رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

الوجع الآتي ..!

قاسم حول

شاركني طاولة الفطور مخرج سينمائي تركي وهو معي في لجنة التحكيم السينمائية لمهرجان "قيصري" السادس في تركيا، وبعد أن إنتهى من تناول طعام الأفطار الشهي، بقيت قطعة خبز صغيرة، وكان قد أخذ ثلاث قطعات من الخبز، وأحس بالشبع بعد أن تناول قطعتين. نظر إلى قطعة الخبز الصغيرة المتبقية في صحنه، وقال "ليسامحني الله ما كان ينبغي أن أضع في صحني ثلاث قطع من الخبز"، وأحس بالذنب حقا، وهو لا يعرف كيف يعتذر من الله، إذ لا يصح أعادتها، وعليه أن يرميها في برميل النفايات!

هي قطعة خبز صغيرة واحدة، أحس المخرج "سمير أصلان يورك" بالإحراج من الله قطعة الخبز المتبقية قد تسد رمق إنسان جائع.. المخرج الذي شاركني طاولة الفطور أعرفه جيداً، فهو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فهو والحالة هذه لا يخاف عقاب الآخرة الوارد في كتب السماوات.. ولكن عندما قال "فليسامحني الله" فإنه يخاف من وخزة الضمير .. فالضمير هو الله في إمتلاك الوعي، والضمير هو الروح التي تتعذب في حال أخذ ثلاث قطع من الخبز، فيما حاجته لقطعتين! فليسامحني الله .. سوف يسامحك الله يا "سمير أصلان يورك". وسمير هذا مخرج سينمائي  مدهش التفكير والمخيلة ونبيل في كشفه للواقع المعاش، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. لم يصل يوما، ولم ولن يذهب للطواف حول الحجر الأسود، ولم يكو جبهته بالسشوار، ولكنه طلب من الله السماح، لأنه تناول قطعة من الخبز لم يكن بحاجة إليها. هكذا يبدو الإنسان نبيا مبشرا بالخير وبالجنة في الحياة الدنيا.

 تعال نمشي في المدينة  يا سمير ،لأحدثك عما يجري في وطني، أحدثك  عن عالم اللصوص وعالم القوادين وأبناء الزنى. قال لي لماذا تبحث عن كلمات محسنة. سمهم وأهلهم وأصولهم بالكلمات التي "تفش الخلق" حتى نشعر  بالأرتياح!

عدنا إلى الفندق الأفقي الجميل وأنا أعشق البناء الأفقي، ولا أميل السكن في البنايات العمودية .. جلسنا في مقهى مشمسة وأمامنا شاشة تلفزيونية تبث الصورة في الهواء الطلق، وكان صاحب المقهى مولعا بفضائية الطبيعة .. كان الفيلم يصور عالم الحيوانات في الغابة. لقطة كثيرا  ما تكررت على الشاشة عن نمر جائع يرصد غزالة، ركض النمر صوبها فهربت من الموت، يطاردها الخوف المرعب. لا أستيطع مواصلة المشاهدة، فأدرت وجهي عن الشاشة. المشهد مكرر كثيرا لكنني لا أستطيع النظر إليه .. النمر ينقض على الغزالة، ويأكل لحم فريسته. ثم عندما يشبع يترك جسد الغزالة فيأتي الأفارقة بحثا عن طعام، فيقطعون المتبقى من جسد الغزال ويحملونه إلى بيوتهم .. لصوص العراق يأكلون بنهم كل غزلان الغابات ويأكلون بنهم كل خبز تنانير العراق ويؤدون فريضة الصلاة، يتوظأون بمياه التصريف "الطاهرة" وينهون الفرائض بالصلاة على محمد وآل محمد ..!

يكوون جباههم بالسشوار ، ثم يظهرون على شاشات القنوات الفضائية وهم موسومون بالعلامات الفارقة .. سيماهم في وجوههم من أثر السجود وحين لا تراهم على شاشات تلك القنوات فهناك ثلاثة إحتمالات!

الإحتمال الأول أن يطوفوا حول الحجر الأسود وهم يرددون "أنا عبدك الحقير"!

الإحتمال الثاني، أن يكونوا في المستشفيات الإيرانية لإستئصال البواسير أو الزائدة الدودية!

الإحتمال الثالث، أن يتوجدوا في كازينوهات القمار تدور أمامهم عجلات الروليت تديرها لهم صبايا عاريات.

 كل  الإحتمالات تتمثل في موت الضمير!

هذا  الضمير الذي هو الله، موجود في حدقات الأطفال التائهين في شوارع المدن العراقية! وهو عذاب الآخرة في هذه الدنيا .. هو المرض والصراخ من قوة الوجع الآتي!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي