رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2277

طائر (المواطن المتميز).. الحياة والموت على بركة الجوائز

الخميس - 12 ايلول( سبتمبر ) 2019

علي الياسري *
تمتلك سينما امريكا اللاتينية قدرة الجمع بين قوة الكلمات المُتشربة أرواحا يتسع لها خيال رحب ضمن فضاءات النص، وبين حضور بصري يقارب الحكايات كتجسيد قلق يأخذ من الصورة واقعيتها دون ان ينسى الاطلالة على عمق التكوين للحدث حين ينعتق بسحر اللحظة السردية من أسر الزمان والمكان.
فيلم (المواطن المتميز) ينتمي لعالم التحولات المفاجئة دون ان ينحدر الى الخيال الواسع حد ظهور الجنيات. سوريالية خفيفة تمشي على ارض الوعي بلمسات كوميديا داكنة تسخر من معايير الانا وأزدواجيتها للمثقف المؤسساتي الساعي نحو بهرجة الموت ابداعيا فوق بحيرة ملونة بنشوة حمى الجوائز كما تحدثت لقطة جثة طائر الفلامنكو الطافية على سطح ماء راكد كتأكيد لتوقف جريان نُسغ الابداع. يستمد الفيلم روحه من رحلة العبث الفكري الى الجذور والتي يحاول من خلالها روائي فاز بجائزة نوبل للاداب ان يجدد رفوف الذكريات بحكايات طازجة تُعين خياله الناضب، في مواطن المخرجين غاستون دوبرات وماريانو كوهن الابرز تضع السينما قدما راسخة على حافة الكلمة من خلال سيناريو كتبه اندريس دوبرات، وأخرى اقل ثباتا ضمن أطار الصورة التي ادار المخرجين كاميرتها ايضا لتنبعث حياة بأسئلة شتى. 
بعد مقدمة تسخر من ارفع الجوائز الادبية العالمية لحظة منحها المتخيلة لكاتب ارجنتيني، وهنا المفارقة حيث لم يفز اي شخص اشتغل بحقول الادب المختلفة من هذا البلد بنوبل وأولهم الاكثر شهرة ورائد الواقعية السحرية التي استقطبت اعجاب العالم خورخي لويس بورخيس، يعرف (دانييل مانتوفاني) ان الجائزة حولته لسلعة اعلامية افقدته الحافز وبدى ان جلبة اضواءها الساطعة عتمت على رصيده الذاتي الذي يخلق عوالم رواياته  من ذاكرة تعلقت بزمان ومكان النشأة قبل اربعين عاما. في مغتربه الاسباني الباذخ لايفتقد الروائي حياة الرفاهية بقدر ما يقتله توالي الايام والسنوات دون ابداع جديد. وحين يضيق حصار اسئلة الذات عليه وحيرة تمنّع الكلمات، تأتيه دعوة من بلدته الصغيرة (سالاس) في موطنه الام للتكريم بلقب (المواطن المتميز) كقارب نجاة يأخذه لينابيع الافكار والاشخاص التي أثرت كتاباته. 
على طول السرد يخوض الفيلم بطرح الكثير من الاستفهامات عن طبيعة العلاقة بين المثقف المغترب وبلده الاصل سواء من ناحية الاغتراف من تراكماتها الحياتية على شخصه، او نظرته اليه وكيف يمتد خيط التواصل بينهما، والى اي مدى يتأثر بوجوده الحالي ضمن بيئة اكثر تقدما معرفيا وحضاريا. تتلقف هذه الاسئلة المتلقي من اول وصول مانتوفاني لمطار بوينس ايرس الى رحلة الطريق الطريفة نحو مدينته، حين تتعطل السيارة فلا يجد السائق سوى نزع ورقات من احد كتب الروائي ليمسح بها بعد قضاء حاجته!! فحكايات الاديب لاتشغل بال هذا الرجل وليست بذات الاهمية التي يراها قاريء من بلدان اخرى. لاتثير دهشته لأنها تروي عن اشخاص يعرفهم وحوادث عاشها وينتمي اليها وليست بجديدة عليه.
يتواجه مانتوفاني في سالاس مع مخلوقاته التي حكاها بكتبه وجها لوجه لينشا عالم غرائبي يثير سخرية مرة، تلتبس فيه انتهازية السياسي بفضول العامة البسيط المنبهر بشهرة الكاتب العالمية ازاء جهلهم بمحتوى رواياته، مع تعالي وعجرفة ابن البلدة الذي كره العيش بها فغادر لأربعة عقود دون ان يعود ولو لمرة حتى انه لم يحضر جنازة والده.
وفق منطق الفيلم تخضع منظومة الادب والفن لجملة تساؤلات عن العلاقة بين الاديب او الفنان وعامة الناس في بيئته الاصل، وضمن اي منظور تترتب، سواء في الجانب الثقافي او الخدمة الاجتماعية او جسور التواصل الاخلاقي الانساني بالنظر لأحتياجات وادراك الفرد العادي. ينجح السيناريو في تقديم اجابات ضمنية تتلوها خطوط السرد لقصص العلاقات الشخصية لمانتوفاني مع شخوص البلدة، تظهر فيها الكثير من التناقضات الكوميدية توضح مدى الاختلاف واتساع الهوة بين رؤيته وما يعتقده الناس. ومع بروز مشاعر معادية له تبدأ بالحسد والغيرة لتتنامى حتى تصبح حرجة في شهوة قتل يرغبها الجميع الا حبيبته السابقة، ثم لحظة رمزية تموت فيها صورة الكاتب الذي اتى وهو مرتديا بدلة داكنة فاقدا لمفاتيح الافكار لتنشأ ولادة جديدة ارتدى فيها الابيض وظهر اكثر اشراقا يردد لا وجود للحقائق فكل شيء محض تأويل بين دفتي عمل ادبي او بالحياة، وهو يقدم كتابه الجديد للعالم الذي غدا جزءا منه منذ سنوات طويلة بعد تلك الرحلة المجنونة للجذور.
بصريا لم يسعى المخرجان في صنع تكوينات كثيرة-نقطة الضعف الاكبرللفيلم- تمتلك القدرة على دفع المشاهد لتحليل التفاصيل ضمن اللقطة وربطها بمسار الحكاية وهو أمر بالغ الاهمية لمنح الفيلم الستايل السينمائي الذي تمثل الصورة ركيزته الاولى بالتعبير، وأكتفيا ببعضها لدعم الايقاع الراوي للحدث، كان ثقل الفيلم ينصب على ظهور التطور الدرامي متوازنا وبتوقيتات دقيقة لمنح الشخصيات فرصة الاغتناء على الشاشة، وهو ما اعطى الممثلين مساحة لأبراز الادوار بتجسيد بارع رفع من جودة الفيلم. 
فرادة (المواطن المتميز) تاتي من جرأة الحكاية وتماسك السيناريو الذي يقف على اشكاليات متعددة، الى الشخصيات المرسومة بعناية. لكن اهم ثيماته هو البحث بدور الواقع في بث الحياة وتكوين النص الابداعي ازاء مدى قدرة هذا المنتج المعرفي في وضع بصمة حقيقية بالبيئة الخاصة والعامة في ظل تعاظم المؤثرات المادية وتضاؤل الشعورية بعالمنا المعاصر. هل يُلبي هذا الادب او الفن احتياجات وشغف الانسان العادي في واقع عيش مضطرب يجتاحه جشع الاقتصاد المتوحش وزيف السياسي المرائي وسمسرة رجل الدين والاكثر شراهة سطوة التكنولوجيا المتسارعة، ام انها مجرد تمظهرات زائفة تزيد من أتساع المسافة بين الطبقة المثقفة وبقية الجمهور؟
* ناقد سينمائي عراقي

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي