Search

استفتاء كردستان.. الدول تخدم مصالح الشعوب، اولاً واساساً (1)

339

عادل عبد المهدي

في نهاية العام الماضي تلقيت دعوة من جامعة “دهوك” لحضور منتدى حول استقلال كردستان.. اعطيت موافقة مبدئية للحضور، وبدأت باعداد الخطوط العريضة لمداخلتي، ولكن في الايام الاخيرة حصل امر طارىء منعني من المشاركة. ولخطورة الموضع، ولتطوراته الحالية والتداعيات التي يمكن ان يقود اليها، اطرح مختصراً ما كنت انوي عرضه.
استقلال كردستان ليس بالموضوع الجديد. فبعد تفكك الدولة العثمانية تم بالفعل وعد الاكراد بتكوين كيان سياسي مستقل لهم، حسب اتفاقات سيفر (1920). الا ان اتفاقات لوزان (1923) عادت فشددت على وحدة الاراضي التركية، اضافة لاتفاق الحلفاء تأسيس دولة العراق، مما ادى اضافة للتدافعات والتنازعات بين الاكراد انفسهم للتوقف عن طرح المشروع. رغم ذلك لم يتخلَ الكرد عن حلمهم وكفاحهم. فقامت جمهورية مهاباد (1946) بدعم سوفياتي، والتي انهارت بانسحاب السوفيات، وتم اعدام رئيسها “قاضي محمد” ولجوء المرحوم الملا مصطفى البرزاني كأحد قادتها الى الاتحاد السوفياتي لاكثر من ١٠ سنوات ولم يرجع الى العراق الا بعد سقوط الملكية (١٩٥٨). وحصل الكرد على الحكم الذاتي، واصبح لهم مجلس تشريعي حسب اتفاق 11/آذار/1970.. ثم بعد 1991 وانسحاب الحكومة المركزية من المناطق الكردية جرت الانتخابات المحلية، وقامت حكومة (1992) لادارة المناطق منفصلة تماماً عن بغداد ترأسها الدكتور فؤاد معصوم، والتي استقلت تماماً في حدودها وشؤون مواطنيها ومواردها، وبعد 2003 وبموجب قانون “ادارة الدولة” قام اقليم كردستان وحكومته بصلاحيات وواجبات محددة، وبحدود جغرافية معرّفة، والذي شرعن بدستور 2005 حسب النظام الفيدرالي واستفتاء عموم العراقيين عليه.
الحلقة التي كنت ساساهم فيها في منتدى “دهوك” كانت بعنوان “القانون الدولي وحق الشعب الكردي في الاستقلال”. ان العنوان نفسه يحمل اشكالية موضوع البحث. فهل سيسعى الاكراد الى دولتهم لان هناك وعود من الدول المستعمرة المنتصرة، او وعود حالية من بعض الدول التي لها استراتيجيات في المنطقة؟ ام لضرورات تفرض نفسها، عبر تنظيم داخلهم، وتنظيم علاقاتهم بجيرانهم، بما يحقق هويتهم ومصالحهم وهوية ومصالح جيرانهم؟ فاذا كان طبيعياً الاقرار بحق تقرير المصير الذي يمثل خصوصية كل طرف، فانه طبيعياً ايضاً الاقرار بوحدة المصير عندما يتعلق الامر بشعوب متآخية ومتداخلة مصالحها وعلاقاتها وجذورها ومصادر عيشها.
نعتقد ان ميزان الخطأ والصواب للتعامل مع هذا الموضوع الحساس يكمن في هاتين النقطتين.. أ) كيف تنظر شعوب المنطقة لحقوق الاكراد او اي شعب اخر يعيش معها.. وكيف ينظر الاكراد لحقوق الشعوب الاخرى التي يجاورونها ويعيشون معها؟. فما لم تؤسس القضية على مباني سليمة في اطارها الداخلي ومع جيرانها، فان موضوعة القانون الدولي تفقد معظم معانيها. فوجود وعد سابق من الحلفاء بتأسيس كيان سياسي ليس هو من يعطي حق التأسيس، تماماً كما ان غياب مثل هذا الوعد لا يمنع المطالبة به. ب) الارادة الدولية التي فرضت حلولها وهي القوى المستعمرة يومها، والتي فصلت مقاسات الدول والحدود بما يناسب مصالحها وفي اطار التنافسات فيما بينها.. تقابلها وحدة الشعوب والارادات والثورات والصفقات المحلية والوطنية.. وان نتيجة هاتين الارادتين (الدولية والوطنية) بكل ما حملتهما من انجازات ومظالم هي قيام الدول الحالية ونظمها وحدودها ومشاكلها، والتي باتت حقائق، يقود أ) عدم تصحيح اوضاعها ورفع المظالم واعادة ترتيب العلاقات الى ازمات متكررة وخطيرة.. ب) لا تقل عنها، ان لم تفقها، خطورة سوى تمزيق الدول وما تقود اليه لمهاوي مدمرة، ومظالم جديدة لا ينفع معها التعصب والتشدد لأي من الاطراف.
ان بقاء البوصلة صحيحة في هذه الظروف، هو الموازنة المبدعة بين الاتجاهين، والعمل بموجبهما، وليس فرض احادي للامر الواقع. فنحن كشعوب –بتلاويننا المختلفة- كنا وسنبقى على هذه الارض.. تتغير الجغرافيات السياسية والانظمة، لكن وجودنا وحقوقنا وحدودنا وهوياتنا ومصالحنا معروفة ويجب احترامها، وهي الاساس التي يجب الانطلاق نحوها والارتكاز عليها دائماً، فهي الثابت.. اما الدولة والدول ففيها متغيرات، وتحتوي حقوق ومصالح ونزاعات ومشتركات، وان حسن الجمع بين الثابت والمتغير هو ما يمنع الفتن ويقدم الحلول المقبولة للجميع.