلاب وقائع الحرب اللبنانية سواء لناحية دخول "القوات العربية" إلى لبنان، فكان مقابلها في روايته "قوات درع الجزيرة" وانقسام العاصمة اللبنانية إلى شرقية وغربية كما حدث في العاصمة الكويت والصراع الطائفي والقومي في الحالتين والسبب يكمن في إغفال الأحداث في سوريا وليبيا رغم أن التخييل المستقبلي للسرد قريب جداً إلى زمن الأحداث ولربما السبب يعود في إبعاد أسباب الربيع العربي عن بلده الكويت وضعها في خانة الحرب اللبنانية المختلفة المنشأ والمتحدة في التوصيف فيما آلت إليه بلدان الربيع العربي وهنا يتبادر السؤال حول تحذير الناشر للسّارد في الرّواية إلي ضرورة حذف أربعة فصول منها لتنجو من مقصّ الرّقابة، فما الفائدة من هذا التحذير في حين عمل السّارد ولن نقول الروائي على شطب أسباب الربيع العربي ومطلبها في تغيير الأنظمة عن التخييل المستقبلي لبلده الكويت!؟
إبرة الذاكرة في قشّ الماضي:
تقوم الرّواية على ثلاث نخلات سردية يشبهن نخلات "كيفان" نخلات العجوز "حصّة" التي قتل زوجها في تفجيرات المقاهي الشعبية عام 1985حيث تموت اثنتان لتبقى واحدة تسمى "اخلاصة" وهذا في الزمن المستقبلي للسرد الذي سيتخيله القارئ بعد أن ينتهي من الرواية.
الماضي الجميل للطفولة يتشظى تحت وقع المستقبل المشتعل وفي الحالتين يكون السرد بضمير المتكلم مرّة من نصيب الطفل الذي يستعيد طفولته بحثاً عن أسباب المستقبل المدمَّر ومرّة أخرى مع الرّجل الذي صار إليه، الطفل، محاولاً النجاة من هذا المستقبل.
سرد الطفل يبدأ من الماضي ماسحاً تاريخ الكويت الحديث وضمناً حرب الخليج الأولى والثانية ومتعلقات الحربين على الكويت وما نتج عنهما يظلّل ذلك اسئلة الطفل البريئة عن الطوائف المتواجدة في الكويت والخلافات المسكوت عنها فيما بينها ومع تقدم السّرد تكبر كرة الثلج وتسقط تحذيرات الأم "حصّة" ليصبح سقوط سنّ السّارد دفاعاً عن صديقه صادق "الشيعي" بداية لسقوط أسنان "حصّة" التي كانت تمنع الطفل/ السّارد من رؤية فمها دون أسنان وكأنّها تخفي الجمر تحت الرماد. هكذا يقدم السرد رؤية مشهدية للذاكرة الطفولية مؤسساً للعلاقات السّائدة في ما يمكن تسميته الزّمن الجميل حيث الذاكرة تمارس رقابة ذاتية وتنخل الماضي من سوءاته إلّا أنّ التوازي مع سرد اللحظة المستقبلية جعل من السّارد/ الطفل يوجه كشافه بحثاً عن الأسباب التي آل إليها المستقبل.
سرد الرّجل المنطوي تحت أسماء فئران الأم"حصّة" هو في يوم مستقبلي حيث شكّل هو وأصدقاؤه مجموعة "أولاد فؤادة" الذين تنبهوا لصراخ أحد نزيلات مشفى المجانين في مسلسل "على الدنيا السلام" والغاية من المجموعة التي تستمد اسمها من سلسلة درامية في الزمن الجميل رفع درجة التنبيه من فئران التاريخ والفئران في الأسطورة التي فرقتْ بين نجم سهيل وصديقه شهاب لتسرق الغلال التي يزرعونها وفق حكاية الجدّة "حصّة" ومن ثم بين أهل الكويت حيث انقسموا إلى طوائف وقوميات كلّ منهم يشد الحقّ صوبه حتى تقطعت أعمدته تحت نواجذ فئران التاريخ.إنّ بقاء النخلة " اخلاصة" وعثور السّارد على فتاة صغيرة تسمى "حصّة" وهربه في نهاية الرّواية من الفئران الذين يمثلون أهل البلد بين قاتل وقتيل تسوقهم طيور " تبّاع الجثث" متمنياً في لحظة لو تطبق السّماء على الأرض؛ لكن لو لم يعد ليقلب فردة حذائه خوفاً من إطباق السماء على الأرض وفق رؤية "حصّة "  وهو يجري ليفك الصراع بين صديقيه " فهد وصادق" 0"السني والشيعي" لما قتل أحدهما على يد صديقه الآخر وهنا يبدو قشّ التاريخ قادراً دوما على تغيب إبرة النجاة.
الكيتش الدلالي في الرّواية: 
لاريب أنّ المنطقة التي قاربها السنعوسي في روايته منطقة خطيرة تحمل الكثير من المطبات التي ستفشل أمامها أيّ محاولة سردية، فالصراع الفقهي الديني "السنّي – الشيعي" الطويل الأمد سيمتص التخييل لصالح القناعة العقائدية مما يؤدي إلى فشله في تمثل الحالة إلّا أنّ اعتماده على رواية الطفل خففتْ من حدّة المخاطر وبنفس الوقت دفعت تمثّل الجدل إلى التسطيح واختصاره بمقولات أقرب لصيغة البداهات ومع ذلك لا بد من القول إنّ هذا التسطيح للجدل الفقهي كان موفقاً، فلا يمكن للسرد أن يتحول إلى درس في الجدل الديني هذا من ناحية.
من الناحية الثانية ورغم السّخرية المبطنة في المقاربات التي اعتملت في عقل الطفل السّارد عن القومية العربية والصراع بين فرس وعرب ودخول القوات العراقية الكويت وإبعاد الفلسطينيين منها بعد موقفهم من دخول القوات العراقية الكويت وغير ذلك من إحداث إلا أن التبئير الدلالي جاء باهتاً والسبب يعود لنفس التلميح الذي أورده السّارد بضمير المتكلِّم عن روايته التي ستنشر في بيروت مطالبا إياه  أي الناشر بحذف أربعة فصول وهكذا نرى أنّ السنعوسي مارس بذاته الرقابة وأعاد قلب حذاء السرد لوضعه الآمان كلما ألمح بشكل مباشر إلى الخطوط الحمراء.
فئران أمّي حصّة:
استطاع السنعوسي عبر أسلوب سلس ولغة مطواعة من تجديد صرخة "أولاد فؤادة" مستلهماً بشكل مخاتل أحداث الربيع العربي مستنسخاً إياها على بلده، محذراً من أنّ فئران التاريخ قد خرجتْ، فكيف نوقف زحفها!؟ وذلك عبر سيرورة وصيرورة مجموعة من الأصدقاء كان السّارد وحداً منهم.
رواية تعرف كيف تأكل كتف الواقع/ الحاضر بفكي الماضي والمستقبل.

سعود السنعوسي روائي كويتي حصل على جائزة البوكر عن روايته ساق البامبو وصدرت روايته "فئران أمّي حصّة" عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات ضفاف لعام 2015 – لبنان
روائي سوري 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي