رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

تصريحات اللجنة المالية النيابية مضرة بالاقتصاد

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019

علي الشرع
التصريح الرسمي والاشاعة لهما نفس الأثر إيجاباً وسلباً على الاقتصاد العراقي الهش خاصة تلك المتعلقة بالدولار والحصة التموينية. ومعظمنا يتذكر ما كان يحصل في شارع الكفاح في عهد النظام المباد حيث كان المتعاملون بالدولار يعانون من حرب الاشاعات هذه، وتسبب لغطاً واحباطاً واسعا ًبينهم حينما ينقل أحدهم خبراً كاذباً عن صعود الدولار حيث ان من باع سيكون خاسراً، ومن عقد صفقة شراء سابقة سيكون رابحاً، وبسبب الاخبار الكاذبة تشتد حمى المضاربة بين المتعاملين. اليوم صرنا نعاني من نفس الوضع ولكن هذه المرة من خلال تصريحات رسمية تقودها اللجنة المالية النيابية السابقة منها والحالية. واخرها تصريحهم انهم سيقيّدون مبيعات مزاد العملة الاجنبية في البنك المركزي الى 100 مليون دولار، وكأنهم لم يتعلموا من تجربة احمد الجلبي رئيس اللجنة المالية البرلمانية السابق الذي أصرّ على تخفيض مبيعات المزاد من الدولار الى 75 مليون دولار، ولم يمهل تنفيذ هذا القرار السوق ليبلع ريقه ويتنفس حتى هبط سعر صرف الدينار مقابل الدولار حتى وصل الى 1400 دينار لكل دولار، وبالكاد تمكّن البنك المركزي من استعادة وضع سعر الصرف الى مستوى مرتفع حتى اخذ وقتاً طويلاً ليستقر عند سعر قريب من سعر المزاد. وتصريحات من هذا النوع سوف تجعل المضاربين بل المواطنين ايضا يتهيؤون من الان للاحتفاظ بالدولار، وستفضي هذه العملية الى انخفاض في سعر صرف الدينار اذا أُخذت هذه التصريحات على محمل الجد وادت الى زيادة ملموسة في الطلب على الدولار.
واندفاع الناس للتحوط او الاستفادة من تقلبات الدولار لجني الارباح يقع في دائرة تشكيل التوقعات لدى الافراد التي وُجهت لها مزيد من الاهتمام في النظرية الاقتصادية في العقود الاخيرة؛ لأنه اذا تمكنا من ان نشكّل توقعات الافراد بالاتجاه المخطط له ستزاد قدرتنا على التنبؤ بسير تطور المتغيرات الاقتصادية مما يتيح لصانع القرار قدرة اكبر في التحكم بسير ومسيرة الاقتصاد والسيطرة على ظاهرة التقلبات التي تضرب الاقتصاد بين الحين والاخر. ولكن عندنا في العراق، كل ذي منصب يصرح على هواه غير آبه الى حقيقة ان تصريحات غير مدروسة من هذا النوع ممكن ان تؤول الى تدمير التوقعات بدلاً من بنائها، وستلقي بظلالها على تعميق حالة التوجس وعدم اليقين الذي يعيشه اللاعبين في السوق داخل بيئة اقتصادية لم تتعافى بعد، مما يشجع رؤوس الاموال للهرب الى تركيا لتستثمر في الاقتصاد التركي، اذ ليس كل الاموال الهاربة من العراق هي اموال غير شرعية تجمعت من الفساد.
ولا يحتاج احد الى دراية بالنظرية الاقتصادية لفهم حركة الاسعار في السوق وكيف تتحدد ولكن اعضاء اللجنة المالية النيابية يجهلون ذلك كما يبدو، او ان لديهم مصالح خفية من وراء هذه التصريحات. فالنظرية الاقتصادية تشير الى ان السعر يعبر عن الندرة مع افتراض عدم وجود احتكار او مضاربة. فاذا انخفضت كمية السلعة المباعة فسيرتفع سعرها. والدولار يخضع لنفس هذا القانون، فاذا كان عرض الدولار يتقلص فأن سعره سوف يزداد اذا كان الطلب اكبر من العرض. واذا استقر سعر صرف الدينار ضمن حدود قريبة من سعر المزاد فهذا يعني انه يعكس فعلاً الطلب الفعلي على الدولار في السوق، فلماذا التقليص اذاً؟ وهنا لابد لنا من الارتياب باحتمال وجود تواطئ بين عاملين في البنك المركزي وبين اللجنة المالية، لأنه لم يصرح اي مسؤول فيه لحد الان ويبين خطأ تكرار ما حدث سابقا، لا سيما، ان التواطؤ هذا يمكن ان نجد له سنداً حيث ان لأعضاء البنك المركزي واللجنة المالية امكانية الولوج الى المزاد والحصول على مكاسب منه، والا ليثبتوا لنا عكس ذلك. بل الاسوأ من هذا انه حتى حكومة عادل عبد المهدي النائمة لم تتصدى وتبدي رأيا حول هذا الموضوع وربما ذلك يرجع الى ان الحكومة الحالية ورثت المستشارين الاقتصاديين السابقين من حكومة العبادي ومواقفهم معروفة للجميع من قضايا الاقتصاد فهم يشجعون رفع الضريبة الجمركية وتعويم الدولار... الخ.
وكان يمكن للجنة المالية ان تسعى الى التقليل من التلاعب بالمزاد من خلال التحكم بتوزيع الدولار على المشاركين فيه عبر زيادة عددهم من اجل تقليل حصة كل واحد منهم من العملة المباعة لا ان تقنن المباع من الدولار؛ لأنه كما قلنا قبل قليل انه من المفترض ان تعكس مبيعات المزاد حجم الطلب الفعلي في السوق. والمشكلة ان الجميع يطمع بالحصول على الدولار، وكل هذه المطامع في الدولار اتانا من وجود فرق بين سعرين في السوق: سعر المزاد وسعر الصيرفات. وكان من المفروض ان يوجد لدينا سعر موحد للجميع مع اضافة هامش ربح بسيط لا ان سعر بيع الدولار في دكاكين الصيرفة يكون هو المهيمن والسائد. ولكن ما يحدث في السوق المحلي هو ان سعر البورصة يحلّق صعوداً لا نزولاً وبعيداً تماماً عن سعر المزاد، ويمتاز بالتذبذب بشكل كبير مقارنة بسعر المزاد الثابت الامر الذي يعزز من اندفاع الجميع حتى المواطن غير المشتغل في المضاربة بالدولار بالطلب عليه. واجراء تقييد المبيعات من الدولار في المزاد لا يحمي ثروة البلد من الاستنزاف كما يتصور بجهل اللجنة المالية النيابية، واذا كانوا يريدون مزيد من الشفافية في مبيعات المزاد فليلجؤوا الى طرق اخرى قانونية وادارية من قبيل التحقق من تخصيص المبيعات نحو الاستخدامات المفيدة للتنمية الاقتصادية. وان تترك مجالاً لعمل ادوات السياسة النقدية في السيطرة على تدفقات الدولار لا الاجراءات الادارية التي تؤثر سلبا على فقدان ثقة الجميع بصانع القرار ومؤسسات الحكومة الراعية للاقتصاد كونها تتبدل من وقت لأخر مما تثير القلق من عدم التزام الحكومة بتعهداتها الذي هو ضروري في خلق اجواء الثقة المطلوبة بين ادارة الدولة والمشاركين في السوق اذا كنا جادين في تنمية الاقتصاد.
واذا كان تخفيض المبيعات في المزاد قبل سنوات قريبة الى  75 مليون دولار يوميا ادى الى ارتفاع سعر الصرف الى 1400 دينار لكل دولار وكان من المتوقع ان يصل الى 1500 دينار للدولار الواحد لولا تدخل البنك المركزي.  ولو فرضنا انه فعلا وصل الى ذلك الرقم ولم ينخفض اكثر (هذا غير معلوم طبعا فقد ينزلق الى انخفاض اكبر من هذا) فهذا يعني ان تخفيض مبيعات المزاد من الدولار بين 125 الى 150 مليون دولار ادى الى فقدان سعر صرف الدينار ربع قيمته. فلو تم تخفيض البيع الى 100 مليون دينار فقد يهوي سعر الصرف الى 12.5% من قيمته فيتذبذب حول 1350 دينار. هذا بناء على افتراض توقف انهيار سعر صرف الدينار قبل تدخل البنك المركزي في ذلك الوقت عند 1500 دينار لكل دولار، ولو ان البنك المركزي لم يتدخل فقد ينخفض الى مستوى اكبر، لأن متوسط الطلب الشهري على الدولار يصل الى اكثر من اربع مليارات دولار بمتوسط يومي قدره 200 مليون دولار، فاذا تم تخفيض المتوسط اليومي والشهري الى النصف فلابد ان ينخفض سعر صرف الدينار بمقدار النصف اي انه سيصل الى 1700 دينار للدولار وليس 1500 دينار (على فرض ان سعر 1200 دينار لكل دولار هو بمثابة نقطة المقارنة).
فعلى اللجنة المالية النيابية الكفّ عن التصريحات غير المنضبطة التي تثير قلق الشارع وتنهك الاقتصاد، والا فهم متهمون ان لديهم مصالح من وراء ارباك السوق حتى يستعيدوا اموالهم التي انفقوها في سبيل الحصول على مقعد في البرلمان، كما لم يتبين لنا من هم المسؤولين في الدولة الذي كسبوا بسبب تخفيض المبيعات في مزاد العملة الى 75 مليون دينار من قبل، بل لم يحقق فيه احد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي