Search

كركوك.. عراق مصغر، النجاح فيها نجاح للجميع

517

عادل عبدالمهدي

لم تذهب القوات الى كركوك لدحر الكرد، ولكسر شوكتهم.. بل ذهبت لتطبيق القانون والحقوق الدستورية، ولايقاف انتهاكات تهدد وحدة البلاد وتعايش مكوناتها. فالكرد قد ظُلموا طويلا في كركوك وفي غير كركوك، لذلك وقفنا معهم بدون تردد وعلانية وعلى رؤوس الاشهاد.. وسنقف معهم مظلومين مهما كانت الظروف، والقوى التي تسعى لظلمهم. لكن المسألة ان العكس قد حصل. فتم استغلال اخطاء الاخر، وصعوبة الظروف للسقوط في مواقع ظلم الاخرين، والتمدد، والخروج تماماً عن روح ونص الدستور الذي ساهموا بحماس في كتابته وتضمينه كامل حقوقهم، والتصويت باجماع شعبي عليه. فمهما كانت كركوك عزيزة على الكرد، لكنها عزيزة على اشقائهم ايضاً. وان حبهم لكركوك هو كحب الاخرين لكركوك. ويجب ان يعترفوا بان اخطاء خطيرة قد ارتكبت في هذا المجال، وتم فرض ارادتهم على بقية المكونات، وتم العمل بكل الوسائل لفرض واقع جديد لمصلحتهم على حساب الاخرين، تماماً كما فعلت الانظمة السابقة في فرض امر واقع ديموغرافياً واقتصادياً وسياسياً وحقوقياً، بالضد منهم في كركوك وغير كركوك.
تصرفت الحكومة الاتحادية وفق صلاحياتها الدستورية، لتصحيح المسارات غير الدستورية وغير الشرعية التي اصرت عليها بعض القيادات. فلندرك جميعاً ان سياسات فرض الامر الواقع على الاخرين قد انتهت بالنسبة لنا جميعاً. لذلك وقف الكثير من البيشمركة والقادة والمواطنين مع اجراءات الحكومة الاتحادية.. وسيقف المزيد والمزيد مع هذه الاجراءات، ما دامت الحكومة ستحترم في سلوكها وتصرفها الحقوق المشروعة للجميع، ولا تحول هذا النجاح الى عملية انتقام وقهر لمكون رئيس في البلاد.
فكركوك منطقة متنازع عليها.. وان الدستور قد وضع سياقات لحل اشكالات المناطق المتنازع عليها.. فاذا عطلت الحكومة الاتحادية او اي طرف هذه السياقات فالمطلوب العمل بالطرق الدستورية والتعاون لتصحيح المسارات، لا الذهاب الى خيارات احادية انفرادية، كما حصل في موضوعة العلم والاستفتاء والانفصال. فعزلت هذه القوى نفسها، ولم تستمع للنصائح حتى من اقرب محبيها واصدقائها، واصرت في عنادها، وصارت تطلق شعارات تحريضية وتعبىء الناس تعبئة خاطئة لن تقود سوى لعودة المآسي والاقتتال والدمار.
حظيت اجراءات الحكومة بتاييد عراقي واقليمي ودولي واسع النطاق. بل هناك تأييد غير قليل من كثير من القوى الكردية. وهو ما يفسر انهيار ارادة القتال، من البيشمركة، ليس جبناً او ضعفاً، وهم المعروفين بشجاعتهم وتضحياتهم، بل لان مشروعية القتال والحماس له، تؤسسها مشروعية المواقف العادلة، والتي تعكسها اليوم الحقوق الدستورية، لا السياسات الخاطئة والتجاوز على نص وروح الدستور ووحدة الوطن والبلاد.
اننا نهنىء قيادة الاخ العبادي في ادارة هذا الملف.. وفي التقيد تماماً بسياقات دستورية تتعامل مع ابناء الشعب العراقي دون تمييز او تفريق، خصوصاً في دعواته قوات البيشمركة للتعاون مع القوات المسلحة وهو ما قامت به الكثير من تلك القوات.. وسهلت المهمة والتي لولاها لسالت دماء كثيرة.. وفي دعوته حماية الكرد وغير الكرد. املنا في بقية القيادات ان تتفهم هذه الدعوات والحقائق، وان لا تأخذها العزة بالاثم. فما دامت الحكومة الاتحادية تتصرف وفق الدستور، فاننا جميعاً نقف معها، وندعو الاخرين للوقوف معها، تماماً كما وقفنا مع المطالب الكردية المشروعة، او مطالب اي مكون او اية شريحة عراقية، وسنقف معها دائماً ما دامت تتقيد بالدستور نصاً وروحاً ولا تسعى لفرض اي سلوك احادي او انفرادي على حساب الاخرين. فلقد انجزت الحكومة الاتحادية مهمة صعبة للغاية وهي فرض سيطرتها في منطقة هي من اختصاصها.. وان امامها مهمة اصعب واكثر حساسية وخطورة وهي اعادة الامور الى نصاباتها الدستورية والقانونية وفق الدستور والقانون مع شركاء الوطن من الكرد وغير الكرد. ففي هذه الاحداث يجب ان يخرج الجميع رابحين، وان تجبر الخواطر، وان لا نؤسس لمظالم تاريخية جديدة، وان تتوقف خطابات الكراهية والشماتة التي هي الوجه الاخر للانفصال واعتداء الاخر وانحرافاته.. وان لا يكون هناك من مهزوم سوى السياسات الخاطئة غير الدستورية وغير القانونية، الصادرة من هذا الطرف او ذاك.