Search

الظاهر والمستتر ..!

325

قاسم حول
هل تريدون عودة صدام حسين أو من يشبه صدام حسين إلى قيادة العراق نحو الجحيم الأبدي؟ أم تريدون العودة بالعراق إلى الخلفاء “الراشدين” الذين ما بلغوا يوماً سن الرشد؟ أم هل تريدون العودة إلى دكتاتورية جوزيف ستالين ونظامه الحديدي؟ أم تريدون إعلان جمهورية مهاباد التي ولدت ميتة لتحول الكورد إلى قطيع من الخراف تقودهم النزعة العشائرية والشوفينية المتأخرة؟ أم تريدون إبقاء العراق مرتبكاً فاقداً لسمات الهوية الأصيلة والطيبة والحنان وفاقداً لأبسط مقومات الإستقرار والتأمل ومراجعة الذات الذاتية والموضوعية، وتبقونه مرتعاً للشيعة والسنة والأديان بكل ما جرته على البشرية من ويلات، ومرتعا للإيديولوجيات الشمولية، كي ينتعش في تكوينه اللصوص والحرامية الذين يمارسون عمليات السطو على خزائن البلاد ويتركون العراق مكبلا بالديون في حاضره وفي مستقبل أجياله؟ إختاروا أياً من المصائب تريدون أن يبتلي بها وطنكم؟ لقد أخطأتم كلكم وبدون إستثناء ونسبة الأخطاء وحجمها تفوق الكوارث الطبيعية والبيئية، مرتبطة تلك الأخطاء بمدى إقترابكم وإبتعادكم من السلطة وعنها، فكلما إقترب حزب من السلطة أو أمتلكها زاد في غلوائه بالتنكيل بالآخر، وبالضرورة التنكيل بالوطن، فيركبه خيٌال الغرور والعظمة فينسجمان في براق الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى!
لقد مضى الزمن، والذين لم يموتوا كبروا وهرموا ، ولا يعول عليهم أحد في عملية التغيير الإيجابي .. مضى بهم الزمن وهم راحلون اليوم أو غداً، ويبقى العراق، ولمن يبقى العراق؟ ثمة جيل جديد، مع أنه مكبل سواء بالخرافات أو بالتمرد المتطرف لحد الإنتحار، ولكن من بين كل هؤلاء وأولئك يبقى الوعي ويبقى المفكرون الذين إذا لم يتنادوا مسرعين لوقفة موضوعية تعتمد نقد التجربة الماضية بكل أبعادها ورسم برنامج لعراق متحضر بعيداً عن السجود بإتجاه قبلة البنك المركزي والإستحواذ عليها دينيا أو بعثيا أو كورديا كي تصبح قبلة للمسلمين الجدد والسياسيين الجدد، فإن العراق ذاهب نحو الخراب الأكيد وسوف تنظفئ النار بعد أن يتلاشى الهشيم ليصبح رماداً.
إن العراق يعيش الآن شيزوفرينيا الظاهر والمستتر. الظاهر أن أغلب العراقيين يعملون في الدولة وهي ظاهرة من ظواهر البطالة المقنعة يتسلمون رواتبهم فحسب. والمستتر أن العراق يستدين الرواتب من البنوك الدولية وبلدان الجوار، وهو مكبل بالديون ونسبة الفوائد المرتفعة. الظاهر أن أسواق العراق تزخر بالبضائع والملابس وكل ما يحتاجه العراقيون للإستهلاك. والمستتر أن العراق يفتقر إلى القاعدة المادية للإنتاج. الظاهر أن في العراق خمسين قناة فضائية تقول ما تشاء وتعرض ما تشاء وتوحي بحرية التعبير والديمقراطية. والمستتر إن العملية الإعلامية عملية عشوائية لها أهداف مرسومة وغير عشوائية. الظاهر أن اللحى والشوارب وختم الجباه تعبير عن التقوى، والمستتر هو تنظيم المافيات المتنوعة الأهداف بطريقة إيمانية. الظاهر سيادة الحجاب للمرأة العراقية، والمستتر هو تكاثر البغاء وإنتشار بيوت الدعارة. الظاهر أن العراقيين متساوون في الفقر والمصائب، والمستتر زوال الطبقة المتوسطة وصعود الطبقة الطفيلية إلى مرتبة الثراء الخرافي، وتهاوي الغالبية العظمى من الشعب في وادي الفاقة والعذاب الدنيوي. الظاهر ضمان الدستور لوحدة العراق الواحد، والمستتر هو المقصات في تقطيع الخارطة، تمسك بها أنامل الخياطتين “جولدا مائيير ومادلين أولبرايت”!
ما بقي من قيادات الصف الثاني من الوطنيين والحريصين على نهضة العراق من بين الركام، مطلوب منهم وقفة الوعي والحرص بعيداً عن الذات والأنانية المقيتة، وأن يقفوا وقفة النقد للتاريخ الملتبس بكل أبعاده السياسية والدينية، اليسارية أو القومية أو الأممية أو الأقليمية .. وقفة شجاعة لا لبس فيها، حتى يتقيأوا الماضي ويتخلصوا من تبعاته التي تثقل رأس الحاضر وتصيبه بالصداع الأزلي، فيصفو الذهن لرسم برنامج أحياء العراق وإنقاذه من الورطة التي كبل بها العراقيون أنفسهم. مطلوب صحوتهم ومطلوب قيادة نظيفة تتخلص من الأفكار الشمولية بكل أنواعها .. قيادة تؤمن بوحدة العراق الديمقراطي المتحرر من كل أشكال الإيديولوجيات.
الظاهر أن السياسيين حريصون على مستقبل العراق، والمستتر أنهم منقسمون وذاتيون وأنانيون، وعليهم أن يرموا أنانيتهم في مزابل النفايات!
الظاهر إن العراقي “يقرأ الممحي”، والمستتر أنه لا يقرأ المكتوب!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا