رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2514

أفكار الشهداء لا تموت

الاثنين - 10 شباط ( فبراير ) 2020

تمارة عماد

"المتعبون في الساحة، وجوههم ترقُّ يومًا بعد يوم، وشَعرهم يلين في هواء الليل و الأضواء الخفيفة، وحين ينظرون إلى بعضهم ترقُّ عيونهم أيضًا إلى درجة أنهم يظنون أنفسهم زجاجا ...وينكسرون".
وديع سعادة
 نعم مازلنا نكتب؛ نصارع الموت والحياة والحمقى، نتلقى الطعنات، نمسك الكلمات الحادة نضعها فوق الورق، نجمع الحروف، نصنع جملا لا تصلح للنشر .
أما تلك الأفكار الجارحة فنصفها فوق الرفوف، حسب الأبجدية في حين، وحسب العمر في أحيان أخرى
الرفوف تكاد تقع فوق رأسي كل الأفكار، التي تحمل عنفوان الشباب وأحلام الشباب وخيبات الشباب وبقايا الطفولة وألوانا رمادية كانت تسمى أيام حربٍ.
ماعدت أستطيع أن أضع كل ذلك فوق الرفوف أحضرت صناديق خشبية محكمة الغلق لكن ولسبب ما هذهِ الصناديق أصبحت تتناسل وتتكاثر، وبات لها أرقام العداد يتجاوز العشرات، وأنا أفكر ماذا سأفعل بكل هذهِ الصناديق المرصوفة، المكان لا يسع. الجدران مخادعة مهما اختبأوا خلفها، سوف تكشف الحقيقة؛ الحقيقة التي لا تنقلها أعين الفضائيات، ولا تمولها أي جهة من جهات الرقص الشرقي على جثثنا وأحلامنا ودموع أمهاتنا.
حقيقة هذهِ الصناديق، نحن نجهلها، تماما، جهلًا تم اختيارهُ سلفًا، لا بد من مستقر آخر، يقولون إن مافي داخلها لا يصلح للحياة على الأرجح. إننا سوف نحملهُ لمثواه الأخير ..!
لا ..!
لم يقولوا ذلك. كانت الأفكار مغايرة. أنا أذكر لقد صنعت من أجلها رفوفا وحروفا أبجدية، كان هناك حيث حرف العين، الكثير من عمر، عمر، عمر!
عمر أخبرني إنه ينتظر الحياة. عمر لا يريد أن يكون رقما. 
عمر كان الشهيد رقم مائة وواحد في هذهِ الحرب.
رحل عمر، تلاه آخرون.
الخوف ينتابني بشدة. الأفكار لا توضع في صناديق، لكنهُ الموت تمكن منها اغتال الحلم، وأمسى الموت حقيقة، لا فرار منها. أفكار أُغتيلت مع سبق الإصرار والترصد. وضعت في صناديق مغلقة، تم حملها من قبل أحلام ما زالت تستطيع أن تضمن بقاؤها حتى الغد، محملة بفكرة تصلح للحياة.. شباب يزفونهم بالكفن!
ثم تتدحرج كل هذهِ الأفكار نحو التربة، مغلفة بالأبيض الناصع، تنتهي الرحلة هناك حيث الموت.
مجددًا المشهد يتكرر الجميع يصرخ، يركض، يتعثر يبحث عن الشهادة الأفكار الميتة. باتت قابلة للحياة أكثر منا. نحن نلهث خلف وَهم. الغد أفضل.. الغد أجمل.. الغد مشرق. ذلك الغد المتمثل بكذبة كُبرى سنبقى نحن حيث نحن، والأفكار من حولنا تموت وتحيا.
لقد حطمت الجدران. أصبح العالم غرفتي. الصناديق ما عادت تثير في نفسي الخوف. والقلق انتهى. الصيف عاد. الشتاء ـ وبأي وجهٍ ـ عاد. الغيث بات مطرا. والشمس باتت وقت أمان، ينذر بالنوم. 
المشهد تغير. العِلم ما عاد هو الطريق الأصعب الذي أود أن أسلكهُ، لأحقق الحلم الذي طالما تمنيتهُ.
تغير الكثير منذ الشتاء الماضي، حتى اليوم أنظر من جديد صوب الرفوف، الجثث ترحل، لكن الأفكار؛ هذهِ الكلمات؛ هذهِ الأحلام؛ هذهِ الأصوات؛ الصور؛ الكلمات مجددًا؛ الكلمات والأفكار في كل مكان.  هل نستطيع دفنها؟ لا، قطعا، سبعمائة فكرة من رحمها، تولد سبع ملايين فكرة أخرى.
ولا عزاء للقاتل سوى الهزيمة في صباح من صباحات تموز، تأتي الظهيرة عليه، تحرقهُ شمس البصرة بحرارتها، وتطوف بهِ حول العراق، ماهو إلا ضحيَّة، لا يشكل رحيلهُ إلا عزاء منقطع النظير.
كل شيء قد تغير.. ماذا تبقى؟
نعم،
الأفكار،
الكلمات،
وأنتم وأنا وهؤلاء جميعا.. الأماكن وأصواتكم والعراق ...
نحن نكتب سلفًا لنساهم بجرائم إنسانية ضد أنفسنا، لنؤرخ شيئًا مما تطولهُ أفكارنا، ويسمح بهِ الخيال، وفي خضم ذلك، تولد أفكارٌ أخرى وآخرون أحرار. 
من اجل تلك الحياة الحُلوة التي طالما كانوا يحلمون بها، ودفعوا حياتهم ثمنًا لذلك، من أجل كل هذا علينا أن نتمسك بالفكرة والكلمة والحلم من أجل أن يذوقوا حلاوة الدنيا وجمالها وينظرون نحو الماضي، على إنهُ دائمًا، وأبدًا ـ وبالرغم من الحروب والدمار والقتل وكل البشاعة التي تعم فيه ـ نحن نكتب، ليعرفوا أننا ذات يوم في عشية الخامس والعشرين من تشرين من عام ٢٠١٩ في مدينة بغداد ـ عاصمة العراق ـ خرج الشباب بأفكارهم العابرة للطوائف والانتماءات ليقولوا، بجميع اللهجات "نريد وطن".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي