رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2514

"خطوط من رمال".. حلفاء الحرب يتصارعون على "ميزوبوتاميا".. والسبب البترول

الأربعاء - 12 شباط ( فبراير ) 2020

ترجمة/ الدكتور جاسم الهاشمي

 

"خط أسود فوق خريطة صماء، قسّم الشرق الاوسط من منتصفه، دون أي اعتبار للتوزيع القبلى والعشائرى، أو الانتماءات الدينية والعرقية". هكذا يصف الكاتب البريطاني جيمس بار، اتفاقية سايكس بيكو، في كتابه (حدود من رمال)، الذي بذل فيه مجهودا بحثيا، وثائقيا كبيرا، في متابعة خيوط الصراع بين بريطانيا وفرنسا من اجل السيطرة على منطقة الشرق الاوسط، والتي تفتت دون رغبة سكانها. وما زال هذا التقسيم المقسم، يتهدد استقرار شعوب الشرق، بتفاقم المشاحنات والعداء المستمر، بسبب تلك الخريطة المشؤومة التي ما انفكت منذ 104 أعوام توّلد مزيدا من الغضب.
المحرر 

 

هذا الكتاب يحمل اسم (à line in the sand) والكاتب James barr  هو من شباب اوكسفورد. يمثل كتابه وجهة نظر الشباب الإنجليز لتاريخ المنطقة الحديث.
الترجمة بلا تزيين ولا تعريب، كما هي. وقد تعمدت الحفاظ على الاسماء والنصوص المهمة بلغتها الانجليزية. انما هناك ساحة، ولاعبون وجماهير مشاهدة.
المترجم

الحلقة الثانية عشرة

 

الاستعماريون في فرنسا يدعون في مطالبهم أن التوسع الفرنسي الإمبراطوري – الاستعماري -, على حساب العدو "يعتبر أهم الشروط التي ستساعد فرنسا على استعادة عافيته في وجه عدو شرس كألمانيا والتي ستبقى عدوها العنيد" مضمون الورقة التي وضعت أمام كليمنسو. لكنه اتضح من خلال مؤتمر السلام أن من الصعوبة تحقيق هدفهم.
  حجر العثرة كان موقف ويلسون ولويد جورج. قال عنهما كليمنسو "أنه حوصر بين يسوع المسيح من جهة ونابليون بونابرت من الجهة الأخرى"، أرغم كليمنسو على قبول وضع مستعمرات العدو تحت الانتداب mandates  وأن إحداهما أو الأخرى تقوم بدور الحكومة الراعية تحت إشراف عصبة الأمم التي يناصرها ويلسون, العصبة التي مثلت المنظمة الإنشائية للأمم.
في الإمبراطورية العثمانية السابقة الأمر يشمل ثلاثة: ميزوبوتاميا وسوريا وفلسطين. والكلمات التي تم التطرق إليها للتعرف إلى مسؤوليات البلدان المنتدبة تضم فكرة أن الاستقلال لكل من هذه البلدان ليس ببعيد far off.
هذا الاستقلال ربط "وقتيا بتقديرات الإدارة لتلك البلدان المنتدبة وبمساعدة المنتدِب حتى يأتي الظرف الذي تتمكن فيه من الوقوف وحدها "تؤخذ رغبات المجتمعات-الشعوب- بشكل رئيسي في اختيار الانتداب والمنتدب mandatory".
حاول الفرنسيون أثناء المفاوضات وخلف الكواليس, وهم يتوقعون نمط المقررات, استثناء فيصل من محاضر جلسات مؤتمر السلام "الترحيب الكبير" الذي أولاه البريطانيون للزعيم العربي في الشهر الماضي أثار شكوك الفرنسيين من أن يكون فيصل مفتاح لخطة من شأنها "خلق تنظيم كبير مأجور لبريطانيا, في آسيا الصغرى يؤدي إلى الضرر بنفوذنا". وحينما رأى فيصل أن اسمه غير موجود في القائمة الرئيسية للوفود واشتكى, حاول رئيس للجنة الآسيوية في الكي دورسيه, جان جو Jean Gout, أن يفصله عن كفلائه البريطانيين بادعاء أنهم هم الذين استثنوه. إذا ما نقل فيصل ولاءه للفرنسيين, "نستطيع أن نرتب لك الأمور".
استشاط البريطانيون غضبا عندما نقل لهم فيصل ما قال جان جو وأصروا على شمول حلفائهم العرب. وأخيرا تكلم فيصل في المؤتمر ولورنس يترجم له. سبق للورنس أن أوجز, لمجموعة من المراسلين الأمريكان, أهداف فيصل, وفي نفس الخط, اعتمد فيصل, في جدليته عن استقلال العرب, على نداء ويلسون بخصوص تقرير المصير, وليس على وعد بريطاني غامض woolly promise  لوالده أثناء الحرب. دعا فيصل إلى استقلال العرب لكنه سلّم بكون فلسطين ولبنان ينبغي أن تعاملا معاملة مختلفة. ومن الواضح أنه ترك انطباعا جيدا لدى الوفد الأمريكي.
ووفقا لوزير الخارجية الأمريكي, روبرت لانسنج Robert Lansing , "ظهر وكأنه يشم رائحة البخور"، مستشار ويلسون كولونيل هاوس يقول "لقد أحدث تعاطفا واضحا مع العرب". مسؤول أمريكي آخر ذكر "أنه كان الأكثر كسبا من بين الحضور, ويتفق الجميع على ذلك, وفي مؤتمر السلام كله".
فيصل في خطابه امتدح العون البريطاني له كي يطرد الترك. الأمر الذي دعا وزير الخارجية الفرنسي بيتشون أن يقاطعه. ألم يقدم الفرنسيون العون أيضا للعرب؟ فيصل, كان على ما يبدو متوقعا ذلك, فقد شكر الفرنسيين على إرسالهم "وحدة عسكرية صغيرة مجهزة بأربع بنادق - أو مدافع - قديمة وبندقيتين - أو مدفعين - جديدين للانضمام لقواته". ووفقا لكلمات أحد المراقبين البريطانيين وصف ردة فعل الوزير الفرنسي شامتا "بيتشون كان آسفا على كلامه الذي نطق به وأظهره كالأبله".
عندما ادعى كليمنسو, بعد تصريحاته للإعلاميين في الكي دورسيه, أن سوريا كانت محمية لفرنسا "لقرون من الزمن, يعود تاريخها إلى الحملة الصليبية Crusades"، تصدى له لورنس مذكّرا رئيس الوزراء, والذي كان أشبه بالملحد "أن الصليبيين قد هزِموا و الحملات الصليبية قد فشلتْ".
والآن وبعد خيبة الفرنسيين في استثناء واستصغار فيصل، حاولوا الآن أن يحولوه إلى شيطان. الصباح التالي شهد الصحف الفرنسية، وهي تشن هجوما بالصفحات الأولى على القائد العربي ومترجمه, الذي وصفه أحد الجنرالات الفرنسيين: الاستعماري البريطاني بغطاء رأس عربي British imperialism with arab headgear 46-. 
صحيفة باري ميدي Paris Midi  زعمت أن طموحاته تشمل العالم الإسلام كله, ولهذا فهو خطر على جميع ممتلكات بريطانيا  بما فيها الهند, مع ملاحظة أن ميوله قد أصبحت عربية أكثر منها بريطانية. وبالرجوع إلى زمن حادثة فاشودا قارنت تلك الصحيفة لورنس بجوردون الخرطوم Gordon واصفة الرجلين "بأنهما جلبا لبلدهما العظمة وسوء الحظ معا؛ كانا يتبعان الطرق السرية والالغاز وكانا مغامرين, مأخوذين بالأحلام الشخصية ولا شيء يقف أمامهما. حتى ولو كانت مصالح بلدهما المعترف بها".
صحيفة ايكو دي باري، التي كشفت القناع عن لورنس في سبتمبر الماضي عادت لتواصل الكلام: لورنس كان يبحث أن يقدم لمسؤولي الوايتهول، بالحقيقة الجاهزة، الأمر الواقع fait accompli- ضمن الاعتقاد بأن بريطانيا لم تهجر نفسية القرصان الذي ينجح.
وبعيدا عن الأنظار كانت السلطات الفرنسية قد اطلعت الصحف أن السبب الوحيد الذي وفر لبريطانيا القوات العسكرية اللازمة لغزو سوريا، هو أن فرنسا قامت بمعظم المعارك في الجبهة الغربية، من هنا فإن فرنسا تستحق حصتها من غنائم الشرق الأوسط.
  أدت هذه الحملة الإعلامية إلى تنبيه البريطانيين، على ان دائرة المخابرات السياسية في وزارة الخارجية وضعت في حسابها أن سوريا أصبحت واحدة من المشاكل الصعبة لتي تواجه مؤتمر السلام (المشكلة الثانية هي أحقية فرنسا بالاستيلاء على – راينلاند Rhineland), ذلك لأن جميع الفرنسيين, في الواقع, باستثناء الاشتراكيين يصرون على أن هذه المنطقة التي كانت عثمانية يجب أن تكون الآن مستعمرة فرنسية. والسفير الفرنسي في لندن عزز ذلك الانطباع حين حذر نظراءه الانجليز "رغم أن المصلحة الفرنسية في سوريا يغلب عليها الجانب المعنوي أكثر من الجانب المادي... لكن الشعور يبقى قويا وقويا جدا".
  لويد جورج لام نفسه للسماح بأن تكون باريس مكان انعقاد المؤتمر. كتب يقول "نحن نعلم سلفا أن البيروقراطية الفرنسية ستلجأ إلى أساليب ماكرة للتأثير على مشاوراتنا المدروسة المتروية. يتنمّرون bullying, يداهنون, يتزلفون cajoling, يكذبون lying, زرع الشقاق sowing dissension, ويلجأون إلى أساليبهم المعروفة لتحقيق أهدافهم وبالطرق الخبيثة devious". ويواصل "مواد بنودهم الخاصة بسوريا لا تُحتمَل".
طرح الفرنسيون اسما عربيا، شكري غانم، كبديل لفيصل لأن فيصل ليس سوريا ويجب إهماله. لكن المحاولة أعطت عكس المطلوب backfired.. شكري غانم أمضى جزءا من حياته في باريس – أكثر من 30 عاما - واقر أنه نسي اللغة العربية, ثم نسف فكرة تسلط الفرنسيين على سوريا خلال حديث له استغرق ساعتين ونصف. الرئيس الأمريكي برما نهض من مكانه وذهب إلى النافذة؛ أمامه رحلة يوم كامل بالبحر إلى أمريكا. كليمنسو يستدير محملقا في وزير خارجيته بيشون: "لماذا كان يجب أن تجلب هذا الشخص هنا, مهما يكن؟". الوزير ينتئ شفتيه استياء. "لم أكن أعلم أنه سيتصرف بهذه الطريقة".
مطلب الفرنسيين المضاد بفلسطين اتخذ هو الآخر مسارا خاطئا. حاييم وايزمان تحدث باختصار وبقوة مفضلا الانتداب البريطاني, وجد الفرنسيون في كي دورسيه أن ذلك اليهودي وقد أوضح موقفه في نصف ساعة أعلن الناطق باسم كليمنسو أمام الصحفيين أن فرنسا تخلت عن مطلبها بفلسطين، وأنها تقبل بوصاية بريطانية. لجنة آسيا الفرنسية، وقد سبقتها الأحداث بتسارعها ناشدت بمذكرة رفعتها إلى كليمنسو، وبإصرار أن يتخذ موقفا مضادا للويد جورج. فلقد شاهدتْ بريطانيا وهي تخرج من الصراع, بالنتيجة, مبجلة ـ رابحة ـ "لن نقبل بعد الآن أي انحسار لموقفنا العام في العالم". وفي سوريا تواصل اللجنة: "لنا حق لا جدال فيه لفرض حضارتنا culture, وما يجري لا يكفي". الحكومة الفرنسية لم تتبع مشورة اللجنة. في 15 شباط أرسلت وزارة الخارجية - كي دورسيه - مذكرة إلى البريطانيين لتؤكد منح كليمنسو للموصل والتنازل عن اتفاقية سايكس بيكو, ما دام البريطانيون يدعمون وصاية فرنسا على سوريا الساحلية والداخلية. ولما كان اهتمامها اقل من اهتمام بريطانيا بالبترول وأبطأ، فقد طلب الدبلوماسيون حصة متساوية من نفط الميزوبوتاميا.
البريطانيون اطلعوا على نسخة من مذكرة اللجنة وصرفوا النظر عنها. "الكرامة الجريحة تغرق شكوكها أو هواجسها, وحسب قوتها, في برنامج متطرف تقوم به". هكذا كتب أحد الرسميين, وكان يعتقد بأن من الأجدى للطاقات الفرنسية أن تصرف مع قبول ما يلي: "إذا أرادت فرنسا في المستقبل أن تقود العالم فإن تجاهلت الحكومة الفرنسية مذكرة اللجنة، أن يدهم هي العليا ـ أنهم مهيمنون. جوابهم على المقترح الفرنسي كان عنيفا – عدوانيا - aggressively.. لقد أوضح لهم خبراء البترول أن واحة تدمر بالميرا Palmyra والتي تقع بين دمشق ونهر الفرات, يمكن أن تكون محطة حيوية لخط أنبوب بترول الموصل، وهو يتدفق نحو البحر الأبيض المتوسط, وهم هنا يصرون أن تكون تدمر جزءا من الميزوبوتاميا, وهم بهذا يقلصون بشكل مثير المساحة الجغرافية لسوريا التي يحسبها الفرنسيون جزءا من سوريا.
جاوز البريطانيون الحدود المسموح بها overstepped the mark "الكثير من الانجليز لا يرون فرنسا الجريحة المنهوبة, كل ما يريدونه يوميا أن تتنازل فرنسا عن حقوقها؛ وهي تستحق أفضل من ذلك. هكذا اشتكى اندريه تارديو Tardieu 56 رئيسه كليمنسو، أحس بأن لويد جورج قد خانه. هو يدعي بأن رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج في لقائه الشخصي معه بديسمبر السابق كان يقول بأنه يتقبل مطالبة فرنسا بسوريا. لكن لويد جورج ينكر في البداية أنه قد أعطى وعدا مثل هذا لكنه قال, فيما بعد, إنه قد فعل. يصفه دبلوماسي فرنسي "لويد جورج أصعب رجل تتعامل معه". ودبلوماسي آخر يقول "لن تستطيع أن تخمن موقفه من يوم لآخر".  "منذ أول يوم للهدنة وجدت فيك عدوا لفرنسا" رئيس وزراء فرنسا يتهم لويد جورج. يرد عليه لويد جورج الكرة "ألم تكن هذه هي سياستنا التقليدية؟". كليمنسو وبعقلانية لم ير الجانب الطريف للرد, لأنه بات واضحا أن حلفاء الحرب صاروا خصوما مرة أخرى. الضغط الشعبي الفرنسي كان شديدا على كليمنسو، فقرر أن لا يداهن لويد جورج ومطالبه أكثر مما فعل. 
قال للرئيس الفرنسي ريمون بوانكاريه - Raymond Poincare بعد شهر "لن أتزحزح بعد الآن, لن أفسح مجالا للتعديات. وسوف نرى كيف يتصرفون بغيابي. لويد جورج مخادع cheat. لقد سعى ليحولني إلى سوري".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي