رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2096

فصل المسار الحزبي عن المسار التنفيذي

محمد عبد الجبار الشبوط

الاصل في النظام الديمقراطي الحضاري الحديث ان الاحزاب تتنافس على السلطة من خلال الانتخابات والفوز باعلى نسبة من اصوات الناخبين. وليس في ذلك عيب. فالحزب السياسي ذو البرنامج العملي الواضح يسعى الى الامساك بالسلطة او بجزء منها في حالة الحكومة الائتلافية من اجل تنفيذ برنامج العملي الذي حاز ثقة وقبول الناخبين.

لكن الامر ليس كذلك عندنا في العراق. فالنظام السياسي القائم ليس ديمقراطيا كما يقول الدستور، انما هو نظام هجين. ومن مظاهر ذلك ان الاحزاب القائمة ليست احزابَ برامج وخطط. وهي اقرب الى حالة جماعات المصالح والضغط الموجودة في بعض الانظمة الغربية الديمقراطية. انها جماعات فئوية تسعى الى تحقيق اهداف خاصة، شخصية او حزبية او ما شابه، وليست احزابا وطنية عابرة شاملة تحمل برامج سياسية تستهدف الخير العام وتحسين حياة الناس.

ولهذا كان من السهل ان يتسلل الفساد الى هذه الاحزاب بعد ان امسكت بتلابيب السلطة. ولهذا اصبح من الصعب ايضا مكافحة الفساد بوجودها في السلطة.

لهذا جاءت الدعوة الى فصل المسار الحزبي عن المسار التنفيذي في الدولة، استثناء مما تجري عليه القاعدة في الانظمة الديمقراطية الحديثة، كما قدمت.

لا يمكن اقصاء هذه الاحزاب عن الحياة السياسية لان لها جمهورها الذي صوت لها في الانتخابات. وعليه، يمكن للأحزاب ان تشارك في الانتخابات كما فعلت في هذه العام (ماعدا حزب الدعوة الذي قادت خلافات قادته الى خروجه رسميا من حلبة المنافسة الانتخابية)، ويمكن ان تحتل مقاعد برلمانية فتكون جزءا من السلطة التشريعية التي ستراقب اداء الحكومة وتقوم بما حدده لها الدستور من اختصاصات وصلاحيات بما في ذلك اقتراح القوانين ومنح الثقة للحكومة او سحب الثقة منها.

اما الجانب التنفيذي فيترك للمواطنين وليس للاحزاب. وهذا ما يسميه البعض بالتكنوقراط المستقل، وجرت محاولة تطبيقه في حكومة العبادي، لكن تلك التجربة لحقها تشويه كبير لان رئيس الحكومة نفسه كان حزبيا ويفكر بطريقة حزبية مغلقة.

اما وقد انتهت تلك الحقبة، وتولى القيادة العليا محمد الحلبوسي وبرهم صالح وعادل عبد المهدي، فان ذلك يسمح لنا، في اطار الفرصة الاخيرة، ان ندعو الثلاثي الى تبني فكرة فصل المسار الحزبي عن المسار التنفيذي للدولة وتشكيل حكومة تضم عراقيين مهنيين متخصصين في مجالاتهم ويملكون القدرات الادارية اللازمة ومعروفين بالنزاهة والاستقامة والاخلاص ويحوزون ثقة البرلمان حسب الدستور.

لن تخضع هذه الحكومة لنظام المحاصصة الحزبية او ما يسمى بالاستحقاق الانتخابي. ولن يكون للأحزاب وزراء بحسب عدد المقاعد التي حصلت عليها في البرلمان. ولن تستخدم طريقة النقاط في تشكيل الحكومة.

لكن من الطبيعي ان تكون الحكومة ممثلة لشرائح المجتمع المختلفة من حيث الجنس والمحافظات والتعددية الاثنية في المجتمع. فيكون فيها الرجل والمرأة والمسلم والمسيحي والكردي والعربي والتركماني والشيعي والسني وغير ذلك، لكن لا على اساس المحاصصة، وانما على اساس الخبرة والكفاءة المهنية والقدرات القيادية والادارية الشخصية.

ربما لن ترضى بعض الاحزاب الطامعة بالسلطة عن هذا التوجه، وربما سوف تضع العراقيل في وجه الحكومة الجديدة، وربما ستحاول التسلل اليها عبر ترشيح "مستقلين" يدينون لها بالولاء كما فعلت في المرة الاولى.

هنا يتعين على رئيس الوزراء المكلف ان يتمتع بقدر كبير من الشجاعة وإرادة التحدي والتغيير ومواجهة الاحزاب التي ترفض هذا التوجه بالحقيقة، وهي ان اغلبية الشعب تريد تغييرا حقيقيا وليس شكليا.

ربما كانت خطوة الترشيح للمناصب الوزارية جزءا من خطة التحدي والمواجهة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي