رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 20 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2257

ثلاث مشاهد لروح واحدة!

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

آية منصور

في الايام الاولى للحرب، اختفى وبصورة سحرية، الجيران من الحي! حتى بدا تدريجاً كمنزل كبير، تقطنه الاشباح فقط، اذ نخرج نحن المتبقين صباحاً، لشكر الرب على سلامتنا ولنطمئن على بعضنا البعض قبل العودة للاختباء برضوخ للغارة!. كنا وصديقتي سارة - والتي اجزم انها ستتذكر هذا الموقف - نقف عند الرصيف، نتفحص الأرض. ننظر للزجاج الذي يفترشها مثل بساط -او هذا ما كنت اظنه-  فدعتني للاقتراب عند حافة الرصيف، فوجدت زجاجة تسير فوقها نملة

سألتها، عن هذه النملة؟

-لا، انتبهي، هنا نبتة، بدأت النمو،  مددت يدي مسرعة، حتى جٌرحت، فطلبت بعصبية بالغة منها ان تدلني على هذه النبتة لأني حقا لا اراها، لا ارى سوى الزجاج والحصى واثار اصابعنا على النعلين المغبرين. ولم اجدها، فما كان لها سوى ان ترفع كتفيها لي غير آبهة بعدم انتباهي! 

.......

توجهت يوما لسيدة تجلس على الرصيف لتبيع اللبن، وفقط عند اقتراب خطواتي المتقدمة لها وقبل ان اصل لها، وقبل ان اوجه اي سؤال او اقوم بطلب شيئا ما، قالت وبصورة عفوية

- شتريد الصغيرونة الحلوة؟!

وقتها، كانت الكتب التي احمل، من بطني حتى رقبتي، قد خلقت وبصورة لا ارادية، طالبة في المرحلة المتوسطة، متمللة ولا تنتبه لشيء سوى كيفية دراسة كل هذا الوزن!، لكن صوتها جعلني اتفحص ملامحها، لأكتشف انها ضريرة! فطلبت مسرعة اذا ما كانت تملك كيس لدس الكتب التي كانت ومع كل لحظة تمر، تؤرق يدي وتتعبها، فأجابتني،

- اي حبوبة، يمّه ناوش اخيتك علاگة

وباللحظة ذاتها، ابتسمت لي، لكنّ الابتسامة كانت بوجه الهواء. خرج ابنها، ناولني، محتويا الكيس بذراعيه، اذ كان يعاني من بتر لمرفق يده، وشللا واضح المعالم في الأخرى. لدرجة أني كنت سأطلب منه وبفضولي المعتاد، ان يشرح لي كيفية وضع قطعة القماش على يده المشلولة، التي وقعت حال تسليمه الكيس لي. ليخبرني، انه يعمل في تنظيف السيارات!.

لم استطع لحظتها، ان ارمي بثانية اخرى معهما، رحت اسير وبقوة اضغط على الأرض كعقاب لها، فيما سماعة واحدة في اذني، تحمل بعض الاغاني السريعة والسعيدة، كانت عيني بقافلة من الدموع تجري! وكأنها في صحراء، حتى أنيّ وفي سريّ كنت اسأل بعتب، -مع ضجيج الشارع واصوات "الهورنات" القادمة من اصحاب سيارات الاجرة لأذني الاخرى.

لم هذا العمى؟ وكيف بترت يده؟! وكيف لهما القدرة على الابتسامة هكذا؟! كييييف! لو كنت مكانهما سأنتحر، سأنتحر لا محالة! كنت في سري اصرخ. فيما يكمل الشارع يومه دون ان يجيبني.

......

قبل عدة ايام، او عدة اسابيع، لا اتذكر تحديدا، شاهدت وانا اسير في زاوية ضيقة لأحد الشوارع، ضوء براق يناديني، لم افكر يومها انها قد تكون رصاصة! او عبوة حتى، او سيارة مففخة! نعم. بهذا الحجم، اقتربت واقتربت، فكان اللون الذهبي يعود لمشبك، يختبئ بين عدة نبتات صغيرة، بدأت بالنمو تواً. حاولت نفضها، لأظهر اخضرارها. ويا للمصادفة أني لم لمح زجاجة، او أنها كنت موجودة فعلا ولم انتبه؟! لا اعلم. وقفت يومها فيما اكمل مسيري، انظر لابتسامة صاحب البالونات، ولبالوناته، وللقطط - وان كانت عرجاء بفعل مشاكسات السيارات او الأطفال -، او لسيارة قادمة بأصوات لأغاني شعبية. ولأي شيء آخر، قد يدل على وجود نبض، نبض لحياة وحسب!

ولو عاد الوقت بقدميه نحو الماضي، كنت سأشاهد النبتة وهي تنمو مع صديقتي وكما يقول درويش "بين مفاصل صخرة".. وسأشكر بائعة اللبن الضريرة لتخمينها الممتاز بكوني "صغيرونة وحلوة" دون ان تراني!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي