رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 22 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

فوضى خلاقة ام هدامة؟

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

د. سلمان علي حسين الاعرجي

إن المشروع الاسرائيلي لتفتيت المنطقة العربية هو مشروع قديم، ولعل من أقدم الوثائق التي تتحدث رسميا عن تفكيك الوطن العربي ومنها العراق هي تلك التي عرفت باسم (وثيقة كارينجا) التي سربها الصحفي الهندي حول تفكيك المنطقة، والتي نشرها سنة 1957, وهي وثيقة مؤداها بالنص الحرفي تفتيت المنطقة العربية إلى دويلات مذهبية, وفي منتصف السبعينيات اعد مركز الأبحاث السياسية في وزارة الخارجية (الإسرائيلية) مشروعاً آخر لتقسيم البلدان العربية الرئيسة كالعراق ومصر وسوريا والسعودية والجزائر, واشرف على المشروع مدير مركز (ز.يونسنين), وقدم المشروع توصيات لتفتيت البلدان العربية منها.

 1ـ دعم الأقليات غير العربية ماديا, وعدم الاكتفاء بالدعم المعنوي.

 2ـ حث تلك الأقليات على الانفصال عن الدولة الام.

 3ـ الاستعانة ببعض الدول لتحقيق هذا الهدف. وهي اساليب استعمارية وظفتها الصهيونية العالمية خدمة لتنفيذ اهدافها, وهو ما ذهبت إليه ندوة عقدها مركز بار أيلان للأبحاث الإستراتيجية في أيار سنة 1992 والموسومة (الموقف (الإسرائيلي) من الجماعات الاثنية والطائفية في العالم العربي, هذا إلى جانب خطة (حزقيل درور) التي وضعها في الثمانينيات من القرن الماضي الموسومة (إستراتيجية إسرائيل الكبرى), التي أكد فيها على ضرورة إسقاط الأنظمة العربية, وتفتيت مجتمعاتها باستخدام كافة الأساليب بما فيها القوة العسكرية, وتدمير بناه التحتية, ودعم العلاقات مع دول الجوار العربي والتحالف معها, تم تبرير هذا التقسيم الجديد لحدود المنطقة ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد استنادا للحجج التي صاغتها الصهيونية العالمية والقائمة على الآتي:

 أـ لم تعد الحدود الموروثة عن الاستعمار البريطاني والفرنسي تفي بضمان مصالح الولايات المتحدة والصهيونية العالمية، وممارستها الوصاية على الممرات البحرية والبرية على نحو كامل، وبالتالي فإن الحدود الإقليمية الموروثة غير عادلة وأضرت بالعديد من الأقليات والطوائف.

 ب- كما ترى الصهيونية بان منطق الجغرافيا السياسية الحالية في الشرق الأوسط, قام لصالح طوائف ومذاهب كرست الاستبداد والاستحواذ على السلطة، ولذلك يجدر إعادة (التوازن) برسم خريطة جديدة تمكن أقليات وطوائف ومذاهب من إن تؤدي دور (التوازن), وهو ما شكل مدخلاً للتغلغل الصهيوني داخل الدولة العربية بهدف تمزيقها كما هو الحال في الدولة العربية في السودان.

 ج ـ  إن العديد من الأقليات والطوائف تتحمل وزر الحدود الحالية، وبالتالي يجب تغيير السياسة وفق منطق طائفي, يجعل في نظرها الحدود الجديدة أكثر ثباتا وأمنا واستقرارا, ويشير التقرير إلى كثير من الأمثلة مثل ما لحق بيوغسلافيا من تفتيت، وما جرى في القوقاز, إذ تطرح نفسها كحامي للأقليات داخل الأمة العربية في الوقت الذي تستخدم شتى أنواع القتل والتهجير ضد الفلسطينيين سكان الأرض الأصليين.

 ح- الحدود الحالية في الشرق الأوسط تخدم أنظمة أقلية تسيطر على الدولة وتستفرد بثرواتها على حساب الأقليات القومية والدينية والعرقية الأخرى, والقائمة على تقسيم البلدان العربية على أسس طائفية وعرقية وقومية, لتصل إلى أكثر من ثلاثين دولة, إذ سعت من خلال تسويق هذا التوجه لإثارة النزاعات القومية داخل الدولة العربية, والعمل على زعزعة نظمها السياسية سبيلا لتمزيقها على أسس قومية ومذهبية.

 خ ـ إجمالا سعت (إسرائيل) منذ نشأتها لتفتيت النظام الإقليمي العربي, حيث أشار (عوديد ينون) الذي شغل منصب مستشار رئيس الوزراء (الإسرائيلي) (ارئييل شارون) قائلاً: "تستهدف (إسرائيل) الأمة العربية في كيانها البشري السيوسولوجي, وليس فقط في أرضها وسيادتها, فهي تريد تفتيت أقطار هذه الأمة طائفياً ومذهبياَ إلى دويلات متناثرة فيما بينها".

 إن الدول التي دعا (عوديد ينون) إلى تقسيمها هي: ذات الدول التي شملها مشروع الشرق الأوسط الكبير, الذي يقول إن البلدان العربية بنيت مؤقتاً على بيت من الورق من قبل الدول الأجنبية (فرنسا_انكلترا) في العشرينيات من القرن الماضي, بينما طرح (برنارد لويس) سايكس بيكو الجديدة, وقوامها إعادة تقسيم المنطقة على أسس مذهبية طائفية متصارعة تكون الغلبة لـ(إسرائيل) فيها، كونها الدولة المستقرة الوحيدة ستكون بعد تنفيذ هذا المشروع, وهو ما أكده (رافئيل اتيان) رئيس الأركان (الإسرائيلي) الأسبق بقوله: إن "أي انقسام يقع بين دولتين عربيتين, يخفف.. ويسهل على (إسرائيل), وكلما كان الانقسام في العالم العربي أكثر عمقاً كان ذلك من مصلحة إسرائيل".

لقد شكلت الخرائط التي وضعها عوديد ينون ومن ثم برنارد لويس للبلدان العربية والقائمة على تمزيقها قومياً ودينياً... الخ, أداة للصهيونية العالمية من اجل تعميمها والعمل على تنفيذها عبر مشاريع (إسرائيلية) ـ أمريكية مشتركة، الغاية الحقيقية من ورائها حماية أمن (إسرائيل) وبقائها, والحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة, وهو أمر تعارضه الأوساط الاجتماعية والسياسية والثقافية العربية بشدة. هذا التفتيت يؤدي إلى هيمنة (إسرائيل) عبر تقسيم سوريا والعراق إلى سبع دويلات.

إن انتهاء الحرب العراقية الإيرانية, وما تلاها من أحداث, منها دخول العراق إلى الكويت, وما تمخض عن ذلك الدخول من وجود عسكري أمريكي مباشر في المنطقة, عزز الرأي الأمريكي (الإسرائيلي), القائم على ضرورة إعادة صياغة جغرافية المنطقة, وفقا للمصالح الصهيونية, وهو ما أكده (بريجنسكي) بقوله: إن "المشكلة الحقيقية التي ستواجه الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية, هي ضرورة وجود حرب أخرى على هامشها, لتصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو". كما ذهب (بيل كلنتون) الرئيس الأمريكي الأسبق في نهاية حكمه, إلى التوجه نفسه بقوله: ان "العرب ينتظرهم مستقبل مظلم قادم". وعلى الرغم من أن تلك المشاريع ليست محط أجماع غربي, إلا أن الرؤية (الإسرائيلية) الأمريكية لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة, إذ وفرت أحداث 11 أيلول 2001, الذريعة الملائمة للولايات المتحدة و(إسرائيل), من اجل تنفيذ مخططاتها للبلدان العربية, ومنها إعادة رسم حدودها, مستثمرة الحرب على الإرهاب سبيلاً لتنفيذ تلك المشاريع.

ولأجل ذلك بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ المخططات من العراق مستخدمةً القوة العسكرية, وهي الأداة التي يضغط اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة من اجل الاستمرار في استعمالها ضد البلدان العربية, لاسيما العراق, إلى جانب ما طرحته من مشاريع نشر الديمقراطية وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني...الخ؛ إذ تأتي التحولات السياسية في البلدان العربية لتفتح الباب من جديد, وان كانت بدعم أمريكي واضح, من اجل إعادة (إسرائيل) العمل بوصفة ينون. وكانت التجربة العراقية درسا يتم التلويح به, لأي رئيس لا ينصاع للإرادة الأمريكية (الإسرائيلية), فقد خير الرئيس الأمريكي بوش الابن الأنظمة العربية إثناء افتتاح مؤتمر الدول الصناعية الثمان في ايسلاند سنة 2004 بين التغيير الديمقراطي, أو التغيير وفقا للأنموذج العراقي.

لقد ركزت الولايات المتحدة على التغيير على الرغم من انصياع الحكام العرب لإرادتها, من اجل تنفيذ مشروعها للمنطقة العربية, بضغط إسرائيلي لا يشمل بلدان المواجهة فقط، إنما جميع البلدان العربية, وفي مقدمتها العراق سبيلا لتحقيق حلم (إسرائيل) الكبرى.

لاجله, لا بد من رص الصفوف الاجتماعية والتركيز على قيم المواطنة والوحدة الوطنية مع احترام المتبنيات الفكرية والعقدية المختلفة لمكونات الشعب العراقي، سبيلا ومنهجا في التعامل لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية لاسيما تحدي التجزئة والتقسيم الذي تسعى اسرائيل والولايات المتحدة الى فرضه بالقوة.

من خلال ما تقدم نوصي بمجموعة من المقترحات، نعدها السبيل الرئيس لمواجهة تحدي التقسيم المدعوم غربيا واسرائيليا, ومنها:

1ـ تركيز جهد الحكومة في تقوية الجبهة الداخلية من خلال تبني قيم المواطنة, وان العراق فوق كل الانتماءات الفرعية, التي لا شك انها محترمة. ياتي ذلك من خلال علو القانون على الاحزاب والاشخاص, وجعل المواطنين سواسية امام القانون.

2ـ التوزيع العادل للثروة بين فئات وطبقات المجتمع, واعتماد مبدأ الكفاءة والمهنية في توزيع الوظائف، من اجل تفويت الفرصة على الجهات والمنظمات التي تحاول زرع الفتنة بين مكونات المجتمع.

3ـ حماية حدود الدولة ومنع تسرب الارهابيين والمتطرفين الساعين الى تمزيق وحدة الصف الوطني، وتقسيم البلاد على اسس طائفية.

 4ـ العمل على بناء جهاز استخباراتي قوي، يوفر المعلومة والقدرة على التعامل معها, سبيلا لمنع الاعتداءات الارهابية قبل وقوعها.

5ـ التركيز على العدو الحقيقي والعمل على فضح اساليبه التمزيقية, والابتعاد عن الامور الجانبية التي تقدم دعما للعدو, وتحقق له اهدافه, ومنها اجراءات التهميش والاجتثاث التي توفر الارضية الخصبة لنشاط المنظمات الارهابية.

6ـ دعم العمل العربي المشترك لمواجهة المخططات الاسرائيلية والامريكية الرامية لتقسيم المنطقة العربية, من خلال تفعيل مبادرة الدفاع العربي المشترك, او تأسيس جبهة عربية لمواجهة الارهاب, والمخططات الغربية والاسرائيلية التفتيتية للعراق والامة العربية.

7ـ دعم الفعاليات الشعبية والجماهيرية الرامية الى تعزيز الوحدة الوطنية, وتوفير غطاء قانوني لعملها, سواء من قبل الحكومة او البرلمان.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي