رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

بصمة رئيس الوزراء

الجمعة - 11 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019

توقفنا بالسيارة لنسأل شاباً مراهقاً عن مكان كنا نود الذهاب اليه، فقال انه يقع قرب (جسر صدام)، هذا الشاب لم يعش زمن صدام لكنه لا يزال يستخدم نفس التسمية القديمة. وهذا ما جعل (لماذا) كبيرة تقفز امامي. الإجابة على هذه الـ(لماذا؟) قد تحمل إجابات للكثير من أسئلة مرحلة ما بعد 2003.
تعالوا معي نراجع تأريخ العراق من هذه الزاوية، فبعد قرن تقريباً من ولادة العراق المعاصر نسي العراقيون خطاب العراق الملكي وسجالاته الساخنة، ولا يتذكر أغلب العراقيين شخصيات تلك المرحلة، ولا نوعية الأفكار السائدة، لكنهم يتذكرون البصمات التي تركها (مجلس الاعمار) على صعيد الخدمات والتعليم وتخطيط المدن وخطوات التأسيس لمظهر الدولة. كانت تلك أهم البصمات التي تركها الملكيون إضافة الى بعض التقاليد الارستقراطية التي بدأت بالذوبان شيئاً فشيئاً.
في مرحلة أخرى نسي العراقيون ذلك الجدل بين الوطنيين والقوميين في مرحلة الجمهورية الأولى، ولا يتذكرون من زمن عبد الكريم قاسم سوى توزيعه للأراضي على الفقراء. وكانت تلك هي بصمة قاسم المميزة. إضافة الى بعض الأفكار الوطنية التي يشوبها الكثير من الثورية. نجحت تلك الأفكار في محو ما قبلها. لكن تأثيرها خفت شيئا فشيئاً فيما بعد.
في مرحلة البعث الطويلة تم الالتفات الى أهمية ان يترك النظام بصمته الخاصة في ذاكرة الشعب العراقي، فانطلقت الكثير من المشاريع التي تهدف للصمود امام الزمن والبقاء في الذاكرة. كما تهدف لجعل العراقيين ينسون موجات الحروب وأسراب التوابيت والحصار، فقد عمد صدام حسين الى إبقاء بصمته الخاصة على المدن والشوارع والجسور والمؤسسات العراقية، بل ان تلك البصمة صبغت بصبغتها العقل العراقي الذي يحتفظ بأجزاء من سلوك وثقافة تلك المرحلة حتى الآن، وبالغ النظام في ذلك، ولم يكتف بوضع بصماته على حاضره بتسمية كل شيء بأسمه، بل حاول وضع بصمة على الماضي لدرجة كتابة اسم صدام على طابوق اثار بابل الذي يبلغ عمرة الاف السنين، كما حاول وضع بصمة على المستقبل عبر الجداريات العملاقة والتماثيل البرونزية والبنايات العملاقة وإجبار الادب والاعلام والفن والسينما والاناشيد على صب اساسات كونكريتية لأفكار ومشاعر هيمنت على العقل العراقي طويلاً.
هذا ما جعل المراهق يستخدم نفس الاسم الذي كان سائداً قبل ولادته.   
في العراق الملكي وعراق عبد الكريم قاسم، ذهبت الأفكار والسجالات والمناكفات وبقيت البصمات التي تخدم الناس، اما في مرحلة صدام فقد بقيت البصمات على الأرض، وعلى الأفكار والسلوك. وما زاد الطين بلة ان المرحلة التالية لم تضع -حتى الآن - بصمات كبيرة على صعيد الإسكان والخدمات والصحة والتعليم والاقتصاد، ولم تؤسس لثقافة ووعي جديدين يتلاءمان مع حاجات العراقي المعاصر، ولم تؤسس للمستقبل الذي يفترض بالعراقيين ان يسعوا اليه. 
بالعربي الفصيح: هناك حاجة ماسة للبدء بمشاريع عملاقة تقاوم الزمن وتصبح بصمة للمرحلة. وحكومة عادل عبد المهدي تحتاج لأن تضع بصمات كبيرة واضحة على قطاع الإسكان والصحة والتعليم والاقتصاد والزراعة والتأسيس لثقافة ومنهج جديد في التفكير الذي يقاوم الإحباط ويعزز الثقة بالمستقبل، كيلا نخسر أربع سنوات أخرى من السجال واستهلاك فيتامين (سوف).
دعوني أختم هذا العمود بهذه القصة.  
كان أحدهم مستاءً من تردي الواقع الصحي في مستشفياتنا، فقال ان على وزارة الصحة ان تلغي اسم مستشفى الحسين العام وأن تعيده الى اسمه القديم (مستشفى صدام) لأن انعدام النظافة وسوء الخدمات المقدمة في ذلك المستشفى لا تليق باسم الحسين (ع)، كما ان اسم صدام مناسب أكثر لتلك المستشفيات التي تشبه المعتقلات والسجون أكثر من المستشفيات. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي