Search

العراق ومحور المقاومة والحرب ضد داعش

621

إياد العنبر*

هناك مثلاً روماني قديم يقول: “إذ أردت أن تَبقى قوياً، فعليك أن تُبقيّ جيرانك ضعفاء”. يتجسد هذا المثل في علاقة العراق مع جيرانه، وحتى من يدعون أنهم حلفاؤه! فاتفاق حزب الله اللبناني والقوات السورية مع فصائل من تنظيم داعش الإرهابي، والذي يقضي بانسحابهم من الحدود اللبنانية السورية ونقلهم إلى منطقة ال بوكمال على الحدود العراقية -السورية. شكل ضربة قاصمة للقوى والشخصيات السياسية العراقية التي تبرر وجود العراق ضمن محور المقاومة.

الاتفاق بين حزب الله والقوات السورية مع تنظيم داعش يقطع الشك باليقين على أن القوى والقيادات العراقية التي كانت تراهن على أن جبهة الحرب ضد داعش هي جبهة واحدة بين العراق وسوريا وحتى لبنان. بيد أن هذا الاتفاق يؤكد أن رؤية السوريين واللبنانين للحرب ضد تنظم داعش الإرهابي، هي ليست ذاتها رؤية العراق لمحاربة هذا التنظيم. فسوريا وحزب الله لا تجدان حرجاً في التفاوض مع داعش في سبيل تقليل الخسائر وتحقيق أعلى المكاسب من دون المواجهة العسكرية. في حين يعد طرح مثل هذا الاحتمال من الكبائر أو بمثابة الخيانة الكبرى إذ تم طرحه في العراق قُبيل بدء معركة تحرير الموصل. لكن لم يكن أحداً يَجّرئُ على التفكير بسيناريو التفاوض، إلا بعد أن أصبح تكتيك أستخدمه حزب الله في حرب ضد تنظيم داعش. ليس هذا فحسب، وإنما نقل التهديد من الحدود اللبنانية-السورية إلى مناطق نفوذ داعش الرئيسة في “ولاية الفرات” التي تضم البو كمال والقائم في الحدود العراقية-السورية، يعني إمداد تنظيم داعش بقوات إضافية، ومن ثم بقاء التهديد ضمن حدود ومناطق العراق، ويبقى التهديد الإرهابي قائم في منطقة الجزيرة والبادية، بالإضافة إلى المناطق التي تحريرها في المنطقة الغربية من العراق.

يبرر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله هذا الاتفاق بقوله: “بالمعنى العسكري والسياسي فإن ما حصل في جرود لبنان، هو استسلام لداعش… ولو ذهبنا إلى خيار الحسم ضد داعش، لكان من الممكن أن يقتل من يعرف مكان الجنود والكثير من المدنيين”. أما وسائل الإعلام الإيرانية، حسب قناة العالم، فتبرره على اساس التخلّص من داعش في منطقة يكون القتال فيها مكلف، وكان التخلص من دون خسائر، وثانيا نقل داعش إلى منطقة يكون القتال فيها سهل جدّاً وهي منطقة تجمع الدواعش، وسيقضى عليهم أجمعين في هذه المنطقة… والفائدة الأخرى استلام الأسرى وجثث الشهداء من بينها جثة الجندي الإيراني (محسن حججي) الذي قتله داعش في سوريا قبل شهر تقريبا. ويفهم من هذا أن إبقاء المعركة في المناطق العراقية يعتبر خياراً استراتيجياً بالنسبة لدول وجماعة محور المقاومة، حتى وأن كان يشكل تهديداً للأمن الوطني العراقي.

مشكلة العراق منذ 2014 لم يُجيد لعبة التحالفات، إذ كان، ولا يزال، تابعاً لإرادات إقليمية ودولية، وليس مبادراً في تشكيل تحالف يكون انطلاقه وعمله من بغداد. وعلى الرغم من التحدي الذي شكله تنظيم داعش للأمن القومي العراقي. بيد أن ضبابية الرؤية، أو انعدامها أصلاً، في كيفية مواجهة هذا التهديد لم تطرح للنقاش. واليوم يأتي الاتفاق بين حزب الله اللبناني والقوات السورية مع جماعات من تنظيم داعش، ليؤكد فك الارتباط بين جبهة الحرب ضد التنظيم بين العراق وبين المناطق التي يتواجد وينشط بها داعش. ومن ثم، لا يقف تهديده هذا الاتفاق عند حدود الأمن الوطني العراقي، بل يتعداه إلى ضرورة التفكير بحقيقة “محور الممانعة” الذي يتبناه الكثير من القيادات السياسية الشيعية، ويدافع عنه البعض الآخر. فغياب التنسيق في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي بين جبهات هذا المحور يكشف عن وهن هذا المحور. وبات يشكل حرجاً لكل من يدافع عنه.

رسالة فك الارتباط بين الجبهة العراقية والسورية في الحرب ضد تنظيم داعش، وهي الرسالة الثانية بعد أن كانت الأولى هي عدم شكر الرئيس السوري بشار الأسد إلى الفصائل العراقية التي تقاتل إلى جانبه في ذكره لحلفائه الذين وقفوا مع النظام السوري. هي دعوة لإعادة النظر بالتحالفات التي لا تقوم على اتفاق مصلحي لجميع الأطراف، ويكون العراق فيه تابعاً وليس محوراً.

إذاً، يحتاج العراق في مرحلة ما بعد داعش، إلى إعادة رسم خارطة التحالفات في الحرب ضد الإرهاب. وإيجاد حلول واقعية لمعادلة التوازن بين الاندماج مع المحيط الإقليمي من جانب، ورسم حدود الحياد في العلاقات من القوى الإقليمية من جانب آخر.

* باحث أكاديمي