رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2514

"خطوط من رمال".. بريطانيا وفرنسا تحتالان على شعوب العراق وسوريا وفلسطين بفكرة "تقرير المصير"

الخميس - 13 شباط ( فبراير ) 2020

ترجمة/ الدكتور جاسم الهاشمي

 

"خط أسود فوق خريطة صماء، قسّم الشرق الاوسط من منتصفه، دون أي اعتبار للتوزيع القبلى والعشائرى، أو الانتماءات الدينية والعرقية". هكذا يصف الكاتب البريطاني جيمس بار، اتفاقية سايكس بيكو، في كتابه (حدود من رمال)، الذي بذل فيه مجهودا بحثيا، وثائقيا كبيرا، في متابعة خيوط الصراع بين بريطانيا وفرنسا من اجل السيطرة على منطقة الشرق الاوسط، والتي تفتت دون رغبة سكانها. وما زال هذا التقسيم المقسم، يتهدد استقرار شعوب الشرق، بتفاقم المشاحنات والعداء المستمر، بسبب تلك الخريطة المشؤومة التي ما انفكت منذ 104 أعوام توّلد مزيدا من الغضب.
المحرر 

هذا الكتاب يحمل اسم (à line in the sand) والكاتب James barr  هو من شباب اوكسفورد. يمثل كتابه وجهة نظر الشباب الإنجليز لتاريخ المنطقة الحديث.
الترجمة بلا تزيين ولا تعريب، كما هي. وقد تعمدت الحفاظ على الاسماء والنصوص المهمة بلغتها الانجليزية. انما هناك ساحة، ولاعبون وجماهير مشاهدة.
المترجم

الحلقة الثالثة عشرة

 

 الطريق المسدود ـ الورطة Deadlock
  إثر عودة الرئيس ويلسون من واشنطن إلى باريس, في 20 آذار 1919التقى لويد جورج وبلفور وكليمنسو وبيشون في شقة لويد جورج الأنيقة بشارع نيتو Nitot.
 بيشون، افتتح الحوار بوصف لما تم حتى الآن من المفاوضات العسيرة. قدم إيجازا عن اتفاقية سايكس بيكو, الإعلان الانجلو - فرنسي في 9 نوفمبر 1918 الذي حاولت به بريطانيا أن تقطّ بنيتها blunt it ولقاء تايجر - Tiger في لندن مع لويد جورج في ديسمبر. ثم المقترحات الجديدة في باريس: مقترح حكومته الموافق 15 شباط, والمقترح البريطاني المقابل الذي يحدد حجم سوريا, والذي رفضه الفرنسيون على الفور.
 يعرف عن بيشون بأنه ظل كليمنسو الأمين - faithful shadow -, فهو مثله طبيب تحول إلى صحفي، أسسا معا صحيفة العدالة la justice. لكن على عكس كليمنسو هو عضو مدفوع له في لجنة آسيا الفرنسية، ومن الملتزمين بحق فرنسا في المشرق Levant، لو طرحت مرة أخرى, وهو الذي وعد البرلمان الفرنسي بأن يطالب به، وذلك في نهاية السنة السابقة. هو وكليمنسو كانا على علم بقوة الشعور الشعبي والبرلماني في موضوع سوريا, ولقد أخبر ويلسون ولويد جورج أن اقتراح 15 شباط يمثل أقصى ما يمكن أن تقدمه الحكومة الفرنسية. مرددا ما سبق لجورج بيكو أن نادى به في الوايتهول قبل أكثر من 3 سنوات, أصر على "أن الرأي العام الفرنسي لا يسمح أن تستثنى فرنسا ولو جزئيا بعد ما قدمت من التضحيات في الحرب، حتى ولو أنها لم تلعب دورا هاما في حملة سوريا".
  بيشون اندفع بعد ذلك في كلامه وصار يتحدث عن تبريرات منوعة لمطالبة فرنسا بسوريا منها "أن لفرنسا العديد من المستشفيات في سوريا؛ أكثر من 50000 طفل، تعلم في مدارس ابتدائية فرنسية. سكة الحديد في سوريا فرنسية. بيروت بالإجمال ميناء فرنسي. الغاز والكهرباء أعمال فرنسية، وكذلك إضاءة الساحل". فرنسا يجب أن تكون الوصية على سوريا.
  لويد جورج أجاب كلا. إذا منحت سوريا الداخلية إلى الوصاية الفرنسية، فسوف يناقض هذا "المعاهدة مع العرب" وهو بهذا يشير إلى وعد مبهم من مكماهون إلى الملك حسين في أكتوبر 1915. رد بيشون ساخطا أن المرة الأولى التي رأى فيها خطاب مكماهون هي تلك التي سلمه فيها هانكي، مستشار لويد جورج نسخة من الرسالة، قبل الموعد ببضعة أسابيع. "كيف ترتبط فرنسا باتفاقية ليست موجودة أصلا في الوقت الذي كانت اتفاقية 1916 قد وقعت؟".
محاضر الجلسات الرسمية نادرا ما تذكر شيئا عن ارتفاع الأصوات في النقاش، لكنها في هذه الحالة لم تخطئ. قال لويد جورج "قد تكون انجلترا هي التي صنعت وحدها هذه الاتفاقية, لكن انجلترا هي التي قامت بحملة سوريا كلها. ولم تكن هناك قضية تخص سوريا إلا وتمر عبر انجلترا. أثاره أن يسمع بيشون، يتحدث عن إذكاء غضب الرأي العام الفرنسي من خلال الصحف، فقال له: "إن هناك أيضا الرأي العام البريطاني وله رأيه". واصل كلامه من أن البريطانيين يعلمون "أن العبء بأسره في الحملة السورية وقع على بريطانيا العظمى. عدد الجنود الفرنسيين الذي اشتركوا.. كان من الصغر بحيث لا يستحق الذكر"، حوالي مليون جندي بريطاني ساهم. سقط منهم 125000 ما بين قتيل وجريح. ولقد كلفت الحملة مئات الملايين من الجنيهات". وأضاف "المساعدة العربية كانت نقطة أساسية".
الرئيس ويلسون حتى الآن كان صامتا بينما يشتبك البريطانيون والفرنسيون بنقاشهم. قاطعهم ليقترح عليهم رأيا كان يدور في طيلة الأسابيع الماضية: "من المبادئ الرئيسية التي ترتبط بها أمريكا أنه ما من سبيل لمعرفة ذلك إلا عند موافقة الجهة المحكومة consent of the governed". ويشرح ذلك "الفكرة هي أن يكون السوريون موافقين على الفرنسيين والميزوبوتاميون ـ العراقيون موافقين على البريطانيين". وما من سبيل لمعرفة ذلك إلا من خلال بعثة استكشافية لرغبات سكان المناطق". كليمنسو وجد في المقترح مناسبة لإحراج لويد جورج, فوافق على المقترح. وشدد على أن اللجنة إذا كانت ستقوم بتثبت رأي السوريين، فيجب عليها أن تذهب لفلسطين وميزوبوتاميا أيضا لنفس الغرض.
  لورنس غمرته البهجة إزاء الخطة؛ أعضاء الوفد الآخرون لم يشاركوه الحماس. أن يجرى استفتاء في فلسطين وميزوبوتاميا لبيان رغبة الشعب في أن تحكمهم بريطانيا وحدها, هذا آخر ما يتمناه المسؤولون الحكوميون. بلفور كان قد حذر لويد جورج: "هل هذه فلسطين التي ناقشنا أمرها بتأن ووجدنا وبمعقولية ان نرفض منحهم الاستقلال الذاتي. فلو استفتيتا الشعب حاليا فسيرفض بلا شك حكم اليهود". اللجنة – البعثة - تأكدتْ من هذه الحقيقة. ومن يعرف ماذا ستكون الحالة في ميزوبوتاميا، حيث تعرف لورنس على وجود "روح قومية عربية حية ناشطة".
  البريطانيون علموا ان اللجنة ستكون مع فكرة منح الاستقلال العربي في سوريا, لكنها لو قبلت بالحكم البريطاني في العراق، فسيكون النموذج السوري الاستقلالي مُعدِيا. هذا على حد تعبير جيرترود بيل، الضابطة السياسية في الجيش البريطاني هناك، وقضت وقت الحرب في ميزوبوتاميا. "لدينا في بغداد حزب قومي ناشئ، فإذا ما قامت حكومة وطنية مستقلة في سوريا، فسوف تظل عيونهم شاخصة في ذلك الاتجاه، ويشكون من أنهم لم يعاملوا بالمثل". بيل التي كانت دائما ترفض مطالب فرنسا في سوريا تنادي الان: "يسرني أن أرى الفرنسيين وقد استقروا في سوريا, والأمريكان أكثر مني ترحيبا. كل شيء مرحب به إلا إقامة كيان عربي مستقل في مكان وكيان بريطاني حاكم ومؤثر في مكان آخر".
  الدعم في سوريا انحسر، لأنهم أدركوا أن من شأنه أن يؤثر على قدرة بريطانيا في استغلال البترول تحت أرض –الموصل-. في مذكرة للمخابرات البحرية البريطانية بخصوص البترول بعدئذ, شددتْ على أن التجربة البريطانية في التنقيب عن البترول في الأرض المجاورة لبلاد فارس، تعتمد بصورة رئيسية على علاقاتها بالقبائل القريبة من مواقع العمل وذلك اقتضى أن توجد حكومة "قوية وثابتة" strong and stable في ميزوبوتاميا. لورنس يذكر أن "لويد جورج لم يكن يمتلك القدرة على أن يعد بدرجة أعلى كالحكم الذاتي مثلا هناك".
  للإيقاع أكثر بلورنس, دائرة شؤون الهند India Office اعتمدت تكليف جيروتريد بيل ورئيس شعبتها أرنولد ويلسون، بالذهاب إلى باريس لموازنة وموازاة آراء لورنس. ويلسون قابل لورنس وذكر: "ظهر لي أنه قد سبب لنا أذى كبيرا وأن مشاكلنا مع الفرنسيين في سوريا، كانت بشكل رئيسي بتأثير من مشورته وأعماله". لاحظ لورنس أنه بدأ يهَمَش وباطراد. الرجل الذي ترك له الرئيس الأمريكي مجالا في جدول أعماله لشباط الماضي، أصبح لديه الوقت ليزور سِرْك المدينة circus في المساء. وفي يوم من الأيام كان في الفندق الذي تنزل فيه البعثة عندما لمح في نهاية الممر تحت المدرج مباشرة، يجلس كل من لويد جورج وآرثر بلفور والسفير البريطاني في باريس. ذهب وعثر على علبتي ورق حمامات وأفرغهما في الهواء فوقهم. بنهاية شهر مايس سافر فجأة إلى القاهرة, بزعم انه بحاجة لأن يسترد بعض المعلومات التي تساعده في كتابه عن الحملة, ولكن في الحقيقة كان ذاهبا ليحرك الموقف في المنطقة to sway the situation .
  كان هناك سبب آخر لفتور الصراع البريطاني مع الفرنسيين هو توهم أو تحرر من وهم، يقول بأن ثمة سلاما ممكنا ودائما في المنطقة. كتب هارولد نيكولسن في نهاية آذار يقول "نحن نخسر السلام بسرعة, وكل الجهود الصعبة التي بذلناها راحت عبثا". ولما اطلع سيسيل Cecil, وزير الخارجية البريطاني, على نص مسودة المعاهدة مع ألمانيا في –مايس - حذر لويد جورج من أنها ليست سخية ولا عادلة. وغدا, إذا ما كان السلم قصير الأمد، فعلى بريطانيا أن لا تغضب حليفها في الحرب أكثر من ذلك. لخص بلفور الجو السياسي الكئيب فأعلن "أنه مقتضب من الموقف المشوش في سوريا. ومهما تكن الحالة فهو شخصيا أحد المسؤولين عنها". وهو يقر بذلك, على الطريقة التالية "لم نكن صادقين honest لا مع العرب ولا مع الفرنسيين... ومن المفضل الآن أن نتنازع مع العرب إذا كان لا بد من النزاع".
  في محاولة لتفادي الخلاف حول فرض الوصاية الفرنسية على سوريا، توسط broker البريطانيون بين فيصل و كليمنسو. كليمنسو كان راغبا أن يلتقي بفيصل لأنه كان يتوق إلى الوصول إلى اتفاق يلغي ضرورة توسط الرئيس يلسون. لكن الرجلين عندما التقيا في 13 نيسان رفض فيصل طلب فرنسا بأن يحتل جنودها دمشق. ثم انه جهز نفسه في سوريا  لمجابهة الخطر الفرنسي.
  ولما كان فيصل يستلم معونة بريطانية مهمة فقد حث مساعدو كليمنسو القائد الفرنسي لأن يفعل أي شيء لإقناع البريطانيين بالكف عن الدعم المالي لفيصل، وأن يسحبوا قواتهم من سوريا. لويد جورج, على كل حال, لم يكن راغبا بتنفيذ أي من الطلبين. انه يشك في أن للفرنسيين الموارد الكافية لملء الفراغ بالسرعة التي يتمكن منها القوميون العرب والذين لو أمسكوا بزمام الحكم في دمشق، فسوف يشكلون دافعا جديدا، لا يمكن مقاومته للاستقلال العربي في ميزوبوتاميا وفلسطين، ولن يتنازل عن تدمر Palmyra نظرا لأهميتها الإستراتيجية.
الفرنسيون فسروا هذا التردد البريطاني بكونها تمتلك طموحات بحكم سوريا أيضا. هكذا كانت أجواء الشك إلى حد أن لويد جورج لم يصدقه كليمنسو عندما قدم وعدا بسحب قواته. كليمنسو رفض أن يثق بضماناته. قال للمفاوض البريطاني "أنت أسوأ الصبيان you are the very baddest boy", وكان أصغر عمرا باثنين وعشرين عاما.
  فشلت آخر محاولة لحل المشكلة السورية في باريس أثناء لقاء جرى في شقة لويد جورج في 22 مايس ووصل الحوار "حد الانفجار والصراخ" طبقا لأحد الشهود. لويد جورج ارتد عن صفقة سابقة بالمشاركة مع فرنسا في البترول السوري باعتبار أن المفاوضين اتفقوا وقتها بدوافع شخصية دون تخويل, كليمنسو رد بسحب عرضه بخصوص الموصل, لويد جورج شن هجوما مقرعا بخطاب مسهب tirade حول الطرق الفرنسية المعيقة للحرب مع العثمانيين. كليمنسو من جانبه أعلن أن فرنسا لن تساهم في لجنة ويلسون ما لم تسحب بريطانيا قواتها من سوريا. ولكن, لما كان الرجلين كليهما لم يحددا حتى الآن أين هي الحدود السورية. لا يزالان يطالبان بتدمر. لويد جورج رفض أن يسحب القوات حتى تقرر وتعلن لجنة ويلسن قرارها. وقال إنه سيرسل مندوبين عندما يرسل كليمنسو مندوبيه، وحتى الآن لا تعول الحكومة الفرنسية على هذه اللجنة أو تعطيها أهمية فترسل مبعوثين. الاجتماع انتهى بلا اتفاق. ومع ذلك فرئيس الوزراء الفرنسي "لم يعد يهتم كثيرا بسوريا". هكذا وصفه السفير البريطاني في باريس. "لقد أصبحت الآن مسألة احترام للذات amour propre لا أكثر, ولا شيء يغير رأيه".
ونتيجة للمقاطعة البريطانية والفرنسية, وصلت اللجنة الأمريكية فلسطين، وهي لا تتعدى شخصين: عالم لاهوتي اسمه هنري كنج Henry King ورجل أعمال من شيكاغو متمرس بالسياسة، تشارلس كرين Charles Crane، والأخير وصفه ويلسون "برجل مجرب وعالمي النزعة"، مهمتهم كانت تقرير افضل طريقة لتقسيم الامبراطورية العثمانية في الجزء العربي. وتحديد الأجزاء الثلاث المشمولة بالوصاية ضمانا "لاستتباب النظام, والسلم, والنمو"، وذلك من خلال مساءلة الناس عما يريدون؛ مسيرتهم أخذتهم من يافا إلى أورشليم ودمشق, وبيروت وحلب مثيرين, كما وصفهم جنرال بريطاني، "عربدة سياسية أينما ذهبوا".
  بالرغم من أن البريطانيين والفرنسيين حاولوا التقليل من جدوى ونفوذ اللجنة من خلال عدم اشتراكهم بها إلا أنهما لم يشكا بوزن النتائج التي ستتوصل إليها.
ومن هنا بذل الموظفون المسؤولون الانجليز والفرنسيون قصارى جهدهم للتأثير على النتائج. وبعد أن تأكد لهم أن أحد مستشاري اللجنة ويليام ييل William Yale كان قبل الحرب يعمل كممثل لشركة النفط الأمريكية Standard 0il أفلح البريطانيون بثني عضوي البعثة من الذهاب إلى ميزوبوتاميا, وبدلا من ذلك قدموا لهما موجزا عن الرأي العراقي, والذي كان, كما هو متوقع, مواليا لبريطانيا pro-British. "هناك السنة والشيعة Sunnis and Shiahs, هناك سكان المدن والقبائل. يجب أن تكون هناك سلطة خارجية لفرض السلم بينهم. "والذي يدعى بمصطلح مضحك بتقرير المصير أو حرية الإرادة self determination في العراق". و"يجب أن يحكم البريطانيون البلاد بأنفسهم"، أوضح آخر الغموض في ما قاله الأول.
  في فلسطين لاحظ المبعوثيْن "أن اثنين أو ثلاثة من الحكام العسكريين قاما على ما يبدو ببعض الإجراءات لضمان الأصوات لبريطانيا". وإلا فإن المسؤولين البريطانيين من المدنيين كانوا على "جانب من اللطف وحب المساعدة والامتنان". 
ييل Yale, على كل حال, يدعي أن كلايتون رئيس لورنس قديما, والذي أصبح الآن الضابط السياسي الأول في فلسطين, حاول أن يحدد الاستقصاء الذي تقوم به البعثة, وحذره من إثارة التوتر المتصاعد في البلاد: "إذا ما أبديت أي انحياز أو اقترفت عملا طائشا, يا ييل, فسوف تسبب إراقة الدماء".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي