رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 22 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

التنمية والحرب: تداعيات التواجد العسكري الأمريكي في العراق

الخميس - 23 ايار( مايو ) 2019

علي الشرع

من الأمور البديهة هو ان التنمية تحتاج الى السلم؛ سلم داخلي وسلم مع دول الجوار، والا لن يحدث اعمار وبناء في ظل الخوف وعدم الاستقرار. ففي ظل الحرب والتهديد الامني يُتوقع ان تهرب أموال أبناء البلد الى الخارج فضلاً عن امتناع الاستثمار الأجنبي عن القدوم اليه. والعراق هو اكثر بلد شهد حروباً طاحنة وفي فترات زمنية متقاربة كان سببها السياسة الهوجاء لرأس النظام البائد حيث عانى العراق من حرب الشمال وحرب ايران وحرب الكويت واحتلال أمريكا للعراق، وفي هذه الحروب اهدرت أموال طائلة على حروب الطاغية العبثية التي لم تخلّف للعراق سوى دمار الاقتصاد فضلاً عن المآسي الإنسانية. ومن ثم تلت هذه الحروب القتال مع داعش التي نتجت ايضا بسب تداخل عوامل عدة منها سوء إدارة الحكومة للملف الأمني والاقتصادي، فالتوترات بين القوات الأمنية والمواطنين في المناطق الغربية -التي كانت تغذيها خطط أمريكية ودعاية خليجية حول ظلم اهل السنة من قبل الحكومة الشيعية- و ما رافقه من الفساد المالي الذي سحق كل إيرادات النفط وحولها الى هباء، كل ذلك صيّر بلادنا بلاقع.

وكانت حرب داعش مختلفة عن غيرها من الحروب حيث جلبت لنا القوات الامريكية بعنوان جديد- وبشكل دائم كما يبدو -  بعد ان خرجت من البلد في عام 2011 منهية احتلالها للبلد الذي بلا شك كان له فضيلة واحدة ووحيدة وهي إزاحة كابوس نظام طاغ باغ عن صدورنا ولكنه انتج لنا مخلوقاً جديداً كان نائما ويسير في الظل ليخرج الى العلن اسمه الطائفية بحيث اصبح له كيانا مؤثراً لا تسير الأمور في إدارة البلد من دونه من جميع النواحي السياسية والاقتصادية. وهذه الطائفية أصبحت عاملا جديدا للتوتر الطارد للاستثمارات لاعتقاد المستثمر الأجنبي ان العراق بلد غير مستقر امنيا وسياسيا بسبب عدم وجود تفاهمات نهائية بين ابناءه.

والعنوان الجديد لتواجد القوات العسكرية الامريكية وهو محاربة المتطرفين في العراق يولد شعورا سلبيا لا إيجابيا ليس فقط لدى المواطن العادي بل لدى المستثمر الأجنبي كونه سينظر للبلد على انه غير مستقر على عكس ما قد يتخيل من كون وجود هذه القوات في العراق سيعزز فرص الامن فيه وسيعطي إشارات إيجابية للمستثمرين انه العراق هو ببيئة صالحة للاستثمار بضمانات وحماية امريكية. بل العكس هو الصحيح حيث ان وجود القوات الامريكية في العراق هو عامل طرد لا جذب للاستثمارات والشركات الأجنبية؛ لأن هذه القوات تستخدم ضمناً ان لم يكن بصراحة لتهديد أعداء أمريكا انطلاقا من العراق كما انها توحي للمستثمر الاجنبي ان هذا البلد غير مستقر حيث انه سيكون عرضة للحرب في اية لحظة تعتقد الإدارة الامريكية ان مصالحا مهددة في العراق كما يحدث الان في التوتر مع ايران الذي ستتخذه الحكومة العراقية حبل نجاة لها من غضب الناس على عدم وفاءها بوعودها بتوفير القدر المناسب من الطاقة الكهربائية في الصيف اللاهب القادم حيث ستدعي الحكومة ان التوتر بين ايران وامريكا قد اجّل خطط الشركة الأجنبية في البدء في عملية توليد طاقة كهربائية اضافية. واذا بقى هذا التوتر عاما او أعواما وقد حصل ذلك سابقاً فليتوقع العراقيون ان لا شيء سيحدث في ملف الكهرباء. نعم، ستستفاد الحكومة من ارتفاع عائدات النفط التي تنتج عن هذه التوترات لكن في هذه الحالة سوف نستبعد قدوم المستثمر الاجنبي للبلد ما لم توفر الحكومة ضمانات كاملة لأموالهم في حال حدوث أي امر طارئ، وما المانع ان توفر الحكومة هذه الضمانات لهم حتى لا تضيع هذه الفرصة الأخيرة للشروع في التنمية.

ووجود هذه القوات في العراق لا يشبه من ناحية الاثر والتأثير لنظيره في بعض الدول الغربية فضلا عن العربية التي تتخذ فيها القوات الامريكية قواعداً عسكرية لها كقطر والبحرين؛ لأن هذه الأقطار لا تمر ولم تمر بظروف حروب طاحنة او خرجت من حروب او لا زالت تحت ظل الحرب ومن الممكن ان تكون معرضة للحرب في أي لحظة مثل العراق. ناهيك عن كون العراق يمر يعيش في ظل قنبلة موقوتة اسمها الطائفية التي تستغلها اطراف في المنطقة لتأجيج الأوضاع الأمنية ونشر الخوف والمخاوف لدى أصحاب الأموال الأجانب حتى وان كانت هناك فرص هائلة للربح والاستثمار في العراق، والدليل هو سحب موظفي شركة النفط الامريكية من العراق الى الامارات مع العلم انه اذا حدثت الحرب فلن تكون دبي بمنأى عن الصراع بل ستكون في لجته اكثر من العراق، لكن هذه الشركة ترى ان دبي آمنة والعراق ليس آمناً. والذريعة موجودة هو ان هناك فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران هي سبب مخاوف هذه الشركة وغيرها، وعلى فرض صحة هذا الادعاء فأن هذه الفصائل تبقى عراقية ومن غير الممكن التصور ان تحرق رزقها ورزق أبناء البلد بيديها، ومن المستحيل تصور ان تتعرض الحقول النفطية والشركات النفطية الاجنبية الى اعتداء ويبقى بقية العراقيين يتفرجون بل سيكون اول من يقاتل هذه الفصائل هم الناس أنفسهم.

وقد تقول ان تواجد قوات إيرانية بأي صفة كانت سيكون له نفس التداعيات على افاق الاستثمار في العراق، والجواب هو نعم، اذا كانت هذه القوات تقوم بتهديد دول الجوار ايضاً. وحتى نخرج من دائرة القلق لا بد ان تغادر العراق جميع القوات الاجنبية بما فيها القوات التركية وحزب العمال الكردستاني. واذا لم تساعدنا أمريكا في البدء في التنمية الحقيقية وانها تستخدم العراق مطية فقط من اجل صالحها ولتمرير مصالحها فلتغادرنا اذاً؛ لأن كلفتها عالية على المجتمع متمثلة بضياع فرص التنمية الذي يخلق لنا توترات داخلية دائمة بين أبناء البلد الواحد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي