رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

ما الذي يعيق الكاتب عن نقد ما نشر؟

الجمعة - 11 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019

أ.د.عبد العظيم السلطاني
        تعجّ أدبيات التنظير النقدي بنصائح ومقولات تشجّع على ضرورة الاهتمام بالنقد، لأنه مفتاح المعرفة وسلم الرقي بالفن والفكر والمجتمع... وهذا كلام جميل ومنطق سليم. لكن النقد ليس عملا سهلا، فهو في حاجة إلى معارف متنوعة، مثلما هو في حاجة إلى تحديث مفاهيمي مستمر. وبعد هذا فالنقد ليس وصفة جاهزة فعّالة في كل المجتمعات وعلى حدّ سواء. ففي ثقافة بعض المجتمعات – ونحن منها – قد تجد كثيرا من الكتّاب لا يتقبلون نقد النقاد، حين يشخّص ذلك النقد خللا، أو يشير إلى ضعف في نصوصهم. والناس في حياتهم الاجتماعية، أيضا، قد لا يتقبلون نقد من ينقدهم، على سلوك أو فعل يدرّ عليهم بمنفعة ما. فتجدهم  يدافعون عن أفعالهم بما أوتوا من قوة، وقد يستعينون على من ينقدهم بكل الوسائل، فتصبح غاية صد النقد تبرر لديهم كل وسيلة. 
فإذا كان هذا حال الناس وموقفهم من نقد يُوجّه إلى نصوصهم أو إلى أفعالهم فهل نتوقع من كتّاب يعيشون في ظل هكذا أنساق ثقافية واجتماعية أن يبادروا فينظروا بعين الناقد فيما كتبوه هم في وقت سابق، ونشروه وقرأه الناس؟! وهل نتوقع منهم أن ينشروا اعترافاتهم حين يكتشفون ضعفا في نصوصهم المنشورة، سواء في نسجها الأدبي أو في منهجيتها أو في ما قدّمته من معرفة وما تبنته من أفكار؟!. 
      حين لا يكون الكاتب مؤمنا بأن النقد شكل من أشكال البناء لن يجرؤ على نقد منجزه. ومقدار معرفة الكاتب معرفة علمية بالذات الإنسانية وعلاقة تلك الذات بعلوم العصر ومعارفه، هي الأخرى عامل حاسم في ولادة نقد المنجز. والخلل في هذه المعرفة  سيكون أحد الكوابح الذاتية المحتملة. ولن يكون بمقدور الكاتب أن ينقد كتاباته المنشورة إن لم يكن مدركا إدراكا معرفيا راسخا أن وعي الإنسان خاضع لقانون الحراك والتطور، نموا أو تراجعا أو تحولا، وأنّ يكون مقتنعا بأنّ هذا الحراك علامة من علامات حيوية الذات وليس علامة ضعف تسجّل عليها. إن لم يكن مفهوم الكاتب عن الذات والمعرفة بهذا الاتجاه سيجد صعوبة بالغة في أن يعترف بضعف في المكتوب حين يتحسس فيه ضعفا. 
وحين يكون الكاتب غير عارف معرفة راسخة بأن اللغة كانت ذاتا مشاركة في الكتابة، وأن سنن الكتابة وطبيعة نوع المكتوب وجنسه النصوصي هي الأخرى كانت مشاركة في كتابة ما كتب... إن لم يكن الكاتب عارفا بكل هذا سيجد في داخله سدودا وعوائق ذاتية تحول بينه وبين نقده لنصه. ففي ظل هذا التصوّر المعرفي الذي قدّمناه يكون النص مفصولا عن ذات كاتبه. والنص حين نُشر كان ذاتا تتمتع باستقلالها. وهو في أصل تكوينه كان نتاجا لظرف معيّن ووعي معيّن، وإيقاع لحظة تاريخية معيّنة لها شروطها ولها مزاجها الخاص. وعلى هذا الأساس المفاهيمي سيكون النص المنشور ليس قطعة من ذات الكاتب الإنسان، وحين يمس النقد ذلك النص فهو لا يمس ذات كاتبه. فذات الكاتب ليست متطابقة مع الذات الكاتبة. والذات الكاتبة هنا أشبه بـ ((شركة مساهمة))، يشترك فيها وعي الكاتب في تلك اللحظة واللغة وسنن الكتابة وشروط النوع المكتوب....الخ. وباختصار المختصِر إذا كانت ثقافة المطابقة بين الكاتب ونصه حاضرة في ذهن الكاتب ستكون عائقا ذاتيا كبيرا قد لا يجد في نفسه قدرة على تخطيه لتحقيق نقد موضوعي لما أنجزه الكاتب وقد يترتب على هذا النقد الموضوعي اعتراف بالضعف أو النقص أو الشطط أو بكل هذا. 
ثم تأتي القيم الثقافية المغروسة في نفس الكاتب لتتفاعل مع معرفته ومفاهيمه العلمية. فلكي تتاح للكاتب فرصة مكاشفة الذات وإمكانية مواجهة منجزها مواجهة موضوعية والاعتراف بما هو سلبي حين يستدعي ذلك؛ لابد من أن تكون حاضرة في ثقافته قيما ثقافية معيّنة، أولها قيمة الحرية شرط الحياة، فهذه تمنح حياة الإنسان معناها. وأن تكون قيمة الصدق مع الذات والصدق مع الآخرين قيمة ثقافية راسخة لدى ذلك الكاتب. فإن لم تتوافر في ثقافة الكاتب مثل هذه القيم سيجد في داخلة عوائق ذاتية أكبر من قدرته على تخطيها. 
     هل ستنتهي سلسلة العوائق لو تحقق كل هذا النضج المعرفي لدى الكاتب وتحقق لديه الرقي الثقافي المطلوب للنقد؟ الجواب على الأرجح سيكون: كلا. فثمة عوائق نسقية تحف بالكاتب. فالواقع الاجتماعي فاعل وقد يعيق مثل هذا النوع من النقد، والنسق الثقافي العام فاعل وقد يعيق هو الآخر.    
        مثلما آمن الكاتب بأهمية النقد وبأنّه شكل من أشكال البناء، وآمن بمبدأ فصل الكاتب عن المكتوب، لابد من وجود نسق ثقافي في المجتمع – ولو بدرجة ما – يؤمن بمثل هذا، لتُذلل العوائق، وليكون الاعتراف بضعف المكتوب ممكنا. فأن ينقد كاتب منجزه في مجتمع يجد النقد تهديما والمطابقة  قانونا ثقافيا، فهذا لا يخلو من مجازفة، وقد يعرّض صورة الوجود الاجتماعي للكاتب للأذى. إذ كيف للكاتب أن ينقد منجزه ويعترف بضعف ذلك المنجز أو خطأه وهو في مجتمع يترصد به ليقول له: ((من فمك أدينك))، ويجد في اعتراف الكاتب بضعف ما كتب إعلانا عن الإفلاس المعرفي؟! فالكاتب إنّما يكتب لمجتمع، وحين يكون المجتمع بهذه القيم الثقافية، قد يجد في ذلك الاعتراف تحطيما للمصداقية المعرفية للكاتب فيما سيكتب لاحقا. وقد يعزف الناس عن قراءة ما سيكتب. وفي كل هذا عوائق قد لا يجازف بالقفز عليها كثير من الكتّاب، لاسيما أولئك الذين يؤثرون السلامة، سواء أكانت نفوسهم مجبولة على هذا، أو آثروها بعد أن أخذوا نصيبهم من أذى المجتمع ندوبا وكدمات. 
      نعم، مطلوب من الكاتب أن يحدّث مفاهيمه المعرفية وقيمه الثقافية وأن يكون مستعدا للتضحية والبذل والمواجهة، فهو الرائد والفاتح...الخ. ولكن أيضا مطلوب من المجتمع أن يسهم في تطوير مفاهيمه عن النقد ودور النقد، وعن الذات ومعنى وجودها. فنقد ما أنجزته الذات ليس إدانة للذات، وإنّما هو لحظة تاريخية معرفية تسجل الذات من خلالها آخر ((التحديثات)) التي تجريها على معرفتها. ويمنح الذات فرصة أن تتمرن على الموضوعية، وأن تختبر قدرتها على العطاء حين يكون منجزها موضوعا لنقدها، فتنجح في الفحص النقدي والاعتراف بالضعف.    ما تحتاجه ثقافتنا أن يُعلى من شأن من يتصدى للنقد الاعترافي، وأن يُعلى من شأن المعنى الثقافي المتحصِّل من نقد الإنسان لما كتبه بنفسه. فالمعنى الثقافي المتحصّل من مثل هذا النوع من النقد لهو أهم ثقافيا من المعلومة المباشرة التي قدّمتها المدونة المنقودة. فنقد منجز الذات بهذا الوصف يخضع لمنطق ثقافي يؤمن بالحراك المعرفي الدائم، ويؤمن بأن الحياة ليست سوى لعبة نبيلة نمارسها بإخلاص.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي