Search

نبتيون ومينرفا .. !

259

قاسم حول

فيما كان “زيوس” رب الأرباب لدى الأغريق في أساطيرهم، مشغولا بترتيب مواقع الآلهة ومشغولا في ذات الوقت بنزواته النسوية من ربات الجمال الإغريقي، وفي الوقت الذي تتصارع فيه الأحداث والحروب، وصل بلاد الإغريق رجل فينيقي يدعى “سيكروبس”، وصار يبني لأهل الإغريق مدينة عظيمة لتبقى خالدة على مر الأزمان. وقفت آلهة الإغريق مندهشة من عظمة البناء، وصارت ترى وتبارك كل حجرة من صخور جبال الإغريق وهي تتحول إلى شكل مدينة ساحرة. ولما أنجز بناء المدينة كاملة إختلف الآلهة على تسميتها. فقرروا الإحتكام لرب أربابهم “زيوس” فإقترح لحسم الخلاف أن يطلق الإسم على المدينة بإسم من يأتي بالخير لأهلها.
إنبرى “نبتيون” من بين المجتمعين وضرب الأرض بحربته ذات الرؤوس الثلاثة ضربة هائلة، فإنشقت الأرض وظهر من جوفها حصان رشيق جميل يسابق الريح فأندهش الأرباب من جماله، وحاز على إعجابهم، فصفقوا لـ “نبتيون” تصفيقا عظيماً، لكن “مينرفا” هبت لتمنح الناس شيئا أسمى من الحصان، وكان الأرباب لا يعتقدون بأنها ستعطيهم أعظم من هذا الحصان الذي سيكون رمزاً لحروبهم يدافعون من خلاله عن مدينتهم التي بدت مزدهرة.
مدت “مينرفا” يدها في الفضاء، وأتتها شجرة الزيتون المباركة وبدت تشرح للآلهة فوائد الزيتون في تربية جسم الإنسان صحيحا، وأن يحفظ زيته طعامهم كي لا يفسد، فصفق لها أصحاب الحكمة وعقلاء القوم .. واليوم إتخذت الأمم المتحدة من غصن الزيتون رمزاً للسلام!
أرباب العراق من الشيعة والكورد ومن السنة والتركمان، ليس في دينهم إلها ولا ربا يطلب الإحتكام لعقلاء القوم، كي يعرفوا الفرق بين أحصنة الحروب وأغصان الزيتون للسلام. ومن قبلهم كان الدكتاتور “رب الأرباب” يرسل “الويلاد” لجبهات الحرب ويعودون ملفوفون بعلم العراق داخل صناديق الخشب التي كان يمكن أن يتحول خشبها إلى أثاث أنيقة تسعد بيوت الناس بدلا من توابيت الحروب. ولا تزال صناديق الخشب تأتي من جبهات القتال نحو مدافن الموتى، ولم يفكر أحدهم لا من الكورد ولا من العرب، لا من السنة ولا من الشيعة، ولا التركمان أن يشاهدوا ساحرة اليونان “مينرفا” وهي تأتيهم بشجرة الزيتون ليحفظوا طعامهم ويبنون اجسادهم بشكل سليم بعيدا عن الأمراض التي تستشري في ثنايا الوطن العراقي. أو تأيتهم بسعف النخيل، يبنون منه سقوف بيوتهم، ويأكلون من تمره رطبا جنيا!
السؤال .. هل الحرب التي أتت على أحصنة سيارات التيوتا رمادية اللون رباعية الدفع، والسيارات تحسب قوتها بالأحصنة، والحصان هو رمز لحرب “نبتيون” الذي شق الأرض بحربته الثلاثية الرؤوس، هل هذه الحرب نابعة من غباء الأدمغة المحشوة بالتبن، أم هي رغبة الأدمغة الجبارة الكامنة في عاصمة الدولة العبرية؟! .. هنا يكمن السؤال الصعب والجواب الصعب في أن يعتلي الناس الأحصنة ويهدمون مدنهم الجميلة التي بناها أجدادهم السومريون، ولا يعرفون معنى شجرة الزيتون في بناء الوطن والإنسان!
تراءى لي وأن أقرأ الأساطير الأغريقية وحكمتها في الحياة أنني أمام إصطبل من الحمير بملابس حريرية من الشروال الكوردي وأربطة الحرير العراقية والعملات الورقية الصعبة والسهلة، قد إستوردوا بأنفسهم سيارات التيوتا رباعية الدفع تقاس قوة الدفع فيها بالأحصنة، وفتحوا أبواب الحدود، كي يدخلوا لبلادنا جند الخلافة الإسلامية المقيتة، ولم يعرفوا كيف يزرعو النخل والزيتون كي يحفظوا طعامنا من الفساد وينعشوا صحتنا بالعافية ويحموا نسائم الوطن من غبار التصرح، وهم منشغلون بتلاوة آيات من الذكر الحكيم “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وحق عليها القول فدمرناها تدميرا”! وهم لا يدركون نوايا الدولة العبرية “المترفة” التي تغذي إصطبلات الوطن بخيول الحرب!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا