Search

الأغنية العراقية.. صنعت الحضارات وغيبتها الأزمات

242

علي لفته سعيد

لا بد للمغنّي حتى يكون مطربا أصيلا أن تتوافر في حنجرته مقوّمات أداء المقامات الحزينة التي تجذب السامع وتجعله يتماهى معها، بل ويبكي كونها تعبّر عن روحه فيلجأ إلى أغاني الشجن لتعويض حالة النقص.

وهو الأمر الذي قامت عليه أغنية فترة السبعينيات العراقية، وتحديدا الجنوبية، إن أردنا توصيف المكان، خاصة وأن أغلب الشعراء والملحّنين والمطربين، في ذاك الزمن، كانوا من الجنوب العراقي وكونوا لسان حال الروحية الحزينة للفرد العراقي.. ولكن هذه الأغنية طورت الحزن إلى أنواعٍ جديدة حين حولت النص الغنائي إلى القصيدة الغنائية.

لم تكن الأغنية في عقد السبعينيات محطة لبدايات الأغنية العراقية فحسب، بل إن التاريخ يحدّثنا بأن الغناء في العراق كان واحدة من علامات الحضارة العراقية القديمة وأحد أعمدتها، وكانت الموسيقى تعرف بأنها الموسيقى الرافدينية أو موسيقى بلاد ما بين النهرين، ومنها الحضارة السومرية كإحدى علامات توضيح حبّ العراقيين للموسيقى، وأنه حيث وجدت الموسيقى وجد الغناء، والعكس صحيح.

ولذا يعد العراق الموقع الذي ولدت منه حضارات قديمة عديدة مثل حضارات سومر وبابل وآشور وغيرها، والتي كان للموسيقى دور في حياة سكّانها وقد تم العثور على عدد من القطع الأثرية التي تعود إلى حقب ما قبل التاريخ وفيها دلائل على استخدام آلات موسيقية مثل القيثارة السومرية، حيث يعتقد أنها الأقدم في العالم إلى حد الآن، وتم العثور عليها في حملات التنقيب في مدينة أور المتاخمة لمدينة الناصرية جنوب العراق، وهو أمر ظلّ مستمرا في روح الثقافة العراقية باعتبار الغناء تنفيسا عن الوجع تارة مثلما هو معبر عن حالات الفرح، وهو المثير لحالات الرقص التي تخفيها ضربات الموسيقى تارة أخرى.

وكما يخبرنا التاريخ فإن التاريخ الموسيقي كان كبيرا في صناعة الحضارات، وكان الغناء يشكل واحدة من علامات الرقيّ، مثلما يشكّل واحدة من دعامات العبادة والتقرّب إلى الربّ من خلال الطقس الموسيقي والغنائي المصاحب له، بل إن الغناء في الكثير من الأحيان يكون منفردا في المعابد دون مرافقة الموسيقى التي صارت لها دلالات كبيرة في المجتمعات الشرقية، خاصة بعد اختراع العود وإضافة الوتر الخامس له، لتضاف بعد ذلك الإيقاعات والمقامات العراقية المختلفة.

انطلق الغناء والموسيقى العراقيّان وما يمكن أن ينطبق في دلالاته على تطوّرهما بشكل ملحوظ بداية القرن العشرين، كما يذكر المؤرّخون على يد الأخوين صالح الكويتي وداود الكويتي، ووصل عدد المطربات في أربعينات القرن الماضي في بغداد إلى ما يقارب الأربعين مطربة.

وعرفت الموسيقى العراقية بعد ذلك العديد من الملحنين الذين رفدوا الأغنية العراقية بأجمل الأغاني مثل عباس جميل وناظم نعيم ومحمد نوشي ورضا علي وكذلك كمال السيد وكوكب حمزة وطالب غالي وأيضا حميد البصري وطارق الشبلي ومفيد الناصح وجعفر الخفاف وطالب القره غولي وسرور ماجد وغيرهم.

والأمر نفسه انعكس بالضرورة على المطربين الذين يعتمدون على إبداعات الملحّنين الذين بدورهم يعتمدون على إبداعات الشعراء ومؤلّفي الأغاني، الذين نهلوا، ولو بشكل متفاوت، من بعض أجواء الحرية ومن فكر السلطة التي تسعى لخدمة الإنسان متى تطوّرت الذائقة الغنائية والموسيقية، ليبدأ التطوّر الغنائي بأصوات عذبة انطلقت من مطلع القرن الماضي وما يليه في خمسيناته، كأصوات شجية في كلّ الأطوار الغنائية المعروفة في الموسيقى العراقية قديمها وحديثها.

وهنا نستحضر على سبيل الذكر لا الحصر، أصوات ناظم الغزالي وداخل حسن وحضيري أبوعزيز وزهور حسين ومسعود العمارتلي، ثم نصل إلى جيل السبعينات وما تلاه مثل أصوات حسين نعمة وفؤاد سالم ورياض أحمد وقحطان العطار ومائدة نزهت وسعدون جابر وكمال محمد وأنوار عبدالوهاب وغيرهم الكثيرين، وهي أصوات أنتجت الأغنية العراقية الراقية التي تخلّصت من تبعية الموال إلى غناء القصيدة الشعرية التي أبدع فيها عريان السيد خلف وزامل سعيد فتاح وغيرهما الكثير.

وعدّ هذا الجيل بمطربيه ومؤلفيه وملحنيه من أهم العوامل التي طوّرت الذائقة الغنائية والموسيقية التي تركت بصمة لجيل الثمانينات وللبعض من جيل التسعينات من أمثال كاظم الساهر وماجد المهندس وهيثم يوسف وعبد فلك وغيرهم من الأصوات الجميلة التي انتشرت عربيا أكثر من جيل السبعينات نتيجة توفر عناصر الشهرة كشركات الإنتاج الغنائي، علاوة على القدرة على السفر والعمل في أماكن الطرب العربية والقدرة على التغرّب وغيرها من العوامل التي أتاحت لهم الحصول على الشهرة العربية.

واقع الحال يشير إلى تراجع الأغنية في العراق في فترة ما بعد عام 2003 التي خلت من تلك الأسماء الكبيرة التي صنعت التطور الجميل للموسيقى والغناء في العراق، وكانت الأجيال متّصلة وممتدة ليكون هناك شعور بالانقطاع.

وهنا تأتي الإجابة عن السؤال المركزي.. إن المتغيرات التي حصلت في العراق أجبرت الكثير من المطربين إما على التراجع والتحول إلى مهن أخرى، قد لا تبتعد كثيرا عن المجال الصوتي كتحوّلهم إلى منشدي الأغاني الدينية، وإما على اللجوء إلى الاعتزال والصمت، وإما على اختيار الهرب من البلد إلى بلدان أخرى لإقامة الحفلات في الفنادق والمطاعم حتى لو كانت رخيصة.

وهناك من تمكّنوا من الحصول على سمعة عربية وفنية طيبة لإقامة الحفلات الغنائية في الفنادق الراقية، أو التي تقيمها المؤسسات السياحية في مختلف البلدان التي لم تشهد ربيعا عربيا مثلا.

ويأتي السبب الثاني متمثلا في أسباب إنتاجية صرف، حيث تمكنت الأصوات المنتهية الصلاحية أو الأصوات الخالية من النغم والطرب إلى سهولة إنتاج الأغنية وملامحها الراقصة مع وجود مخرجين عرب يملأون الشاشة بالراقصات وبكلمات لا تمت إلى الواقع العراقي بصلة، فأبعدت المتلقي العراقي عن الاستماع إليها والبحث عن أنين الماضي، وبالتالي عقد مقارنة بين أغنية السبعينات وما قبلها وما بعدها وما صاحبها من هبوط ذوقي في كل شيء.

اليوم لم نعد نسمع المقام العراقي إلاّ لماما، ربما عبر حامل لواء المقام العراقي حسين الأعظمي، كما لم يعد الجيل الجديد يعرف الجالغي البغدادي أو المنولوجست، وكأن 400 عام من عمر المقام العراقي قد ضاعت، ولم يعد مطربوه يطرحونه إلاّ من خلال إقامتهم لبعض النشاطات في شارع المتنبي ضمن فعالياته الأسبوعية في كل جمعة.

ويخلص المتابع أيضا إلى أنه لم يعد هناك وجود للفرق الموسيقية الكبيرة، كفرقة منير بشير مثلا أو فرقة المقام العراقي أو غيرهما من الفرق التي ظلّت تبدع حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي ليحصل الموت التدريجي لهذا الفن، حين بدأت الحملة الإيمانية إثر سقوط بغداد، ليتبعها التراجع الحاد في ما يطلق عليه “الحرام الموسيقي والغنائي”، مما ولد شبه قطيعة في الاستماع إلى الغناء.