رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2486

على الحكومة العراقية الجديدة إزالة العقبات أمام حرية التعبير

الاثنين - 22 حزيران( يونيو ) 2020

بلقيس والي* 
لم يقضِ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في منصبه سوى شهر واحد، لكنه لم يضّيع وقتا، وبدأ بمعالجة بعض أخطر قضايا حقوق الإنسان في العراق بجدية أكبر من التي أبداها العديد من أسلافه. بينما تعتبر هذه التحركات مؤشرا إيجابيا، بإمكان الكاظمي أن يُثبت عزم حكومته على إعادة صياغة عقدها الاجتماعي مع الشعب العراقي، عبر حماية حرية التعبير.
طوال عقد من الزمان، رأينا صحفيين عراقيين يتعرضون للتهديد، والضرب، والمحاكمة، والقتل، على أيدي السلطات أحيانا، مع حد أدنى من الإجراءات لحمايتهم.
نتائج بحثنا لا تبعث على التفاؤل. اعتادت السلطات العراقية استخدام قوانين فضفاضة الصياغة لتوجيه اتهامات جنائية إلى الصحفيين وكل من يعبّر عن آراء تعترض عليها. تستند إلى أحكام التشهير والتحريض في قانون العقوبات الذي صيغ منذ عقود، بما في ذلك جرائم مبهمة مثل "إهانة الأمة العربية (...)" أو أي مسؤول حكومي، بغض النظر عما إذا كان التصريح صحيحا.
درسنا 33 حالة لندرجها في تقرير قادم، بما يشمل محاكمة 21 ناشطا وهجوما على 14، معظمهم بتهم تتعلق بدعم أنشطة الاحتجاج على وسائل التواصل الاجتماعي. لم تقع أي من تلك الحالات في المناطق التابعة لبغداد منذ تولي الكاظمي منصبه في 7 مايو/أيار.
يُظهر بحثنا أن الكتابة عن الفساد عمل حساس قد يؤدي إلى الاعتقالات والمضايقات. قابلنا سبعة صحفيين ونشطاء تعرضوا للهجوم لأنهم وثّقوا ممارسات الفساد وأبلغوا عنها. هيثم سليمان (48)، وهو من منظمي حركة الاحتجاج في المثنّى، دعا في منشور على فيسبوك في 6 أبريل/ نيسان، حاكم المثنى إلى التحقيق في مزاعم فساد داخل إدارة الصحة مرتبطة بشراء كمامات للوقاية من فيروس "كورونا".
قال سليمان إن موظفي المخابرات بوزارة الداخلية أتوا إلى منزله في اليوم التالي في غيابه، وحذّروا عائلته قائلين إن عليه التوقّف عن الكتابة عن الفساد. في 10 أبريل/ نيسان، اعتقله أربعة رجال في لباس مدني وأخذوه إلى مكتب المخابرات بالمثنى، حيث ضربوه وأجبروه على التوقيع على وثيقة مفادها أن الولايات المتحدة موّلت حركة الاحتجاج العراقية، على حد قوله. اتهمته السلطات بموجب قانون العقوبات بتعمد نشر معلومات كاذبة أو متحيزة تعرّض الأمن العام للخطر. لا تزال التهم الموجهة إليه معلقة.
قال العديد من الأشخاص الذين قابلتُهم إنهم يعتقدون أن المسؤولين يرفعون دعاوى قضائية متكررة ضدهم لتخويفهم، مع أنهم كانوا يعلمون أنها ستُرفَض على الأرجح. في إحدى القضايا، وجّه الادعاء 14 تهمة خلال 15 شهرا للناشط الاجتماعي عمار الخزعلي  (30 عاما) من القادسية، منها مجموعة من تهم قانون العقوبات ذات الصلة بالتشهير، يتعلق كثير منها بـ"قذف" مسؤولين عموميين.
رفضت المحاكم جميع التهم؛ إما بسبب نقص الأدلة أو لأن المدعي سحب الشكوى. قال الخزعلي: "الاعتقالات المستمرة، ويديّ المقيّدتين أمام الناس الذين أعرفهم، كل ذلك مُرهق عاطفيا وأحيانا كنت أبكي. أُنفق المال على المحامين باستمرار، وعائلتي وأصدقائي دائما قلقون بشأني، وما زلت مُستهدفا".
ليس قانون العقوبات المشكلة الوحيدة؛ في 2014، أصدرت "هيئة الإعلام والاتصالات"، وهي "مؤسسة مستقلة" مرتبطة بالبرلمان، توجيهات وإرشادات "إلزامية" لتنظيم الإعلام "أثناء الحرب على الإرهاب" التي لا تزال قائمة. في رأينا، لا يوجد أساس قانوني لهذه التوجيهات والإرشادات أو لإجراءات الهيئة.
بعد انطلاق احتجاجات 2019، أمرت السلطات بإغلاق ثماني محطات تلفزيونية وأربع محطات إذاعية لمدة ثلاثة أشهر بزعم انتهاكها لقواعد ترخيص البث الإعلامي، بناء على الإرشادات والتوجيهات، وحذرت خمس محطات أخرى بسبب تغطيتها المظاهرات. داهم مسلحون مجهولون مكاتب ثلاثة وسائل إخبارية على الأقل وألحقوا بها أضرارا. في أوائل أبريل/ نيسان، علّقت الهيئة ترخيص "رويترز" وغرّمتها 25 مليون دينار عراقي (21 ألف دولار أمريكي) بسبب مقالة نشرتها في 2 أبريل/ نيسان، جاء فيها أن عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المؤكدة في البلاد أعلى بكثير من الإحصاءات الرسمية. تراجعت السلطات عن قرار التعليق في 19 أبريل/ نيسان.
قد يزداد الوضع سوءا؛ مشروع قانون الجرائم المعلوماتية الذي قدمته لجنتان برلمانيتان إلى البرلمان في 12 يناير/ كانون الثاني 2019 من شأنه أن يقوّض الحق في حرية التعبير بشكل أكبر. تُجرّم العديد من مواد مشروع القانون استخدام الحاسوب في مجموعة واسعة من الأنشطة المُعرَّفة بشكل فضفاض. والكثير منها غير مُنظَّم حاليا.
مثلا، تُعاقِب المادة 3 بالسجن مدى الحياة وبغرامة كبيرة على "كل شخص يستخدم عمدا الحاسوب وشبكة المعلومات بقصد المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها أو مصالحها الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية العليا، أو الاشتراك أو التفاوض أو الترويج أو التعاقد أو التعامل مع جهة معادية بأي شكل من الأشكال بقصد زعزعة الأمن والنظام العام أو تعريض البلاد للخطر. بالنظر إلى الطريقة التي تستخدم بها السلطات الأحكام الفضفاضة في قانون العقوبات، سيكون هذا القانون، إذا تم تمريره، جاهزا لسوء الاستخدام.
في شهر أبريل/ نيسان، كما جرت العادة، قدمنا قائمة أسئلة حول النتائج التي توصلنا إليها، إلى وزارة الخارجية، وأرسلنا نسخا إلى مجموعة من المسؤولين الحكوميين الآخرين. لم نتلق أي رد ما عدا تأكيد الاستلام. على الرغم من خطورة النتائج التي توصلنا إليها، أعتقد أن الامتناع عن الرد يتماشى مع عدم رغبة الحكومة حتى الآن في التصدي لانتهاكات حرية التعبير.
على الكاظمي أن يتعامل مع أزمة حرية التعبير في البلاد بنفس الجدية التي أبداها ضد الانتهاكات الأخرى، بما في ذلك عبر الضغط على البرلمان لتعديل القوانين ومواد قانون العقوبات التي تجعل هذا القمع ممكنا.
* بلقيس والي، باحثة أولى في قسم الأزمات والنزاعات في هيومن رايتس ووتش.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي