مسلة الموت
27-شباط-2025

طالب كاظم
ذهبنا الى الربيئة المهجورة، هناك وجدنا بطانيات مهترئة ملقاة على الارضية، كنا حفاة نصف احياء بأقدامنا المتورمة، لم نستطع النوم بسبب الالم، تمددت على ارضية الربيئة الصلبة وتدثرت ببطانية ممزقة، لم استطع النوم بسبب الالم الشديد في قدمي، اردت ان استعيد تماسكي لا اكثر، الصمت والهدوء والسكينة التي سادت المكان المقفر خفف من وطأة الالم ، لم يمض وقت طويل حين اطلق صديقاي شخيرا قويا وهما يغرقان في سبات عميق، بعد ثلاثة ايام من الاجهاد والقلق والترقب، نمت انا الاخر بسبب الاعياء والانهاك، لم نبال باي شيء ولم نرهق انفسنا بالتفكير بما قد يحدث لنا او حتى ان نقلق على مصيرنا الذي بات مجهولا، نمنا بعمق برغم الجوع والالم، غرقت الربيئة في الظلام والصمت والبرد ، مضت ثلاث ساعات انقطعنا فيها عن كل شيء، كان نوما يشبه الموت، حتى اللحظة التي داهمنا فيها البرد الشديد الذي جمد اطرافنا، فاستيقظنا الواحد بعد الاخر في الساعة الواحدة ليلا، نحن الجنود الثلاثة في مكان معزول عن الخليقة على قمة جبل اجرد في ربيئة ضيقة تشرف على الطريق المهجور، لم نجرؤ على اشعال النيران، كيما لا نلفت انظار الاخرين الينا فيقتلوننا، امضينا الليل بلا سلاح ولا مؤونة ولا ماء، باستثناء تجلدنا واملنا بالعودة الى حياتنا ، لكل منا قصة ، يأمل ان يعيش يوما اخر لكي يرويها، بعد طلوع الفجر فيما ضوء الشمس يضيء المكان ،غادرنا الربيئة وانحدرنا باتجاه الطريق المعبد الذي يربط كوي سنجق بأربيل، لم نكن وحدنا الذين سلكوا الطريق باتجاه اربيل، رافقنا جنودا اخرين وهم يترنحون، يسلكون الطريق باتجاه اربيل ، مئات الجنود يتقدمون بصمت في رتل طويل لا بداية ولا نهاية، كانوا مثلنا فهم حفاة بثياب ممزقة، نرى عجلات الجيش المسرعة وهي تتقاطع في طريقها ولكن هذه المرة كان يقودها الاكراد بثيابهم التقليدية، وهم يلوحون لنا بعلامة النصر، نصرهم وليس انسحاقنا ، شعرت بالألم برغم اني اكره الحرب، ليس هناك شخص سوي يحب الحرب، اكره الحرب جدا، لازالت ذكرى اصدقائي الجنود الذين ابتلعتهم الحرب في ذاكرتي، تذكرت مهند حسين حين كنا في مجنون الجنوبي وكان مصابا بالذهان، بسبب اطباء اللجنة الطبية العسكرية التي رفضت منحه اي اعفاء من اداء الخدمة العسكرية بسبب حالته المزمنة ، كان صديقي المقرب بقصصه المختلقة، في احدى المرات قال لي بأنه ابن جمال عبد الناصر ومرة هو كان فيها الابن الوحيد لانديرا غاندي ، قبل استشهاده بأسبوع التحق للفوج جندي اسمه مهند، لم اعد اتذكر اسمه الكامل ،في حينها قال لي مهند حسين نافع بانه سيموت بعد ايام ؟! سألته ضاحكا كيف لك ان تعرف بانك ستموت؟ قال: لان مهند جاء اخيرا! كان يقصد الجندي الاخر الذي التحق بفصيل المخابرة اما مهند فهو سيموت! واشار بيده الى صدره، بعد اسبوع من حديثنا وكنت قد نسيته تماما، تعرض اللسان الترابي الذي امتد وسط هور مجنون الجنوبي الذي يضم ملاجئ سرايا ف 2 لمش 49 وملجأ البدالة وبجانبه ملاجئ مخابري مقر الفوج الى قصف شديد بالهاونات 120 ملم، انفجرت قذيفة هاون ثقيل بالقرب من الملجأ الذي احتمى بداخله المخابر مهند حسين نافع وكان محصنا بالبلوك الاسمنتي المجوف وهو هش جدا لم يدعم في حينها باكياس التراب لحمايته من الشظايا، خرقت شظايا تلك القذيفة جدار الملجأ وشطرت مهند حسين الى نصفين، لم نفطن اليه، لم نعرف بموته داخل الملجأ، فالملجأ كان صامدا والخرق في الجدار لم يكن كبيرا، ولكن حينما فطنا الى غيابه، هرعنا اليه، لنجد الاحشاء مندلقة عبر جرح عميق شق بطنه وهو غارق في الدماء التي تخثرت، كان ميتا يتطلع الى السماء بعيون مفتوحة ، حاصرتني صور الذكريات المؤلمة، فما لي في ذاكرتي سواها بعد ان عشت سنوات عديدة في الفوج نفسه مذ التحقت به عام 1978حتى يوم تسريحي من الخدمة العسكرية عام 1989.
كان الرتل صامتا كما لو كنا في موكب جنائزي، كل منا منشغل عن الاخرين بمصاعبه وذكرياته المريرة، في ذلك الطريق مررنا براجمات الكاتيوشا المدخرة بالصواريخ الانبوبية التي توقفت على جانبي الطريق ، هناك عجلات الزيل وهي تقطر مدافع القوس 155ملم التي غادرتها الطواقم ، الطريق نفسه تناثرت عليه بنادق الكلاشينكوف والذخيرة وعجلات القيادة والدبابات والمدرعات المدولبة المعطوبة، بينما رائحة الجثث تبعث منها، كما لو كنا نسير عبر المسلخ حيث الموت والخراب بالانهيار، كنا نجر خطانا المتعثرة بصعوبة ونحن نحاول الفرار من المكان الموبوء بالموت، داهمنا الوقت حينما اخذت الشمس بالأفول فالرتل سيفقد وجهته في الليل، اعترض احد الجنود العجلة العسكرية بوقوفه امامها وسط الشارع ، فتوقفت العجلة بالقرب مني، لمحت شابا كرديا وراء المقود وبجانبه جلس شابا اخر في العشرين من عمره كلاهما يرتدي زيا كرديا تحدثا الينا بالعربية ، قال : بانه في طريقه الى مدينة اربيل، ان رغبتم يمكنكم الصعود الى حوض السيارة! اسرعت بتسلق السيارة واندفعت الى داخل الحوض وجلست على المقعد الحديدي الطويل، لحظات قصيرة مرت حين امتلأت الايفا بالجنود، ولم تعد هناك اي فسحة لوقوف جندي واحد، انطلقت عجلة الايفا بنا ، وانا اتطلع عبر فتحة الغطاء الكتاني الى القرويين وهم ينهبون مقرات الوحدات العسكرية التي انتشرت على الطريق، البطانيات والاغطية الطاولات والكراسي ، مرت خمسة عشرة دقيقة وعجلة الايفا تسرع بنا في طريقها الى اربيل، عندما اهتزت عجلة الايفا بعنف، اعقبها صوت انفجار هائل توقفت على اثره وسط الشارع ، بينما النيران والدخان تتصاعد فيها كما انهمر علينا رصاص الرشاشات الثقيلة، كانت تمرق فوقنا بصوتها كأنها افاعي تنفث فحيحا وهي تخترق الهواء، لم نكن نرى اي شيء وسط الدخان والنيران التي التهمت عجلة الايفا، قفزنا من السيارة المحترقة، كان الطريق المبلط يمر فوق تلة تحيطها اودية صغيرة او منخفضات وسط وادي ينتهي في طرفه البعيد بمضيق اغلقته دبابات الجيش، اتذكر التفاصيل التي حدثت في تلك الساعة الفاصلة، كنا اكثر من ثلاثين جندي، كنا منهكين تماما، اغلبنا جنود احتياط تجاوزت اعمارنا الثلاثين عاما، انبطحنا على الارض وتدحرجنا الى المنخفض الضيق، لم يعد باستطاعة الدبابات رؤيتنا، ولكنهم اطلقوا علينا قنابر الهاون 60 ملم، كنا وسط النيران والقذائف والرصاص، بينما تخندق الاكراد في مضيق الطرف الاخر من الوادي بينما عجلات الواز المسلحة بالرشاشات الثقيلة التي انتزعت من ابراج الدبابات، ، لم يصب الشاب الكردي الذي قاد عجلة الايفا بجروح، كنا سنموت جميعا بقذيفة تلك الدبابة لو انها لم تصب الاطار الفولاذي الامامي، فـ الرنك الحديدي، صد قوة الانفجار والشظايا، كان اشبه بدرع سماوي انقذنا من الموت المحقق، كنت في الطرف الاقرب للانفجار، لمحنا السائق يسحب الشاب الكردي الذي اصيب بجروح في بطنه وفخذه وكانت اصابته شديدة، اسرع به الى الجانب الكردي، ما ان توقفت رشاشات الاكراد وانقطع رمي قذائف الهاون 60 ملم، لمحت احد الجنود الذين استلقوا على الشارع الاسفلتي، يخلع فانيلته البيضاء ويربطها بعصا كان يتوكأ عليها ، هب واقفا على قدميه وهو يلوح برايته، كان مشهدا مروعا لم امر به طوال خدمتي العسكرية الطويلة ، نظرنا اليه بعد ان وقف في منتصف الشارع وسط النيران، واحدا بعد الاخر تركنا المنخفض الضيق وتقدما نحو الجندي وهو يلوح بفانيلته، تقدم باتجاه الدبابات ونحن سلكنا الطريق خلفه، شكلنا رتلا منفردا وسط الموت غير ابهين بالطرفين سواء اطلقوا علينا النيران ام لا ، يبدو ان جنود اللواء المدرع 28 عرفوا بأننا جنودا منسحبين، وصلنا المضيق وهناك كان في استقبالنا امر اللواء المدرع 28 وهو ضابط برتبة عقيد ركن قال ، اخبروني بالموقف لأني لا اعرف ما الذي يحدث حولي فانا هنا بلا اتصال ولا معلومات !
لكل منا قصة يحكيها له، قلت له كمخابر يعرف تمرير المعلومات وصياغتها بكل ما جرى لنا حتى لحظة وصولنا اليه، طلب من مساعده التراجع نحو مقر الفيلق قرب اربيل، وان تتخذ الدبابات وضعية القتال في حالة الانسحاب ، فاستدارت الدبابات بينما ابراج مدافعها كانت موجهة للدفاع، في حاله تعرضها للهجوم اثناء انسحابها، صعد امر اللواء في سيارته اللاندكروز العسكرية ، وانسحبت الدبابات باتجاه الفيلق حسب الاوامر التي تلقوها، اشرت لسائق دبابة t 62 ان يتوقف كي نتمكن من تسلق ظهر الدبابة مع الجنود الاخرين ، اربعة جنود صعدنا اليها تمددت فوق المحرك بين صناديق الذخيرة وعفش طاقم الدبابة، انطلقت الدبابات فوق الرصيف الترابي تسحق الارض بجنازيرها، سمعت اطلاق نيران كثيف بينما الرصاص يئز قريبا منا، نظرت الى الطريق فلمحت عجلات الواز العسكرية وعجلة بيكاب مدنية مسلحة تطلق علينا النار برشاش ثقيل، كانت في مكان مرتفع فيما الدبابات تتحرك في واد منخفض، كان الرصاص يخرق العفش، اسرعت و تمددت على ظهر الدبابة لكي اتفادى الرصاص الذي انهمر علينا كالمطر، الفوضى التي طالت الرتل ارغمت الدبابة على ان تبطئ من سرعتها، كانت تلك اللحظة المناسبة لكي اغادر ظهر الدبابة ، حينما اسرعت بالقفز تعثرت بالصناديق فالتوى مفصل قدمي، فلم يعد باستطاعتي التحرك، زحفت مبتعدا عن الرتل المدرع الذي تعرض لكمين محكم، حيث وجدت نفسي وسط قرية شطرها الطريق الى نصفين، شاهدت عجلة اللاندكروز العسكرية الخاصة بأمر اللواء المدرع متوفقة وابوابها الاربعة مفتوحة بينما ثقوب الرصاص تملا نوافذها الزجاجية، كانت فارغة، كانت جثث الجنود ممددة على التراب، عشرات الجثث انتشرت على جانبي الطريق، انهمر علينا الرصاص من البيوت، زحفت احاول العثورعلى ملجأ الوذ به من الموت، دخلت زقاقا ضيقا مع ثلاثة جنود ، لم نعرف ما الذي علينا ان نفعل في تلك اللحظات العصيبة، كنا في عداد الاموات، وجدنا مدخل احد المنازل مفتوحا فدخلنا فناء البيت، نحتمي بالحائط، في تلك اللحظة، خرجت امرأة مسنة ترتدي ثوبا اسودا كانت في السبعين من عمرها ، بوجه ابيض وتجاعيد خفيفة، اقبلت نحونا وهي تطلب منا الدخول الى الصالة، كان بيتا بسيطا، وهي تسير الى صورة معلقة على الجدار موشحة بالسواد قالت انتم اولادي ايضا في الصورة ولدي الذي استشهد في البصرة قبل 10 سنوات، قالت اطمئنوا لن يصيبكم أي اذى طالما انتم في بيتي ، اقتحم البيت ثلاثة شبان يحملون بنادق كلاشينكوف، طلبوا منا مغادرة البيت، وهو الامر الذي رفضته المرأة المسنة، قام احدهم بتهديدنا بالسلاح حيث سددوا بنادقهم نحونا، سمعت احدهم يقول لها بالعربية ، باننا قتلنا شقيقه قبل لحظات وهناك قتلى اخرون قام الجنود بقتلهم، قلت له باننا غير مسلحين وباننا انسحبنا من جبل هيبت سلطان، ونريد العودة الى بيوتنا ولم نقتل اي احد، كان غاضبا جدا ، قلت له بأننا لم نقتل اي شخص ان اردت اعدامنا فاعدم ودعنا ننتهي من هذه المهزلة، في تلك اللحظة التي شكلت فارقا بين الموت والحياة، قامت المرأة المسنة بالوقوف امامنا وشكلت حاجزا بيننا وبينهم، قالت لهم ان اردتم قتلهم فعليك قتلي اولا .
ثم جاءت نسوة اخريات في مثل عمرها ، قمن بسحب الشبان الاكراد وابعادهم عنا ، جلسنا في غرفة ضيوف بيت المرأة المسنة ، كانت تبكي بصمت وهي ترفع يديها الى السماء، بعد ساعتين اخبرتنا ان بإمكاننا المغادرة والذهاب الى مدينة اربيل، لم اعد اشعر بقدمي المصابة التي انتفخت واصبحت كقدم فيل، خرجنا عبر الازقة ونحن ننظر الى جثث الجنود وهم يلقون بها في سيارة حمل صغيرة. نفس الرتل الجنائزي والشعور بالضياع ونحن نسلك الطريق الى مدينة اربيل .

تحرك نيابي لإقرار "الدخول الشامل"
7-أيار-2026
قاليباف: حصار واشنطن الاقتصادي يهدف لتفكيك لتفكيك إيران من الداخل
7-أيار-2026
وزير التخطيط: العراق يقترب من «الهبة الديموغرافية»
7-أيار-2026
أكثر من 40 مليون برميل من نفط العراق عالقة غرب هرمز
7-أيار-2026
صعود الزيدي إلى رئاسة الوزراء: تسوية سياسية أم إعادة تدوير للنفوذ بين واشنطن وطهران؟
7-أيار-2026
«كابينة الزيدي» تدخل نادي المغانم: «مناصب ترضية» وحراك لتمرير كابينة الـ 14 وزيراً قبل موسم الحج
7-أيار-2026
حصاد وفير ومخاوف متصاعدة: هل تنجح الحكومة في تسويق الحنطة وصرف مستحقات الفلاحين؟
7-أيار-2026
حضور فاعل لشخصيات ثقافية مرموقة في أروقة الدار العراقية للازياء
7-أيار-2026
مخيم الجدعة يختبر قدرة العراق على إنقاذ جيل نشأ في العزلة
7-أيار-2026
سلة دجلة: الموسم الحالي استثنائي وقد يشهد أخطاءً قابلة للتصحيح
7-أيار-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech