Search

المالكي في ولايته الثانية.. عدنان الأسدي: ذات “نرجسيّة” بلا مسؤولية

416

غياث الحاج
الحلقة العاشرة
استعرضت الحلقة السابقة، المنهج الذي سلكه عدنان الأسدي، الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية في حقبة رئيس الوزراء نوري المالكي (2006- 2014) من اجل الصعود السريع الى المواقع الحكومية المتقدمة، مستغلّا رغبة ابراهيم الجعفري في إبعاد قادة “حزب الدعوة” عن التأثير في مسارات الحزب، وفي الأحداث بصورة عامة.
كما تطرّقت الحلقة السابقة الى سلوكياته “غير الأخلاقية”، في زرع الشقاق والفتنة بين الجعفري، وقادة الحزب، مستغلا أزمة الخلافات لتحقيق طموحاته الشخصية.
“بعثيون” حول الأسدي
كان شروع عدنان الأسدي في “قيادة” وزارة الداخلية، البداية الحقيقية لحالة الانفصام في شخصيته، حين أدى المشهد اليومي لإذعان مئات الضباط من الألوية والرتب الرفيعة، فضلا عن المئات من المنتسبين الأمنيين، لأوامره، الى “انتفاخ” شخصيته، وانزياحها الى شخصية جديدة مغايرة للشخصية المعتادة له باعتباره “الداعية المهاجر” الذي يعيش حياة بسيطة وعادية كمهاجر في الدنمارك.
ومع مرور الوقت، استحوذت الشخصية الأنانية والمغرورة الجديدة في دواخله على سلوكياته، ليتحول الى شخص آخر، مختلف تماما عن الصفات المعهود بها، فكان في آخر أيام حقبة المالكي، قبل سقوط الموصل في العام 2014، محاطا بحلقة من أفراد محسوبين على حزب البعث المحظور، وكانوا من المقربين من ابن الدكتاتور عدي صدام حسين (1964 – 2003).
أخطر الملفات
وبعد أن وجد الأسدي نفسه طليق اليد، وصاحب الأمر والنهي في الأمور الأمنية في البلاد، وحين استشعر أن من حوله يحاول إظهار الطاعة العمياء له كلما سنحت الفرصة، أدرك أن الطريق سهل أمام استغلال المنصب في تحقيق الأغراض الشخصية، فكانت شهواته تركّز على العمل التجاري لتحقيق الإثراء، وتعزير الأرصدة في البنوك، لتبدأ معها قصص العشرات من شبهات الفساد، ويصبح اسمه حاضرا في أخطر ملفات الفساد في وزارة الداخلية ومنها:
ـ ملف سيارات الجيب المصرية؛
ـ ملف جهاز كشف المتفجرات؛
ـ ملف صندوق شهداء الشرطة، وغيرها من الملفات التي لم يشرع في التحقيق في دور الاسدي بها الى الآن.
دور الأسدي في سقوط الموصل
غير أن هذه الحلقة سوف تركّز على إبراز دور عدنان الأسدي في سقوط الموصل، على أمل فتح ملفات الفساد الأخرى لاحقا، ذلك ان الأسدي يتحمل قسطا كبيرا من مسؤولية انهيار المؤسسة الأمنية في الموصل وباقي المحافظات. في الفترة الأخيرة من حقبة المالكي، كونه كان يشغل اهم موقع في وزارة الداخلية، وهو منصب “الوكيل الأقدم” في ظل عدم تعيين وزير للداخلية.
ويمكن تحديد نقاط مفصلية وهامة طوال فترة أدارته للداخلية وهي الفترة بين (2004 الى 2014)، وكالتالي:
الأول: إهمال الوزارة والعمل وفق أجندة مريبة
أوكل عدنان الأسدي شؤون الوزارة، على رغم حراجة الظرف الأمني، وحساسية دورها، الى مدير مكتبه “النقيب عدي” الذي أصبح المتحكم الحقيقي في إدارة شؤونها، الى الحد الذي وصل به الى مخاطبة كافة الجهات دون الرجوع الى الاسدي. وبعبارة أدق، يمكن القول إن “النقيب عدي” بات يمارس دور “الوكيل الأقدم”، فيما كان الأسدي غارقا في علاقات مشبوهة مع “نائب عدي صدام”، في اللجنة الأولمبية، أصيل طبرة، الذي أصبح بوابة الأسدي الى مصر والسعودية، عاقدا الصفقات السياسية والأمنية التي دلّت عليها زيارات خارجية مشبوهة، قام بها الأسدي مع أصيل طبرة، وما زالت لغزا مبهما الى اليوم، تاركا مصير الوزارة بيد النقيب عدي.
الثاني: فشل ذريع في الإصلاح الإداري
تخلّى الأسدي عن أهم واجبات منصبه والمتمثّلة في معالجة الخلل الإداري وإصلاح المنظومة الإدارية في الوزارة، إذ كان أداؤه على النقيض من ذلك، الأمر الذي أدى الى ترهّل مفاصل الوزارة وتحوّلها الى مؤسسة مسخرة لأغراض ترويجية ودعائية، لا مؤسسة أمنية مستقلة في سياساتها وقراراتها، حيث استثمر الأسدي، مقدّراتها للترويج الانتخابي لنفسه، ووظّف قبيل الانتخابات، الآلاف الشباب من محافظة السماوة لأجل الفوز.
في موازاة ذلك، استغل الأسدي، الوزارة في التوظيف على أساس المحسوبية والمنسوبية، لا سيما لإرضاء الشخصيات المحسوبة على المالكي وأبرزهم حنان الفتلاوي، التي مرّرت له المئات من أسماء الشباب، للتوظيف لأغراض انتخابية.
وعلى هذا النمط، سُخّرت إمكانيات الوزارة بأكملها، لإرضاء “مجموعة المالكي” و”مجموعة الابن احمد”، وكسب تعاطفهم ودعمهم.
كل هذه السياسات الخاطئة ساهمت في ترهّل وزارة الداخلية بعدد كبير جدا من المنتسبين الذين هم في حقيقتهم، عاطلون من العمل وفاقدون للكفاءة والمهنية، والتي كانت أحد عوامل فشل المؤسسة الأمنية في الموصل.
الثالث: الفضائيون
إضافة الى العاطلين عن العمل في مرافق وزارة الداخلية، كان هناك الآلاف من الموظفين الفضائيين الذي تم رصدهم في حقبة تولي محمد الغبان لمنصب وزير الداخلية في حكومة العبادي، ومن كافة الصنوف، والذين أرهقوا ميزانية الدولة والحقوا أضرارا كبيرة في القطاع الأمني.
الرابع: بيع وشراء المناصب
ازدهرت ظاهرة بيع وشراء المناصب في حقبة الأسدي، حتى باتت احدى الظواهر المميزة للعمل في أروقة وزارة الداخلية.
وكان المسؤولون والمتنفذون وسماسرتهم يحصدون أموالا بأرقام فلكية من تجارة الوظائف، فيما غاب دور الاسدي عن رصد هذه العلة الخطيرة، – إنْ لم يكن قد تغافل عنها “عمدا” -، وبات منشغلا في أمور مزرعته الواقعة على ضفاف دجلة، وممارسته لهواية ركوب الخيول وتربيتها.
الخامس: “تثبيت” ومكافأة الضباط الفاسدين
أوغل الأسدي كثيرا في تعزيز المحسوبية في الوزارة، ومن ذلك تثبيت الضباط الفاسدين بل ومكافآتهم في بعض الأحيان، على رغم التقارير التي تبرهن على تقصيرهم وفسادهم، كما حصل مع صباح الفتلاوي، قائد شرطة ذي قار، حيث كانت تقف وراءه أخته، حنان الفتلاوي، المدعومة من نوري المالكي.
وكان من تداعيات ذلك، ان الأسدي لم يجد غير الضباط المرتشين لكي يصبحوا يده اليمنى، مثل مدير “البنى التحتية” في الوزارة، و”مدير الأشغال”، ومدير “الشؤون الداخلية”، والذين ساهموا في مأسسة الفساد داخل وزارة الداخلية، وكان مآلهم في النهاية، أنْ وقع بعضهم في قبضة العدالة، فيما أُبعِد البعض الآخر من الوزارة.
السادس: المزاج يقود الترقيات الوظيفية
استخف عدنان الأسدي بكل الأعراف والقوانين الأمنية والعسكرية من خلال الترفيعات والترقيات، فكانت المزاجية والمنفعية، والمحسوبية والمنسوبية هما الأساس في العمل، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أن مدير مكتبه “النقيب عدي”، كان يحمل رتبة نقيب في سنة 2006، وبعد سبع سنوات، ترقّى الى رتبة “لواء” ومرشح لرتبة “فريق”.
بل إن الترقية، أصبحت الوسيلة، للسيطرة والهيمنة وتقريب أصحاب الولاء، لا أصحاب الخبرة، وإبعاد كل المناوئين للأسدي، وفريقه الفاسد.
اختراقات أمنية
كتحصيل حاص لهذا الكم الهائل من الفساد، وفي ظل غياب تام لدور الأسدي، الذي انشغل في غرائزه وشهواته وأطماعه، ومصالحه الخاصة، وغياب المهنية والحرفية، تعاظم العجز في الأداء، وتزاحمت الاختراقات الأمنية، وكان أفظعها، اختراقان أمنيان تسببا في أنهار من الدماء، والمئات من الضحايا.
الاختراق الأول: هروب الإرهابيين من سجن أبي غريب
فرّ الإرهابيون من سجن أبي غريب على رغم وجود فوجين يحميانه، والسبب الرئيسي في ذلك، أن الأسدي أُبلِغ قبل أسابيع من وقوع الحادث، بوجود خطة لتهريب الإرهابيين من السجن، لكن انشغاله بعيدا عن مهام عمله، أدى الى الكارثة، ليفرّ المئات منهم في باصات مهيأة سلفا الى الأراضي السورية، أمام أنظار فوج وزارة الداخلية المكلف بحماية السجن، وكافة “السيطرات” الواقعة في طريق سورية.
الاختراق الثاني: سقوط الموصل
وعلى نفس النمط، من إهمال الإنذارات والبلاغات الأمنية، فقد أُهمِلت تقارير الأجهزة الاستخبارية من قبل مكتب الأسدي، والتي كانت تؤكد على إن لدى داعش عملية واسعة لاحتلال الموصل.
ويمكن وصف الأسدي في تلك الفترة بـ “النائم” عما يجري من حوله، ودليل ذلك إن تقارير حدّدت حتى موعد انطلاق هجوم داعش في الموصل في حزيران 2014، غير إن عدم الاكتراث والاستخفاف، دفع بالأسدي على الدوام، الى ترديد عبارته المعروفة، والممزوجة بضحكة “صفراء” صادرة عن شخص لا يعي ما يدور من حوله: “الموصل ساقطة من زمان”.