رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 23 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2006

اللانظام وتقويض فرص الاستقرار فـي الشرق الاوسط

د. احمد ابريهي علي
الحروب التي تعانيها شعوب المنطقة وفشل الدول وحتى عجزها او انهيارها هي فوضى وازمات يولدها اللا نظام وليست صدفة، او نتيجة اخطاء هنا وهناك، بل لضعف او حتى غياب المرتكزات الضرورية لتكوين وترسيخ نظام معاصر للسياسة في المنطقة.
والوحدة الأساسية للنظام هي الدولة المستقلة ذات السيادة، وذلك بموجب المنظومة المعيارية التي تستند اليها ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تسمى تنظيم او نظام العالم World Order، وتعود جذورها الى معاهدات ويستفاليا الموقعة بين مايس وأكتوبر من عام 1648 بعد حرب الثلاثين عاما. والسيادة sovereignty في أصلها اللغوي من سيد sovereign بمعنى الذي لا يخضع لغيره، ولذا فإن الاستقلال جوهر السيادة بالتعريف.
وكان المتوقع ان حرب الخليج الثانية وكل المصائب التي اعقبت اجتياح العراق للكويت، بما في ذلك احتلاله وما جرى فيما بعد، توقظ الأذهان الى ضرورة احترام الدولة بصفتها الحقيقة الكبرى في السياسة. وان الصلات الدينية والقومية وسواها لا تسمح بمصادرة استقلال وسيادة هذه الدولة او تلك تحت اية ذريعة مثل افتقاد حكومتها للشرعية الديمقراطية او اضطهادها لشعبها او" عمالتها" او لتحالفها مع اعدائنا وسوى ذلك. كما ان مواثيق الأمم المتحدة تؤكد ان الدول متكافئة في سيادتها رغم اختلافها في الحجم السكاني والحيز الجغرافي والقوة بجميع مصادرها، اقتصادية وتقنية وعسكرية، او غيرها.
وقد لا نختلف على ان الارتقاء الأخلاقي هو الوجه الآخر لسنن التطور، والذي يتضمن تهذيب السلوك الفعلي تدريجيا وتقليص مديات انحرافه عن قواعد المنظومة المعيارية، وبخلافه نسلّم، منطقيا، بإمكانية الارتداد الى المرحلة الوحشية، وهو مُحال في جميع ما وسعني الاطلاع عليه من النماذج النظرية للتطور والكتابات الفلسفية ذات الصلة.
ومن المعلوم ايضا ان النظام الدولي، آنف الذكر، يسميه كثيرون بانه نظام امريكي وأحيانا غربي بدلالة الهيمنة، زعامة أمريكا للغرب وهيمنتها على العالم. وان عقيدة الهيمنة الأمريكية وارث القيم الاستعمارية للدول الاوربية الكبرى، وعوامل اخرى، حالت دون تبلور نظام سياسي للعالم يساعد الدول الضعيفة والمتخلفة على الاستقرار والتطور. والى نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان الاتحاد السوفيتي، والنسق الدولي للاشتراكية بما فيه الصين، مناهضا للهيمنة الأمريكية. ومنذ نهاية السبعينات اتجهت الصين لبناء قوة اقتصادية عبر الاندماج التنافسي في السوق الدولية. وتراجع الاتحاد السوفيتي نحو التفكك، ومن ثم اندراج روسيا في نظام العالم الذي تهيمن عليه امريكا، ولا زالت سياستها تجريبية بين الاكتفاء بالاستقلال او السيطرة على المجال القريب، والتنافس بحذر هنا وهناك.ايام القطبية الثنائية، بين مطلع الخمسينات حتى اواخر الثمانينات، كانت الولايات المتحدة مشغولة في سياستها الخارجية بالحد من انتشار النموذج السوفيتي والحفاظ على التحالف الغربي، ودعم الليبرالية الاقتصادية ومساندة الحكومات التقليدية لمحاربة الشيوعية. ومع ضعف الاتحاد السوفيتي ثم انهياره تزايد اندفاعها لتأكيد الهيمنة في سلوكها الفعلي واستراتيجياتها المعلنة وثقافة العمل في دوائر السياسة الخارجية.
ومنذ سقوط الملكية في إيران مرورا بالحرب العراقية الإيرانية والى يومنا هذا لا نبالغ عند وصف السياسة الأمريكية في المنطقة، ومعها بريطانيا وفرنسا بدور محدود، بانها لا عقلانية واستعلائية ولا تكترث بحق الشعوب في الامن والاستقرار والازدهار. واضافة الى ذلك توجد الكثير من الدلائل على ان سياسة امريكا، هذه الدولة العملاقة، تؤثر فيها لوبيات، مجموعات ضغط، تعمل لصالح دول اجنبية وبمعرفة البيت الأبيض والكونغرس، ومصالح صغيرة وشبكات علاقات شخصية لا تليق بأية دولة. والمقصود باللاعقلانية بان تلك السياسات ليست ضرورية لأمن الولايات المتحدة، دع عنك المبالغات في تعريف الأمن والتهديدات الأمنية لتبرير التدخلات والحروب، ولا هي نافعة لاقتصادها، ولا تساعد على تحسين صورتها ومكانتها المعنوية في الخارج.
لقد كانت الولايات المتحدة طرفا في جميع نزاعات دول المنطقة وحروبها الأهلية، ولم تحترم واجبها بصفتها الدولة الراعية لنظام العالم، وتتصرف بحياد ونزاهة، لإطفاء تلك النزاعات وتجنيب هذه الشعوب المظلومة الحروب والخراب وضياع فرص العدالة والتنمية.
تلك البيئة الدولية تفاعلت، دائما، مع جميع القوى والتوجهات الناقضة لفرص تشكّل وتجذّر النظام في المنطقة. لأن المعضلة في وجود أكثر من جغرافية سياسية، واحدة منها ترسمها حدود الدول، والى جانبها جغرافيات اثنية – ثقافية قوية وفاعلة. وتلك التكوينات متنازعة وضاغطة لتوظيف امكانات الدولة وعلاقاتها الدولية في مجريات تناحرها. لقد كانت الدول الناشئة في صراع حاد مع هوية عابرة للحدود الرسمية وطامحة لتأكيد ذاتها في دولة بديلة، واستمر التوتر دون الوصول الى تسوية. ولقد عمق الأعلام والخطاب الديني، في عموم المنطقة، الذي رافق الحرب العراقية الإيرانية، وما بعدها، الاحساس بالهويات المتجاوزة للدول. وتدريجيا تراجعت قوة الانتماء الأثني، اللغوي، لصالح الهويات الدينية، ثم الانتماءات المركبة، دينيا-اثنيا، وتلاشت في اذهان الناس الجغرافية السياسية التي ترسمها الدولة لتأخذ مكانها جغرافيات فوضوية.
لا شك ان التنوع الديموغرافي حقيقة لا يمكن التقليل من شأنها في المنطقة، وعندما يتعمق الاحساس بالانتماء الديني او الأثني الى الانفراد في وعي الذات الجماعية، ويسيطر على الإرادة السياسية لتلك الجماعات، تغيب عن الوجدان قيمة الدولة وحدودها، وتنساق الحكومات خلف هذا الضياع، وبالنتيجة تصبح العداوات والاستعداد للحروب او خوضها مباشرة او بالنيابة هي السياسة الحاكمة.
وثمة نزعات اخرى لها دورها في تقويض فرص بناء النظام تتمثل في احساس المجموعات الحاكمة، في هذا البلد او ذاك، بأن لها حق امبراطوري تحت إغراءات التفاوت الحاد في قدرات دول المنطقة اقتصاديا وعسكريا، او بتأثير خداع تمثيل الجماعة الدينية، بما يعني انتشار النفوذ السياسي للمجموعة الحاكمة على الامتداد الجغرافي للهوية الدينية. وهنا ايضا يشتبك مطلب الهيمنة الأمريكية، و"أمن اسرائيل"، والنزاع الأمريكي الإيراني مع كل ما تقدم لتصل الفوضى حد الجنون في العبث وسفك الدماء. امريكا مصرة على تشغيل جميع تلك العناصر الهدّامة في تحيزها لإسرائيل، وفي نفس الوقت وبنفس القوة تنسج التحالفات وتوظفها، مع اضطراب المنطقة آنف الذكر، في نزاعها مع إيران. وأكدت مثل هذا الاستعداد في أكثر من مناسبة، غير آبهة بالكوارث الإنسانية المحتملة، ولو عمّت الفوضى من افغانستان الى المحيط الأطلسي مرورا بتركيا وإيران. بينما تقتضي اخلاق الحضارة المعاصرة تجنب إحياء او تعنيف الخصومات الدينية الموروثة في مجتمعات المنطقة لخدمة اهداف سياسية.
الأطروحات المتداولة للخروج من هذا المأزق ليست فاعلة وبعضها تفترض ضمنا عدم وجود هذه المشاكل اصلا، او دواء يوصف للمريض بعد الشفاء. فمن هي الجهة القادرة على اعادة صياغة الوعي للاعتراف النهائي بالدولة وفرض احترام حدودها وسيادتها واستقلالها على الجميع. وكيف يمكن تصور وصول المؤسسات الصانعة للراي العام، وبعضها مرتزقة او عصابية في تعصبها، الى قناعات راسخة بأن كافة الجماعات الدينية والأثنية لها حقوق متكافئة في الوجود، سياسيا وثقافيا وانسانيا وفي الامن وفرص الرفاه والازدهار، وان المصالح العليا للشعوب تتطلب تعميم طرائق التفكير والنظر التي توصل الى تلك القناعات. وأصبح من الواضح الجلي انه ما لم تتمكن شعوب المنطقة من اقامة نظام سياسي على هذه المنظومة المعيارية فالمستقبل مجهول وتبقى مهددة بالاضطراب والانتكاسات.
لا بد ان تضمن كل المجموعات السكانية فرصتها في مستقبل آمن، والاعتراف بالدول بصفة نهائية، وادانة التعبئة الحربية الدينية والقومية، وكبح التطلعات الإمبراطورية. والحاجة ماسة الى ثقافة تقود لتحويل المنطقة الى جغرافية انسانية يسودها النظام والتسامح وعلى اساس القبول غير المشروط بالتنوع، وان كل فرد من اية جماعة ومكان له نفس الحق وعليه الواجبات التي تقتضيها عضويته في الاجتماع الإنساني.
من الضروري ان تتكاتف جهود الخيّرين للدعوة الى تفاوض جماعي يؤسس لتعاون دائم وانفتاح بين جميع دول المنطقة وجماعاتها. وتبقى معضلة "امن اسرائيل" وسياسة امريكا وحقوق الشعب الفلسطيني المظلوم هي البؤرة المولدة للاضطراب، فما العمل؟
* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي