رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2486

العالم العربي.. عصر اضمحلال الدولة والشرعيات المستحدثة

الاثنين - 6 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

يشير مصطلح الشرعية باختصار الى "حق وقبول السلطة"، الحق في السلطة لمن يحكم والاساس في القبول عند المحكوم، وهما طرفا العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة. وقد اتخذت الشرعية عبر تاريخ الدول صيغا وانماطا مختلفة لم تخرج عن نطاق الدين والقوة الاجتماعية، ومن ثم الشرعية الدستورية والانتخابية "الديمقراطية" وانتهاء بالشرعية الثورية التي تصنعها قوى التغيير. 
شرعية الدولة اساس لقبولها عند الجمهور، وهي اصل في استقرارها ورخائها. ومن غير الشرعية تسقط الدولة في عيون مواطنيها ويصبح الطريق ممهدا الى الفوضى والانقضاض على الدولة، كلما كان ذلك متاحا. وفي ظل دولة فاقدة للشرعية يعيش المواطن "حالة اغتراب"، ويكون في معزل ذهني ونفسي عن الدولة واجراءاتها. وبمثل هكذا اوضاع لا يتحقق بناء ولا ازدهار، ويتراجع العمران وتتسم المعادلة بالشذوذ، وبالتالي لا يمكن ان تستقيم الامور حتى تتعافى الشرعية وينهض البديل المقبول او تضرب الفوضى والنزاعات المجتمع.
المجتمعات كالأفراد تماما كلما تسلطت عليها الضغوط بادرت الى خفض سقف طموحاتها ومطالبها؛ فالمواطن في الصورة المثالية يرجو من الدولة الكثير، ان تحفظ أمنه وتصون حقوقه وتعالج مرضه بعد توفير حاجاته الاساسية بالطبع. وفي النماذج الابعد في الطموح ان تحفظ مستقبل ابنائه، وان توفر له حياة مثرية ومزدهرة. 
في عالمنا العربي اليوم وفي مناطق عديدة من العالم الثالث، وحتى في بعض النماذج خارجها، بتنا نشهد انخفاض سقف طموح المواطن وتوقعاته من الدولة.   
في العراق والمنطقة العربية خصوصا تلك التي شهدت "هزات ثورية" انحدر سقف الطموح للمواطن الى حد كبير، وصارت مطالبه تقتصر على توفير الحد الادنى من الامن والحاجات الاساسية التي باتت اهدافا عزيزة المنال في بعض الدول حيث لا امان... والصراعات سيدة الموقف والخدمات غائبة أو مكلفة. ولك ان تمعن النظر في حال اكثر من بلد عربي لتكتشف ذلك على الفور.  نحن نعيش في العراق وبعض الدول العربية عصر "اضمحلال الدولة" بكل ما تعنيه الكلمة: الهوة ضخمة بين الحاكم والمحكوم الذي فقد الثقة بالدولة وبأهليتها وشرعيتها. فقد المسؤول بدوره الهيبة والمكانة الاجتماعية التي كانت له، وصار "يتشرشح" من الجميع باسم الديمقراطية والدعوة الى الاصلاح. وبررت هزالة النماذج الحاكمة ومعاناة المواطن المتفاقمة تلك "الشرشحة" الى حد كبير. سادت مظاهر الاعتداء على سلطة الدولة في كل مكان وانتشرت ممارسات الفساد والتمرد على المجتمع.  بعض المجتمعات العربية انتقلت من نموذج "الدولة القوية الباطشة" الى نموذج "الدولة الهزيلة المنفلتة"، وكأن ايام البطش وذكرياتها كانت تمهد لايام الفوضى والانفلات.  برزت انواع جديدة من الشرعية لا علاقة لها نظريا ولا عمليا بالانماط المعروفة كلاسيكيا. وهذه الأنواع المستحدثة تغذت على مبدا الامر الواقع، والخوف من المجهول، فهي نتاج "ليس في الامكان ابدع مما كان".  من هذه الانواع، ما يمكن تسميته "بشرعية المقارنة"، وهو ان تلجأ النظم واجهزتها الى الدعوة لاجراء مقارنات احوال بلادها بما هي عليه عند الجيران والأقران والذين ربما تكون بلدانهم اكثر ثراء. يحصل مثل هذا في مصر على سبيل المثال، حيث يلهج الإعلام على الدوام بذكر النموذجين العراقي والسوري، وتخويف المواطن مما انتهت اليه الأوضاع في هذين البلدين. هناك ايضا شرعية "الخوف من الانزلاق في الفوضى" مثل هذه الشرعية المخترعة حديثا، تراها مدعاة في اكثر من نظام عربي حيث يجري التخويف بشكل مستمر من شيوع الفوضى، اذا غابت السلطة الحالية. ويجد مثل هذا المنطق اذانا صاغية عند شرائح اجتماعية واسعة، والتي يعرض لها باستمرار مشاهد الخراب الذي عمّ دولا عديدة والتي غدت بفعل الفوضى والصراعات الداخلية نصف دولة، او ثلث دولة، واحيانا عُشر دولة.  هذا النمط من الشرعية حديثة التكوين يمكن ان نعرفه ايضا بشرعية "الخوف من التغيير"، والتوجس من الاثمان الباهظة التي يتوجب دفعها ازاءه؛ حيث يردد افراد وقوى اجتماعية انهم لا يعارضون التغيير، ولكنهم يعبرون عن خشيتهم من ان يفتح بابا للأسوأ. انه بمعنى وتوصيف اخر شرعية "الخوف من الأسوأ"؛ ففي العراق على سبيل المثال يعبر لك الكثيرون عن سخطهم من الاوضاع القائمة لكنهم لا يخفون قناعتهم، بان تغييرا جذريا او سقوط النظام سيقود البلد حتما الى التقسيم وقيام ثلاث دول وربما اكثر.  هذه الصور الجديدة من الشرعية، والتي يمكن لنا ان نعددها: "شرعية المقارنة، شرعية الخوف من الانزلاق في الفوضى، شرعية الخوف من التغيير، شرعية الخوف من البديل الأسوأ، شرعية توفير رغيف الخبز، شرعية الحفاظ على تماسك الدولة، شرعية القدرة على لجم التناقضات الداخلية..." هذه وغيرها من الشرعيات المخترعة حديثا، تتغذى كلها على يأس المجتمعات، وبؤس حالة المواطن، ومشاعر الخوف والاحباط عنده، وهي تعتاش على "واقعية زائفة" يمكن ان تجهض التغيير السليم، وتسقط منطقه والحاجة اليه.  مثل هذه الشرعيات المصطنعة لن تنقذ النظم من ازماتها ابدا، ولا يمكن لها ان تمنحها عمرا طويلا ممتدا، بل لا بد ان تكون قصيرة المفعول. والسبب في ذلك ان الانهيار المستمر للاوضاع "وهو ما يمكن توقعه بالنسبة لنظم كهذه"، فان المواطن سيسقط محاذيره ويتغلب على تخوفاته وهواجسه؛ فالخائف من التقسيم قد يراه حلا، والمرتعب من الفوضى سيغامر بالقبول بها، والمتوجس من البديل الأسوأ سيتبنى منطق انه لا يوجد أسوأ مما هو موجود، او يرفع شعار دعونا نجرب.. وهكذا تتساقط الحجج والمحاذير كلها فيما تتفاقم ازمات النظم وتتعاظم ظاهرة اضمحلال الدولة خلال هذه الفترة، وفي حالات عديدة وشائعة عندما يتراكم السخط ويتجاوز حدودا معينة، يحدث "الطوفان"، الذي لا يعرف حدودا ولا سدودا. وعندها تجد المجتمعات التي لم تستطع ان تجد سبيلا للتغيير السلمي، ولا ان تطور معارضتها لإدراكه. انها سقطت بالفعل في المحاذير التي خافت منها، ومنحت النظم السكوت او الشرعية على اساسها. 
وصدق الله العظيم اذ يقول 
"وقال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا انى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم". 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي