رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 22 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

رسالة فيلم "الزائر" هل هي سياسية أم إنسانية؟

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

علي المسعود

في السنوات الصعبة، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، قامت هوليوود بشجاعة، إن لم تكن ناجحة دائمًا، في الدخول إلى المجال العام في صنع أفلاما تتعامل مع سياسات الشرق الأوسط ودور وكالة الاستخبارات المركزية في السياسة الدولية وكذالك الفساد في عالم الشركات.

وهذا يرجح لأن العالم اليوم يريد أن يشاهد صورة مختلفة، وأن تقوم السينما بدور توثيقي مغاير لواقع اللاجئين. وربما نريد نحن المشاهدين أن نعرف ما آل إليه حال هؤلاء المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة، وكذالك تأثيرات وجودهم في بلدان اللجوء، سياسيا وثقافيا واجتماعيا، سلبا أو ايجابا، وفي مثل هذه القضية نحتاج لوجود صناع أفلام، أكثر توازناً في نظرتهم للأمور، وأكثر وعيا بدور السينما التوثيقية والهادفة والمخلصة لرسالتها الانسانية والفنية على وجه الخصوص، وان تكون السينما او باقي الفنون أكثر إدراكا لأن إنسانية اللاجئ أو غيرهم لم تعد تحتمل مزيدا من المتاجرة والمزايدات، ولذا على صانعي هذا النوع من الأفلام لا يمكن أن يتخذوا موقفا من جهة ما أو أن ينحازوا في أفلامهم لجهة دون أخرى.

وموضوع هذه الأفلام يجب أن يكون معاناة اللاجئ من قبل السلطات، او تسليط الضوء على موجات العداء والكراهية له، التي تقودها أحزاب اليمين المتطرف، وكذالك النظر الى واقع اللاجئ الانساني ومهما كانت انحيازاتهم أو مذاهبهم أو ايديولوجياتهم. ولذا فعلى السينما أن تنأى بنفسها عن كل تلك المزايدات أيا كان نوعها. لم يعد هناك أي مجال لأفلام مثقلة بالابتزاز العاطفي كما فعلت الأفلام الأولى، أو لأي استثمار للأزمة أو صقل لصورة أي جهة ما على حساب آلام ودموع ودماء اللاجئ بشكل عام والعربي بشكل خاص. ربما آن للسينما العالمية أن تمارس أحد أدوارها بمهنية عالية، وربما آن لها أن تناقش اليوم ما يحدث حقا للمهاجرين واللاجئين، ولمن استقبلهم ولمن يقمع إنسانيتهم أو ضدها، أو من لا يكترث لها بحيادية، بإنسانية، بمهنية عالية، وقد طرحت قضية اللجوء السورية نفسها بقوة في عالم السياسة والإغاثة والمجتمع المدني، لأن رواد عالم الفن وجدوا منها مادة دسمة لتجسيد إبداعهم من جهة، وربما لإيصال صوت اللاجئ السوري الذي أرهقته ظروف اللجوء القاسية من جهة أخرى، وبين الهدفين، أُنتجت أفلام عدة بعضها لمس سقف العالمية ودخل مضمار المهرجانات السينمائية الدولية، وأخرى لم تضع بصمتها في العالمية واكتفت بالبصمة "الإنسانية"، ومن هذا الافلام فيلم "الزائر"، وهو فيلم درامي أمريكي من إنتاج عام 2008، كتبه وأخرجه توماس ماكارثي، ومن من بطولة ريتشارد جاكينز، وهيام عباس، وهاز سليمان، (دانيا غوريرا).

فيلم (الزائر) الذي كتبه واخرجه ”توم مكارثي“، يتناول قضيّة المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدّة، فيروي قصّة بناء صداقة بين مهاجر غير شرعي سوري، وأستاذ اقتصاد أميركي يحاول بكلّ جهده منع السلطات من ترحيل صديقه، وهي دراما أخرى تعتمد على الشخصية وردود أفعالها. بحيث، تتقاطع حياة أستاذ الاقتصاد الأرمل مع حالات انسانية، حين يلامس حياة عدد من المهاجرين غير الشرعيين في مدينة نيويورك. هناك لحظات رائعة واخرى صادمة في هذا الفيلم ومنها، مشهد الظهور الأول  لزينب في الحمام ومواجهة رجل غريب وهو (والتر) في الشقة والذي شكل لها صدمة، ومن المشاهد الانسانية حين يأخد طارق الاستاذ والتر الى منطقة سنترال بارك والمشاركة مع زملاء طارق في الضرب على الطبل الافريقي. وهناك مشهد آخر حميمي، هو رحلة على متن مركب الى جزيرة ستاتن عندما تتحدث والدة طارق وزينب ووالتر عن تمثال الحرية وجزيرة إليس والبرجين، في مشهد مؤثر للغاية، يُظهر الأستاذ والتر مع صديقه في الجامعة وبفعل لاارادي وجد نفسه أنه يمارس التطبيل عن طريق الضرب على المنضدة. وهناك مشهد اعتبره هو رسالة الفيلم الاساسية وهو من المشاهد المهمة والصادمة والتي تبنى المخرج إيصال رسالته السياسية. وهذا المشهد الذي يحدث في إحدى زيارات والتر الى طارق في مركز الحجز، ينفجر طارق صارخا ومن خلال حاجز زجاجي مضاد للرصاص: “هذا ليس عدلاً. أنا لست مجرما. لم ارتكب أي جريمة او مخالفة. ماذا يعتقدون، أنا إرهابي؟ لماذا يتعاملون معي كإرهابي؟ لا يوجد إرهابيون هنا".

يرغب الكاتب والمخرج توماس مكارثي في خلق وتكوين صورة حقيقية وواقعية، عن المهاجرين الغير الشرعيين، لكنه هذا لا يزال لا يشكل سوى جزء بسيط من واقع اللاجئ العربي وتعامل السلطات الامريكية معه. الفيلم يبسط الأمور إلى حد ما. أي فنان ذكي سيرفض الصور النمطية الغبية والخبيثة للعرب على أنهم "إرهابيون". ويحاول تقديم الكائنات الحية التي تتنفس البشر. لكن صورة مكارثي للثقافة للمهاجرين والتنوع الثقافي في نيويورك صورة ايجابية إلى حد ما؛ حين يختلط الباعة العرب والأفارقة والإسرائيليين بسعادة في شوارع المدينة، وفي صورة أخرى، نشعر بصدمة والتر لاكتشاف أن هؤلاء الأشخاص الذين نما معرفته بهم وما شابههم لم يتمكنوا من "الانتماء" في أمريكا.

في فيلم ” الزائر” القضية الاساسية هي العنصرية وهي نوع آخر من العنصرية، ولا تشبه عنصرية البيض الاميركيين للسود الامريكيين بل الكره والحقد للأجانب الملونين ـ هنا امرأة سنغالية سوداء، زينب وطارق العربي الاسمر القادم من سوريا.

عرض الفيلم في مهرجان تورنتو وفي مهرجان سندانس ومهرجان موسكو حيث فاز بطل الفيلم ريتشارد جاكينز بجائزة أفضل ممثل، وبتاريخ 22 يناير 2009 أعلن عن ترشيحه لنيل جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن دوره في فيلم "الزائر".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي