رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2514

التظاهرات ليست هدفا

الأربعاء - 12 شباط ( فبراير ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

التظاهرات وسيلة او اداة من ادوات التعبير عن الرأي، الرضا او الرفض او الاحتجاج او التأييد الخ.  وفي نظام يملك فيه المواطنون حق الاقتراع في انتخابات دورية،  فان التظاهرات ليست وسيلة لتغيير الحكومة او استبدال الطبقة الحاكمة؛ الانتخابات هي الطريق الى ذلك.
التظاهرات وسيلة بمعنى انها ليست غاية  بحد ذاتها، لكنها تعبر عن حيوية في المجتمع.  عرف المجتمع العراقي عبر المئة سنة الاخيرة  هذه الحيوية في الكثير من المحطات منها، على سبيل المثال لا الحصر، ثورة العشرين سنة ١٩٢٠   وانتفاضة اذار/شعبان في عام ١٩٩١ والثورة الكردية.
وفي حالتنا الراهنة، فان التظاهرات تعبر ايضا عن "درجة ما" من انعدام الثقة بين المتظاهرين وبين الطبقة الحاكمة.  
وقد حظيت التظاهرات الحالية  بتعاطف المرجعية الدينية التي اطلقت عليها اسم "الحراك الشعبي" و "معركة الاصلاح".
ويطالب المتظاهرون بحزمة اصلاحات  يمكن تقسيمها من حيث الزمن الى اصلاحات سريعة او قريبة ، واصلاحات متوسطة المدى، واصلاحات بعيدة المدى.
كما يمكن تقسيم الاصلاحات من حيث الجهة المخاطبة بها او المسؤولة عن تحقيقها. فهناك اصلاحات يجب ان تقوم بها الحكومة الراهنة، واخرى تقوم بها الحكومة المقبلة، والامر نفسه فيما يتعلق بالاصلاحات التي تتطلب تدخلا تشريعيا. وهناك اصلاحات تقع مسؤوليتها على المجتمع او الشعب نفسه.
ولا افترض ان هذا النوع من التقسيم والتبويب واضح عند كل المتظاهرين، لكن لابد من  بيانه كما اسلفت.
ويمكن للتظاهرات ان تخلق حراكا اجتماعيا ذا بعد حضاري بعيد اذا ارتبط بهدف حضاري بعيد المدى. وقد نبه السيد محمد باقر الصدر قبل حوالي ٤٠ سنة  الى ان  "كل مسيرة واعية لها هدف وكل حركة حضارية لها غاية تتجه نحو تحقيقها" وقال ان هذه الحركة الواعية  "تستمد وقودها وزخم اندفاعها من الهدف الذي تسير نحوه وتتحرك الى تحقيقه" باعتبار ان "الهدف هو وقود الحركة" واستنتج ان "المجتمعات كلما تبنت في تحركها الحضاري هدفا اكبر استطاعت ان تواصل السير وتعيش جدوة الهدف شوطا اطول".
ومن اجل تطوير الحراك الشعبي الراهن وادامته بشكل منتج، فاني ادعوه الى ان يتبنى هدفا كبيرا وبعيدا هو اقامة الدولة الحضارية  الحديثة/ دولة الانسان في العراق. ومع انني كتبت الكثير من المقالات حول هذه الدولة، فانني اقول اختصارا انها البديل الموضوعي الواعي لحالة اللادولة، وللدولة المتخلفة، وللدولة القديمة. ولذا فهي الدولة التي تبنى في اطار مركب حضاري قادر على تحقيق التنمية المستدامة والرفاهية والعدالة الاجتماعية والسعادة، في اطار نظام قيمي يحفظ الحقوق ويصون الكرامات ويرتقي بالانسان ماديا وروحيا،  وتقوم على اساس المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون والمؤسسات والعلم الحديث.
 ان جعل  الدولة الحضارية الحديثة  النموذج او الهدف الاعلى البعيد الذي يسعى اليه الحراك الشعبي سيجعل منها  اساسا للتثقيف والتوعية، ومقياسا للتصرفات والافعال. ففي الشطر الاول يتعين على المفكرين و الكتاب والاعلاميين جعل فكرة الدولة الحضارية الحديثة في متناول الجمهور بكل الوسائل المتوفرة والممكنة، وفي الشطر الثاني يتعين على القادة الميدانيين ضبط تصرفات الجمهور في اطار السلوك الحضاري الذي تتطلبه فكرة الدولة الحضارية. 
وقد قلت ان التظاهرات وسيلة وليست غاية، واذن يجب ان تتكامل هذا الوسيلة مع الوسائل الاخرى المتوفرة مثل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والانتخابات.
 ومن هنا تاتي اهمية التنظيم الانتخابي  من اجل تحشيد اصوات الناخبين باتجاه اطروحة الدولة الحضارية الحضارية وعدم تشتيتها  بهدف الفوز باغلبية برلمانية تتبنى مشروع اقامة الدولة الحضارية الحديثة في العراق. بديلا عن دولة المحاصصة والمكونات.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي