رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

"العالم" تستطلع آراء 20 ناقدا عن أفضل أفلام العام 2018

الخميس - 17 كانون الثاني ( يناير ) 2019

فراس الشاروط
مع نهاية كل عام تجري الصحف والمجلات العالمية قراءاتها واستفتاءاتها عن افضل افلام العام، قد تبدو مثل هذه الاستفتاءات غير متعارف عليها في صحفنا العربية ولكن قدر الامكان نحاول الالتحاق بركب العالم ، علنا ننشئ يوما ما منظومتنا الصحافية المنظمة .
جريدة "العالم" حاولت استقراء افضل فيلم لعام (2018) من خلال نقاد السينما العربية، فأرسلت سؤالها الى ما يقارب من (25) ناقدا سينمائيا عربيا، استجاب للسؤال ورد (20) ناقدا. 
هنا اختيارات النقاد عن فيلمهم المفضل :
1-علاء المفرجي / العراق / فيلم باتيرنو 
2- علا الشيخ / فلسطين / الحرب الباردة 
3-محمد عاطف / مصر / الحرب الباردة 
4-هوفيك حبشيان / لبنان / الحرب الباردة 
5-علي وجيه / سوريا / الحرب الباردة 
6-علي الياسري / العراق / الحرب الباردة 
7-قيس قاسم / السويد / الحرب الباردة 
8- مجدي الطيب / مصر / سارقو المتاجر 
9-عبد الكريم قادري / الجزائر / سارقو المتاجر
10-فيصل جيباني / الجزائر/ سارقو المتاجر 
11-كاظم مرشد السلوم / العراق / سارقو المتاجر 
12-أحمد شوقي / مصر / الكتاب الاخضر 
13-مهدي عباس / العراق / ثلاثة وجوه 
14- محمود عبد الشكور / مصر / بوابة الابدية 
15-نبيل حاجي / الجزائر / روما 
16-فيصل عبد الله / لندن / الطيور العابرة 
17-فريد رمضان / البحرين / الطيور العابرة 
18-حسن حداد / البحرين / الطيور العابرة 
19-محمد جمال الروح / مصر / ليلة الاثني عشر عاما
20-أمير العمري / مصر / ابدا لن يشيخو 
سارقو المتاجر.. ما يربط بيننا هو القلب 
فيلم (سارقو المتاجر)، للياباني هيروكازو كوريدا ، فيلما إنسانيا عذبا،رقيقا ،  نقع في حب أبطاله بقدر ما تنسحق قلوبنا لهم ومعهم. الفيلم يجعلنا نتساءل عما يجمع أواصر الأسرة: هل مايجمعنا باسرنا صلات الدم فقط؟ من هم الأهل حقا؟ هل الأبوة والأمومة صلات بيولوجية فقط؟ وصلات دم فقط؟ أم أن الأم والأب هما من يمداننا  بالحنان والرعاية والحب؟ 
(سارقو المتاجر) فيلم عن الأسرة، عما يجمع الغرباء وما يقرب بينهم، عن البشر وما يجمعهم وما يفرقهم. كوريدا، الذي يُنظر إليه على أنه يسير على درب شيخ المخرجين اليابانيين ياسيجيرو أوزو، بإنسانيته الكبيرة، عن البكائية أو استغلال المشاعر، ولكننا نبكي من فرط صدقه وتأثيره فينا. هو فيلم يجعلنا نتساءل عن الصلات بيننا وبين أسرتنا وبين من نعدهم حقا أقرب المقربين إلينا. 
أوسامو شيباتا (ليلي فرانكي) رجل نحيل ذو قسمات طيبة، نراه في بداية الفيلم في متجر للمواد الغذائية والمنزلية بصحبة الصغير شوتا (جايو كايري). يبدوان لنا كأب وابنه في جولة للتسوق، ولكننا نلحظ أن شوتا الصغير يتحين الفرص لوضع بعض الأغراض في حقيبته بدون دفع ثمنها. يتضح لنا أن أوسامو هو رب أسرة كبيرة تعتاش على هذه السرقات الصغيرة، وتجد قوت يومها منها. في ليلة باردة بعد جولة لسرقة بعض الحوائج المنزلية، يجد أوسامو طفلة صغيرة في نحو الخامسة، تبدو خائفة، وترتعد بردا وجوعا وتختبئ من الأنواء (مييو ساسامي في دور انساني مرهف)، فيقرر اصطحابها لبيته حتى تحظى ببعض الدفء والطعام. 
تبدو لنا أسرة أوسامو مكونة من أب وأم وابنة في سن الصبا وابن يصغرها سنا وجدة، هكذا تبدو لنا الصلات بين الأفراد، رغم عدم تيقننا من صلات الدم بينهم، ولكن ما نستشعره حقا هو دفء المنزل ودفء الصلات بين أفراده. رغم الثلوج التي نراها في الخارج، نرى البيت الصغير للغاية المكتظ بالأشياء والأشخاص يعمه الدفء والضحك، ويتشارك فيه الجميع الطعام مع الوافدة الصغيرة، التي يتضح ان اسمها جوري، ويتولونها بالرعاية. تبدو جوري وجلة خائفة، تخشى العقاب، وتواري ندوبا في يديها وجسدها النحيل، ورغم عزوفها عن الحديث عما دعاها للفرار من بيتها، ندرك أنها كانت تتعرض للعنف والتعنيف من أبويها. تجد جور في هذا المنزل الصغير الفقير الكثير من الحنان والعطف والاهتمام. تجد أما حنونا وأبا طيبا وشقيقة كبرى تعتني بها.
ورغم أن أهل المنزل يعتاشون مما نراه عمل يخرج عن إطار القانون، إلا أنهم متحابون متعاونون طيبون مع الصغيرة التي جاءت فأصبحت واحدة منهم. نجد أنفسنا نتساءل عن عدالة المجتمع الذي يضطر أسرة فقيرة للعيش على السرقات الصغيرة، حتى تتمكن من إيجاد قوت يومها. ونجد أيضا أنفسنا نتساءل عمن أحق بأبوة جوري الصغيرة: هل أبواها البيولوجيان أحق بها، رغم أنهما يسومانها العذاب؟ أم تلك الأسرة التي ينظر إليها القانون على أنها اختطفتها. «سارقو المتاجر» فيلم لا يمنحنا المعلومات سريعا دفعة، ولا يفي بتوقعاتنا اللحظية، ولكنه يتطلب منا الملاحظة والتأني. ترى ما هي الصلة الحقيقية بين أفراد هذا المنزل؟ لماذا لا ينادي شوتا الصبي أوسامو بأبي؟ ولماذا يبدو نائيا نوعا في التعامل معه؟ لماذا لا يذهب شوتا إلى المدرسة كباقي أقرانه في العمر؟ ولِمَ يتلق تعليمه في المنزل؟ العلاقات بين البشر تكمن في الالتفاتات الصغيرة، في النظرات الحانية، النظرات المعنفة، في لمسة يد تدل على الحنان، في دمعة تسقط سرا يتوارى الحزن فيها. وهذه الالتفاتات الصغيرة هي ما يشكل عالم (سارقو المتاجر)
يقول أوسامو إنه وزوجته «يربــط بينهما القلب»، وهذا ما يمكن قوله عن الفيلم بأســـره، فهو فيلم يربط القلب بين أوصاله ويمــــده بالحياة، فيلم يعتمد على التفاصيل الصغيرة والالتفاتات التي ترســم لنا أجواء هذه الأسرة الصغيرة. كيف لنا أن ننسى وجه جوري عندما ترى البحر لأول مرة، وكيف لنا أن ننسى وجهها الذي يضيء عندما تصحبها زوجة أوسامو لـ«شراء» ملابس.
حرب باردة.. عن معنى الحياة، وعن الحياة بلا معنى
قصة حب عاطفية بين مؤلف موسيقي ومغنية، يجتمعان ليفترقا، ثم يدفعهما الحب لمعاودة اللقاء، وتتكرر الكرة على مدار ما يزيد على عشر سنوات، من نهايات الأربعينيات إلى بدايات الستينيات، وإبان تصاعد الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. يتداول العاشقان اللقاءات ما بين وارسو، وموسكو، وباريس، كل ذلك على خلفية موسيقى الفولكلور التي ﻻ تكاد تبارح شريط الصوت طوال الفيلم، من الألحان التقليدية لسكان الجبال، إلى ترانيم العهد السوفيتي، ومن الأغاني الريفية، إلى القطع الكلاسيكية.
«حرب باردة Cold War» هو أحدث أفلام المخرج البولندي «بافل بافليكوفسكي»، بعد عمله الأبرز والأهم «Ida»، الحائز على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية لعام 2015، فضلًا عن عشرات الجوائز المرموقة الأخرى. والفيلم قد رشح للسعفة الذهبية، كما فاز بجائزة الإخراج من مهرجان كان.
يمتلك بافليكوفسكي أسلوبًا سينمائيًا خاصًا بدأت ملامحه تتضح مع فيلم Ida، وترسخت بشكل كبير في(حرب باردة)
يمكننا أن نتلمس عددًا من القواسم المشتركة التي تجمع بين فيلمي حرب باردة، وآيدا ، على مستوى التكوين البصري، منها استخدام الشكل التقليدي للنسبة الباعية Aspect Ratio، وتبلغ 4:3 والتي تكون فيها أبعاد الصورة أقرب إلى الشكل المربع، وأضيق من أبعاد «سينما سكوب» الأكثر انتشارًا في الوقت الحالي. وكذلك الاستغناء عن الألوان ليخرج الفيلم في شكل تقليدي أيضًا باللونين الأبيض والأسود.
يمكننا أن نرى أن هناك ميلًا واضحًا لتقديم صورة ذات طراز قديم تنتمي إلى منتصف القرن العشرين، وهو زمن الأحداث في الفيلمين، سواء من خلال النسبة الباعية والتي يطلق عليها «نسبة الأكاديمية» -في إشارة إلى أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة المانحة لجائزة الأوسكار- وهي النسبة التي شاع استخدامها فيما بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشرين، أو من خلال التصوير بالألوان التقليدية (الأبيض والأسود) والحفاظ على درجات التباين الشديدة من خلال التوظيف الفني للإضاءة والظلال. غير أن الأمر ﻻ يتوقف عند فكرة المحاكاة البسيطة لطراز قديم ينتمي إلى السياق الزمني للفيلم، بل يتجاوزه إلى التوظيف الفني والتعبيري للتكوين البصري.في فيلم آيدا  تخرج «آنا» من عالمها الصغير في الدير المعزول إلى العالم الأوسع الذي ﻻ تعرفه، فتحاصرها حيرتها الوجودية، وأسئلتها عن ذاتها، وعن أهلها، وعن الإله وعن مآلات الحياة. أما في حرب باردة ينجح فيكتور في مشروعه لإعادة إحياء التراث الشعبي، وتجمعه علاقة عاطفية سرية بزولا، تلك العلاقة التي ﻻ تجد حريتها إلا في المناطق النائية وسط الطبيعة، غير أنه يجد نفسه محاصرًا بالسياق السياسي الذي تعيشه بولندا في ظل الحرب الباردة، ليتم إبعاده عن مشروعه، وتنقطع السبل بينه وبين زولا.
 أبطال الفيلمين محاصرون داخليًا وخارجيًا، ولهذا كان اختيار بافليكوفسكي لأبعاد 4:3 التي تبدو معها الشخصيات حبيسة ذلك الصندوق/الكادر الضيق.في حرب باردة يواصل بافليكوفسكي تعاونه مع مدير التصوير البولندي «لوكاسز زال»، الذي يحقق الفيلم بالألوان التقليدية (الأبيض والأسود)، وكما أشرنا أن الأمر لم يقتصر على محاكاة السياق الزمني، إذ برع «زال» في توظيف الإضاءة واستغلال التباين والظلال بشكل فني يؤكد على محورية قصة الحب بين فيكتور وزولا. بافليكوفسكي هنا ﻻ يسعى إلى تقديم حالة من النوستاليجيا وإضفاء الطابع الرومانسي على زمن أقدم، ولكنه بالأحرى يقدم قصة حب في سياق تاريخي محدد ﻻ يعدو كونه خلفية بورتريه فني جميل.«المجال Field»، هو الحيز الذي تحده العدسة، وهو ما تتم رؤيته على الشاشة، و«عمق المجال Depth of Field» هو المنطقة التي تقع بين الأشياء المعروضة الأكثر قربًا والأكثر بعدًا. أما كل ما هو خارج المعروض على الشاشة في الامتداد الطبيعي للمجال فيطلق عليه «خارج المجال».عند بافليكوفسكي يتعاظم دور «خارج المجال» في عملية التلقي، إذ إنه يجبر المشاهد على استكمال الصورة واستحضار ما غاب منها عن الشاشة. في أحد المشاهد يستلقي فيكتور على السرير، يملأ الضوء صفحة وجهه من مصباح جانبي ﻻ يراه المشاهد (خارج المجال)، يمد يده إلى المصباح، ويُسمع صوت مفتاح كهربائي يجرى إغلاقه، فينطفئ الضوء.
في أحد مشاهد فيلم آيدا، تجلس «الخالة واندا» في حانة، تشير إلى النادل أن يأتيها بكأس جديدة، وتشير إلى الخلف وتقول: «وكأس أخرى لهذا الرجل». ﻻ يرى المُشاهد الرجل المقصود، فهو خارج المجال، لكنه يستطيع أن يستكمل الصورة بخياله.
يميل بافليكوفسكي إلى الاقتصاد واستخدام الحد الأدنى من أدواته التعبيرية، أو ما يطلق عليه بالإنجليزية «Minimalist». حركة الكاميرا في حدها الأدنى، والقطعات المونتاجية كذلك، ففي مشهد الخالة واندا مثلًا، يكتفي بإشارتها إلى الرجل الجالس خلفها، ﻻ حاجة لحركة الكاميرا لدخول هذا الرجل إلى المجال، وبالطبع لا حاجة إلى القطع المونتاجي.كذلك الأمر بالنسبة للإضاءة، فمن النادر أن يلجأ بافليكوفسكي إلى الإضاءة الخارجية، فكل مصادر الضوء هي مصادر أصيلة في المجال، سواء داخله أو خارجه. في أحد أجمل المشاهد بفيلم حرب باردة يصطحب فيكتور زوﻻ في جولة ليلية في باريس، يعتمد مدير التصوير لوكاسز زال على الإضاءة الطبيعية للمكان، وﻻ يحاول التدخل للتقليل من حدة العتمة التي يكثفها تباين الأبيض والأسود، ليخرج المشهد أكثر شاعرية، وأكثر قدرة على التعبير عن طبيعة العلاقة بين البطلين ولقاءاتهما النادرة التي غلفتها السرية.
أما أقصى درجات الحد الأدني فتظهر جلية في شريط الصوت، إذ يستغنى بافليكوفسكي بشكل كامل عن الموسيقى التصويرية، ويستبدلها بالموسيقى الداخلية ذات الأصل الواضح في المجال. في فيلم آيدا تستمع الخالة واندا إلى المقطوعات الكلاسيكية على مشغل للأسطوانات، أو يكون المصدر هو مذياع السيارة، أو تكون الموسيقى حية تعزفها فرقة موسيقية. أما في فيلم حرب باردة الذي يعج بألوان الموسيقى الفولكلورية، فكانت الموسيقى حية في الغالبية العظمي من المشاهد، سواء من خلال اختبارات الأداء في الفصل الأول من الفيلم، أو من خلال العروض الجماعية للفرقة، أو عروض زوﻻ الفردية، أو حتى من خلال عبور عربة محملة بالعمال يصيحون بإحدى الأغنيات.
استخدام المؤثرات الصوتية يكون أيضًا في الحدود الدنيا، فقد تستخدم كإرهاصة لما هو خارج المجال، كأن نسمع صوت الباب يفتح ثم يدخل مدير الفرقة إلى المجال لملاقاة فيكتور، ﻻ حاجة هنا لحركة الكاميرا، وﻻ لقطع مونتاجي، فقط الاستخدام المقتصد للمؤثر الصوتي سيفي بالغرض ويساعد المشاهد على استحضار ما غاب عنه خارج المجال. وقد تستخدم المؤثرات للفت الانتباه لعمق المجال، خاصة وإن كان خارج التركيز «Out of Focus»، في مشاهد اختبارات الأداء التي تعج بأصحاب المواهب، في إحدى اللقطات تظهر «زوﻻ» في مقدمة المجال، بينما نرى في عمقه شابًا صغيرًا يؤدي حركات راقصة خارج التركيز، وفي شريط الصوت نسمع مؤثرًا صوتيًا لحركة أقدام الشاب الراقصة.يعتمد بافليكوفسكي على مستويات متعددة للمجال من خلال التوظيف الذكي والمعبر لكل ما هو خارج المجال، ومن خلال النزعة إلى الاقتصاد والاعتماد على الحد الأدنى، وهي من أهم السمات المميزة لأسلوبه الذي بدأ يتشكل وتترسخ ملامحه مع فيلم آيدا، ومن بعده فيلمه الأحدث حرب باردة. الفيلم من أكثر الأفلام المنتظرة في موسم الجوائز لهذا العام، ومن المتوقع أن يكون أحد المرشحين لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي