Search

(الدبل) العراقي في تياره

159

ثامر الهيمص

يسمى ممتص الاهتزازات والصدمات بالانكليزية ( shock absorber ) فكلمة shock معناها صدمة والثانية امتصاص، وترجمت عراقياً إلى كلمة دبل كونه مساعدا اضافيا لحزمة الرواسط الحديدية.

عموماً الدبل هو ممتص الصدمات ليروض شدتها ويقلل الاهتزاز في السيارة. أما الدبل السياسي العراقي الذي سيكون، ومن المفترض عراقنا حيث يتوسط بين العرب وجيرانهم غير العرب (تركيا وايران) هذا العملاقان تربطنا كعرب وعراقيين ومسلمين وشائج التاريخ والجغرافية منذ الاف السنين مع ايران (قبل الميلاد)، ومع تركيا بما قبل الدولة العباسية وصولاً لإمبراطورية العثمانيين المسلمين، وكلتا الدولتين وجدناهما متجسدتان في تاريخنا الإسلامي وما قبل الاسلامي. وظهرتا كدولتين اسلاميتين حسب هوياتهم الاثنية بالدولة البويهية ودولة السلاجقة. وهكذا الامبراطوريتان الصفوية والعثمانية.

كان وما زال العراق هو ممتص لاهتزازات وصدمات الدولتين، ولعل هذا سر عدم استقراره تاريخياً، برغم أن العراق مهد الحضارة البشرية. وتركت بصمته على الديانة: الديانات الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الاسلام) من خلال الابراهيمية، ليترك بصمته المذهبية حيث خرجت أهم وابرز التيارات الفقهية والمذهبية من جعفر الصادق (ع) إلى أحمد بن حنبل مروراً بالشافعي والمعتزلة… الخ. والان وبعد داعش كتجربة مرة وفق مقاييس أغلب أهل المقاييس لا بد من أن يكون العراق (دبل المنطقة لما يملكه من سيادة فكرية وثقافية بحنفيه الاتراك وتشيع الايرانيين عبر تفعيل هذه الميزة ليس عبر التلمذة لهم بل عبر الاستاذية، معززاً بفكر الوسطية المنعكس سياسياً بالابتعاد عن التبعية لأي من المذاهب المحيطة حيث تحولت بضاعتنا الفكرية هناك في الجيران العرب وغيرهم إلى ايدلوجيات وطنية بين (تشيع واخونة ووهبنة)؛ اذ اختلفوا عن ابي حنيفة ووسطية جعفر الصادق، ومبدأية بن حنبل، وهذه طبيعة الأمور في الليبرالية والماركسية حصلت هذه التفاوتات.

فالعراق بثروته وتجربته الحالية والتاريخية حتى العشر سنوات الأخيرة بات ممكناً أن يكون بلد المذاهب المتعايشة، كما تعايشت في زمن المنصور وهارون الرشيد والمعتزلة. كلما كانت الدولة تتعامل بالاختلاف الذي لا يفسد. فإيران وتركيا والسعودية والأردن والكويت وسوريا لها تداخلات بجميع تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعكس صحيح. ولكن هناك ظاهرة غير مقبولة من سكان حدود البلدان ربما تعزى إلى التجانس العرقي والمذهبي وهي الولاء المشوب بالحذر للجار الأم سواء الحد التركي أو الايراني أو السعودي أو الكويتي أو الاردني. ربما يعزى للمصالح الذاتية التي عجزت الدولة العراقية الحديثة عن اشباعها؟ والا أن جميع التجاوز لصالح الجار، مثلاً، كان يقال أن سكان الحدود مع فرنسا وغيرها هم الأكثر تطرفاً قومياً من المان برلين؛ حيث لا يوجد الاحتكاك المباشر. أنه موقف من عراقي الحدود إذا كان لصالح دول الجوار يقع في خانة إهمال الدولة العراقية وانتهازية نخبهم السياسية والاجتماعية أو الدينية. لذلك تكون جمهورية العراق في كل الاحوال مستقلة عن التجاذبات ليس بمعنى العزلة بقدر ما هي الندبة في العلاقة وليس التبعية. في جميع المجالات من الفقه إلى السياسة مروراً بالثقافة مما يعزز هويتنا التي مزقها طمع الاستعمار وانتهازية ساسة الجيران. في هذا المفصل التاريخي ينبري التيار الصدري والمدني للتصدي لهذه الاشكالية؛ فالزيارة الاخيرة للسيد مقتدى الصدر اعتقد أنها تقع في هذا الاتجاه، ليكون العراق فاعلاً اساسياً في امتصاص هزات إيران والسعودية وترويض ساستهم وساستنا المناصرين لهم، لما تركوه من دمار من تجارب ما زالت المرارة سائدة في مذاقنا الشعبي، أولاً، من حروب الخليج وصولاً لداعش والقاعدة من تأييد أو حياد سلبي تجاه مصائبا. فعلى نخبنا السياسية أن لا تستهين بنتائج ودلالات الزيارة التي قام بها السيد الصدر وامكانية تفعيلها إذا ما اردنا للعراق استقراراً داخلياً واقليماً ودولياً لأن دول الجوار لها عتلات عراقية وللدول الكبرى لها أذرع داخلهم، وهذه طبائع الأمور السياسية ومصالحها. لذلك سيكون التيار الصدري وانصاره المدنيين عموماً وسرايا السلام هي العمود الفقري لعراقية القرن الحادي والعشرين بعد تعافيها من نزف تجاوزات الجوار الذي جعل منا مجرد ساحة لتصفية حسابات أو جسراً لإيصال رسائل سلبية لبعضهم البعض. فالآن حان موعد الرسائل الايجابية لان بريدنا سيخدم في العراق بدائرة واحدة وليس عبر دوائر واذرع موازية لإيصال رسائل عبر عراق متماسك وليس مزرعة لأحد، سواء لقريش أو غير قريش. والله المستعان في خط عريض لكل العراقيين الذين بدأ بكشف مستورهم عبر شرذمات تطفو على السطح ستلقي بنفسها منتحرة سياسياً بالقوة الناعمة القابلة للتمدد. ليصحو اسيادهم ويراجعون انفسهم، كما تراجع الكبار من امريكا ودول جوارنا الكبار.