رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 14 حزيران( يونيو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1984

قصة قصيرة .. سخونة الجسد

صالح جبار خلفاوي
وضعت في طبق الخوص اخر رغيف سحبته من التنور .. الارغفة الساخنة جعلتني اشعر بالجوع ..أنسحبت حاملة ما خبزته ..
الظل يبقى متشبثا تحت السقيفة الواطئة .. فيما بقينا نترصدها بعيون فارغة .. الحائط السمنتي يتفاعل مع قميصي الباهت اللون ..
– تعال هنا لاتلعب بالشمس ..
لم يُعرها اهتمامه .. ظل يرمي بالكرات الزجاجية الصغيرة نحو الحفرة التي صنعها بيده المتسخة ..
– حّرك نفسك قليلا .. أشعر بالتعب ..
جسدها المستدير يتحرك بنشاط .. اردافها تثير فضولي .. أمُدَّ يدي نحو كوز الماء البارد .. أرتشف قطرات منه .. أسمع صراخها المفزع :
– جسد الطفل ملتهب من الحرارة ..
العام الماضي حينما انتقلنا الى السكن بالخان الكبير .. أعطانا مالكه زاوية في نهايته عبارة عن غرفة نوم وأخرى للجلوس مع مساحة واسعة مشغولة بمواد مختلفة .. العمل كحارس له ميزاته ومخاطره .. أُبقي الباب الواسع مُغلقاً طوال فترة الظهيرة والمساء .. بعدها أحاول التخلص من رتابة اليوم .. أمضي بتؤدة نحو الشارع حيث أعمدة النور تضيء بالوان صفراء فاقعة ليبدو المشهد شبه مُعتم .. نجلس سويةٍ نحن الأصدقاء تحت عمود مُطفأ المصباح .. ندخن لفافاتنا بهدوء غريب ..
الجسر لايبعد كثيراً .. ينبت تحته مقام أحد الاولياء .. بقبة زرقاء تمتد جذورها الى سطح الماء المائل للخضرة .. في احدى الزيارات تعرفت عليها .. بدت عالماً ساحراً ..
أخبرتني أنها مُطلّقة .. منذ عامين .. أبن خالتها سكير .. لايطيق البقاء مع أمرأة .. تقول : مُتعته تحددها مدة الانسجام .. حينما تعّرف على مومس تركها تعاني الوحدة .. في حجرة مؤجرة .. يجاورها عامل تصليح دراجات هوائية ..
مضَغتُ الرغيف الحار … أحضَرت لي قدح الشاي .. المروحة تدور ببطء .. خفَت صوت الطفل .. جلستَ على سريرها المزوي .. تطالع وجهها بمرآة صغيرة..
– خسارة هذا الجمال يُدفن في القمامة ..
مواء قطة يأتي من الباب الموارب .. تمُد رأسها بعينيها البراقتين ..تلقي مرآتها على الفراش ..
– أطردها .. سوف تأكل الطعام ..
صاحب المخزن رجل خمسيني .. متصابي .. في غفلة مني يطاردها .. أتابعهما عن بعد .. التجسس عمل مغري .. يجعلك في قلب الحدث وبعيداً عنه في آن واحد ..
عند لحظة ضعفها تسمح ليده باللعب في جسدها المنتفض .. ثم تنتبه .. تدفعه .. بنّدول الوقت يتأرجح بين الخضوع والتمرد .. أختبار لايمكن الركون اليه .. حالة من الشّد تنتابني ..
تعاود القطة مواءها الخافت ..تتسلل بخفة نحو الصحون المتروكة قرب الموقد .. تنتفض المرأة ثانية .. تهم بالتقاط شيئاً من الارض لتلقيه عليها..
– بشت .. بشت ..
ألم أقل لك أطردها ..؟
أشعر بسخونة جسدي .. الطفل يلثغ بكلامه .. يطل علينا رأساً أنيقاً .. ووجه يعلوه عبوس مفتعل ..
ومعاني لكلمات مغلقة بدون طائل ..
– لم تركت باب الخان مفتوحاً .. ؟
أستطرد متحدثا بصوته الناعم :
– الا تخشى من سرقة البضاعة ..؟
الباب كبير لايتحرك بسهولة .. أستدرت نحو الرتاج رحت أدفعه بظهري . . أخيراً استقر مكانه .. تحركت الى الضلفة الاخرى ..
تعرق صدغي من الشَّد.. أتسخت فانيلتي ..من دهان الباب .. القطة تتحرك بين البضائع المكدسة ..بحثت عن بقايا طعام لارميه لها ..
رابّني سكون موجع وأصوات مكتومة .. الطفل غافياً في مهده .. صاحب الخان أعتلى السرير فوق الجسد المتين ..لم أجد شيئاً أعبر به عن غضبي سوى الصراخ:
بشت .. بشت ..
نهض ساحباً سرواله الى الاعلى .. ليخفي عورته .. القطة قفزت بأتجاه بقايا الاكل ..باب الخان يطرق بلا توقف .. رعشّة تنتابني بلا توقف .. فيما بنطالي ينسحب الى الاسفل ..
تركت المكان .. فتشت عن ملجأ أوي أليه .. لم يكن سوى مرقد الولي .. وضعت رأسي على حجر رطب .. غفوّت .. أشباح تطاردني .. أهرب .. تتبعني الى سموات تفضي الى وجع يتمرى على جروح تأبي أن تندمل ..
أحمل ندوبي الى رجل وقور .. يتلقفها .. أتذكر محنة الذين خاضوا في جهاد لم يزل الى الان يتوارث الاجيال .. محنة علي مع ابي سفيان في الفسطاط .. تراها محنة متبادلة ..؟ كبير القوم يحن الى الملك العضوض .. وحرقة الامام على فيض النبوة ..
عالمان متصارعان .. حينما شخب الدم بين أمية وعمرو .. جرت دماء كثيرة .. لم يتوقف بعدها الذبح .. وسادتي الحجرية تؤلمني .. المزّار مكتظ بالمريدين .. عشقي المطعون ينكىء جرحي بصمت ..
أبث وجعــــــي نحو الشبّاك .. لا يبرد قلبي .. ما زالت صورة الرجل الخمـــــسيني مطبوعة في ذهني .. الصــــــــــــوت المكتوم يتأرجح بتجاويف لاقرار لها ..
يزحف مؤشر غامض يستفز بقايا صور ماكثة في الوجدان .. ضحكتها الاولى شّدتني الى عوالم أفتقدها .. محاصر بين حرب مستمرة .. وحريق يشب في المدن والقصبات ..
أصابعها المكتنزة .. توحي بالترف .. الرغبة سعار .. أسنانها البيضاء تشع من فم مغري .. النبض يسري بانتفاض ..
– سأجعلك سعيداً ..
سعادتي عنوان زائف .. كل ما حويناه طفل يلثغ .. ومكمن لايحمي من التعرض .. يَحضّر خادم المرقد .. يُنظف الزوايا .. يرى قطة تدور حول الزوار يصرخ بها:
– بشت .. بشت ..
يبقى المكان مزدحما بالزوار المتلهفين.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي