رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

هوية ساحة التحرير (5) العبادي الذي أضاع فرصته

.... كان الفيسبوك يغلي بالشتائم ضدّنا، لكنْ على الأرض كان كلّ شيء هادئاً ومرّت تظاهرة العصائب بسلام. كانوا أقلّ عدداً من أن نؤجل تظاهرتنا بسببهم، وقد أصبح واضحاً لكلّ من حضر انهم أيقنوا باستحالة "ابتلاع" التظاهرات أو "ركوبها"، كما تخوّف منتقدونا. وفي الأسبوع التالي لتظاهرة العصائب، كانت جمعة السكاكين، الجمعة التي اندسّ فيها شبان حملوا سكاكين وعصياً (لا أدري كيف أدخلوها في غفلة من القوات الأمنية التي كانت تفتش المتظاهرين بدقة فائقة)، وافتعلوا شجاراً مع زملائنا، أذكر منهم علي السومري وحميد جحجيح. وسأتكلم عنها بتفصيل أكثر في ما سيأتي، بعد أن أتحدث عن موقفنا من العبادي وموقفه هو من التظاهرات وهل كانت لديه رغبة بالإصلاح حقاً. خلال هذه الأيام كانتْ تصلنا دعوات من قبل رئيس مجلس الوزراء للقاء به، ومنها تلك الدعوة التي وصلت عن طريق جاسم الحلفي فأبلغنا بها، قال ان العبادي يريد أن يلتقيكم الآن، وكان مساء الخميس ـ الساعة الثامنة مساء على ما أذكر ـ حين كنا نتهيأ لتظاهرة الغد. كان معي الصديق علي السومريّ، وكانت الدعوة موجهة لي أنا وجاسم الحلفي ونبيل جاسم وحامد المالكي وحميد قاسم. استشرت السومريّ في البدء، هل أذهب أم لا؟ بعد نقاش قررت الذهاب، وأبلغت الزملاء بأني قادم إليهم لنذهب معاً للخضراء. لكني بعد أقلّ من نصف ساعة فكرت بأن لقاءنا معه يوم الخميس قبل التظاهرة قد يوصل رسالة سلبية عنا. صحيح ان العبادي أعطى عن نفسه صورة إيجابية بعزله نوّاب الرئاسات الستة من مناصبهم، وبطلبه تفويضاً من الشعب. وصحيح أيضاً اننا كنا خرجنا قبل أيام تأييداً لقراره ذاك، ويبدو ان تظاهرتنا المؤيدة له (كانت يوم الأحد، التاسع من آب  2015) هي التي شجعته على الإلحاح بطلب اللقاء. لكن ذلك لم يكن كافياً لمنحه هذه الورقة في ليلة كنا نستعد بها للتظاهر، وقد يكون فيها بعض الخذلان للمتظاهرين. قلت لعليّ: لن أذهب. واتصلتُ بالزملاء وأخبرتهم بأني لن أذهب، وهذه هي الأسباب. اقتنع نبيل بكلامي وقرر عدم لقاء العبادي هو الآخر، لكن الزملاء الثلاثة اضطروا تحت ضغط الإحراج بعد تحديد الموعد، إلى الذهاب وربما كانت المقادير رحيمة بنا ان لقاءهم مع العبادي لم يتمّ وقتها، لأسباب تتعلق بانشغال طارئ لدى رئيس الوزراء. تكررت دعوات العبادي للمتظاهرين، لكننا كنا نعتذر عن لقائه، ولاحقاً بعد أكثر من شهرين سنقبل دعوته (وسأتحدث مطولاً عن اللقاء الذي استمر ثلاث ساعات تقريباً). حين أعلن العبادي يوم التاسع من آب طلبه تفويضاً من الشعب لإجراء الإصلاحات، كنت أنا من دعا إلى تظاهرة تأييد له، كانت الساعة الثانية ظهراً تقريباً حين كتبت دعوة التظاهر واتصلت بالزملاء واتفقنا على أن تكون التظاهرة الساعة السادسة، أي ان أمامنا ستّ ساعات لا أكثر، ولهذا كنا نتوقع عدداً محدوداً في الساحة غير اننا فوجئنا بان الساحة ممتلئة على آخرها. كانت لدى الناس ثقة ما برغبة العبادي وقدرته على إجراء إصلاحات حقيقية، وكانوا يرون انه مدعوم من المرجعية التي وضعتْ ثقتها به بشكل واضح، كما ان سنداً إقليمياً ودولياً حظي به كان يكفي أي رئيس حكومة لأن يفعل ما يريد فعله دون وجل. هذه الثقة من قبل الناس بالعبادي بدأت بالتلاشي مع إصداره حزمة الإصلاحات ـ التي فهم الجميع منها انها مجرد إجراءات تقشفية لا أكثر ـ، ثم بإظهاره خوفاً متزايداً من الرجل الكبير في حزبه (المالكي)، وأخيراً بتكراره لخطاب سلفه المغمغم المليء بالتسويف والمماطلة. شيئاً فشيئاً بدا الرجلُ، القويّ بعون من المرجعية وإيران وأميركا وتفويض الشعب قبل كل شيء، ضعيفاً مهزوزاً غير قادر على تحريك الراكد، وغير راغب في إثارة غضبٍ أيّ من الفاسدين من حوله. لاحقاً حين التقيناه ظهر عياناً هذا الضعف، واتضحتْ لنا تلك الهشاشة، وما زلت للآن أستغرب القدرة العجيبة التي يمتلكها هذا الرجل على إضعاف نفسه بنفسه وقتل مكامن القوة لديه. لقد واتته فرصة أن يأتي بفعل تأريخيّ حقاً، لكنه حطم كلّ شيء. غلبتْ عليه حزبيته وجبنُه وعدم استعداده لأن يكون مبادراً وقائداً. قيل انه تم تهديده بملفّ فيه اتهام له بالفساد حين كان وزير اتصالات، وقيل ان المالكي هدده بالقوات التي له عليها سطوة ونفوذ (إذ ليس خافياً على العراقيين ان هناك قوة لم تزل تأتمر فعلاً بأمر المالكي لا العبادي)، لا أحد يستطيع الجزم بصحة هذه الأقاويل لكن النتيجة ان أضاع فرصة ليكون اسماً بارزاً في تأريخ العراق. يتبع في الحلقة السادسة (جمعة السكاكين، لماذا طلبت من المتظاهرين إخلاء الساحة؟ من هم المندسون؟)

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي