رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2145

الطيور العابرة.. فيلم كولومبي عن ملحمة السقوط

الخميس - 17 كانون الثاني ( يناير ) 2019

أمير العمري
“الطيور العابرة” (Birds of Passage) فيلم من كولومبيا، اشترك في إخراجه سيرو غيرا صاحب الأسلوب السينمائي المميز، مع كريستينا غايلغو التي أنتجت فيلمه السابق “عناق الأفعى” (2015)، وهي التي كتبت قصة هذا الفيلم وأدار تصويره ديفيد كاليغو الذي سبق أن أضفى بلمساته الخاصة رونقا وسحرا على “عناق الأفعى” وحصل على جوائز عدة.
يقارب نقاد السينما الأوروبيون “الطيور العابرة” (يترجمه البعض “طيور الممر”) مع أفلام مستقرة في الذاكرة الغربية مثل أفلام سيرجيو ليوني (من نوع الويسترن سباغيتي)، و”الأب الروحي” لفرنسيس كوبولا، و”الوجه ذو الندبة” لبريان دي بالما، فـ”المركزية الثقافية الأوروبية” المتأصلة تفرض نفسها عند النظر إلى الأعمال الفنية القادمة من خارج المحيط الأوروبي.
هذه المقاربة تفقد “الطيور العابرة” الكثير من سحره وجماله الداخلي الخاص، فليس من الممكن الاستمتاع به إذا اكتفينا بالبحث عن أوجه للشبه مع هذه الأعمال الغربية المعروفة، بل يجب أن نشاهده أولا في سياق الأسلوب الخاص لمخرجه، وثانيا، في ضوء الثقافة العميقة الجذور والتقاليد الراسخة في كولومبيا منذ آلاف السنين.

أفكار مركبة
رابايت وزايدة وأورسولا وليونيداس ورسول الكلمة
هناك ثيمات عدة يعمل عليها سيناريو الفيلم: العلاقة مع الغريب، الأميركي بوجه خاص، وتأثير هذه العلاقة بشكل مباشر على مصائر الشخصيات، والعلاقة بين الواقع وعالم الأحلام والرؤى، والعلاقة الممتدة مع الموتى والأرواح التي تتراءى في صورة طيور، والتناقض الطبقي بين القبائل الأصيلة (قبيلة “وايو” ذات الأصول العريقة، و”الأليخونيين” الذين يُنظر إليهم باعتبارهم من جنس أدنى).
ويطرح الفيلم أيضا فكرة السقوط في الخطيئة كمعادل لخيانة الأصل والتنكّر للقيم الأصيلة التي ترتبط بالقبيلة، ثم ما يحدث بعد أن تطغى قيمة الكسب وتحقيق الثروة من بروز النزعة الفردية وسيادة الجشع والغرور والاستقواء على الآخرين، أي تأثير الثروة الطارئة في إفساد البشر، وبالتالي الاعتداء على ما ظل مستقرا منذ قرون، من تقديس الروح الجماعية والولاء للعائلة أو للقبيلة، قبل أي شيء آخر.
هذه الأفكار يعبّر عنها أسلوب الإخراج الذي يجسد نوعا من الواقعية السحرية التي اشتهر بها الأدب والفن في أميركا اللاتينية، من خلال بناء المشاهد وتحريك الممثلين وتوزيعهم داخل الكادر، تكوين اللقطات، وحركة الكاميرا، وانتقالات الزمان والمكان عبر المونتاج، وتصميم الديكور، واستخدام الموسيقى الشعبية بالآلات التقليدية القديمة، وهو أسلوب ممتد منذ فيلم غيرا البديع “رحلات الريح” (2009)، وفضلا عن هذه العناصر يبرز بقوة عنصر التمثيل بحيث يجسّد الممثلون التناقضات التي تنشأ داخل الشخصية الواحدة، أو بين الشخصيات بعضها البعض.
نحن نرى الشخصيات في لقطات بعيدة واسعة تبدو من خلال التكوين أجساما هزيلة قياسا إلى المحيط العام لتأكيد سقوطها وتضاؤلها، وتضفي الكاميرا بحركتها البطيئة من اليسار إلى اليمين، طابع التغريب، مع اختيار زوايا التصوير الغريبة.
الكاميرا في الفيلم موضوعية كأنها عين القدر، تتخذ زوايا غريبة وكثيرا ما ترتفع إلى زوايا عليا، تراقب ثم تتحرك وتجوس بين الشخصيات دون أن تصبح جزءا منها أو طرفا في الحدث.

فيلم "الطيور العابرة" صورة مجازية لما يمكن أن يفعله الجشع بالإنسان، وما تتعرض له التقاليد القديمة أمام غزو قيم دخيلة
فيلم "الطيور العابرة" صورة مجازية لما يمكن أن يفعله الجشع بالإنسان، وما تتعرض له التقاليد القديمة أمام غزو قيم دخيلة
ويبدأ الفيلم بالمغني العجوز الأعمى وهو جالس في الصحراء، ينشد أغنية تخبرنا سلفا بما سيقع من مصير مأساوي للجميع “أريد أن أتذكر قصة الحب، الوحدة، الثراء، والألم الذي عانت منه تلك العائلة التي دمّرت نفسها”.
بعد ذلك يأتي الاحتفال ببلوغ “زايدة” الجميلة، ابنة قبيلة “بوشاينا”، مرحلة البلوغ لكي تصبح امرأة تخرج من العزلة التي ظلت فيها لمدة سنة، بعد أن أصبحت جاهزة للزواج.
زايدة ترقص أمام جمع من أهل القبيلة على رأسهم أمها “أورسولا” صاحبة النفوذ وزعيمة القبيلة، وهي تحتفظ بالتعويذة السحرية التي تتكفل بحماية عائلتها من المخاطر، وتظهر أورسولا في معظم المشاهد، في بؤرة الصورة، أو تهيمن من أعلى على الآخرين.
خلال الاحتفال يتقدم “رابايت” الذي ينتمي لعائلة أخرى من نفس المنطقة، لخطبة زايدة عن طريق عمه العجوز الذي يحظى باحترام بين القبائل كونه معروفا كـ”رسول للكلمة”، أي الحكيم الذي ينقل الرسائل والتعهدات بين القبائل، ويتمتع بقدسية خاصة لأنه يستمد سلطته الروحية من الأرواح. لكن الأم لا تبدو راضية بسبب ارتباط رابايت بعلاقة عمل مع “مويسيس” الذي ينتمي للأليخونيين الذين يفتقدون للأصل والحسب والنسب، لذلك يُطلب من رابايت أن يقدم مهرا عبارة عن 20 بقرة و30 عنزة و5 قلادات من الأحجار الكريمة.
رابايت يعمل مع مويسيس في تجارة نبات القهوة (البن) وتهريب المشروبات الكحولية، لكنّ الاثنين يلتقيان ذات يوم ببعض الأميركيين الذين جاؤوا ضمن “فيالق السلام”، يقومون بتوزيع منشورات مناهضة للشيوعية، لكنهم في الحقيقة، يرغبون في الحصول على كميات كبيرة من نبات الماريخوانا لتهريبها إلى الولايات المتحدة، مقابل الكثير من المال، وهذا هو الإغراء الذي يسقط فيه رابايت بسبب سعيه المحموم لتدبير المهر المطلوب.
وكما كانت بعثات الأوروبيين الغرباء الذين جاؤوا إلى منطقة الأمازون سعيا وراء المطاط في فيلم “عناق الأفعى” هم بذرة الشر، وقد مارسوا الإبادة الجماعية لقبائل كاملة من السكان الأصليين، يصبح وجود الأميركيين المدخل الأول لفساد الروح ثم سقوط رابايت في خطيئة ارتكاب فعل القتل، والانحياز لأنانيته ورغبته في التحقق الذاتي، متخلّيا عن الدرس الأول الذي أكدته له أورسولا في البداية، أي ضرورة الإخلاص للعائلة قبل كل شيء.
تنبع بذرة الشر أولا من مويسيس الذي يتغير بعد ما يحققه مع رابايت من ثراء فاحش، فيغرق نفسه في الخمر والجنس، ويرتدي ملابس مزركشة تجعله يبدو كمهرج، ثم يطمع في الاستيلاء على المال والمخدرات من الأميركيين الذين جاؤوا بثلاث طائرات لشحن المخدرات، فيقتل اثنين منهم مما يثير غضب أورسولا و”أنيبال” ابن عم رابايت والمصدر الأساسي لتزويده بالنبات المخدر، ويصبح مطلوبا من رابايت تقديم ترضية للأميركيين وتطهير نفسه مما ارتكبه مويسيس، أي بأن يقتله بيده.
سيكون قتل مويسيس مدخلا لعنف مضاد ودماء كثيرة تسيل، كما ستفسد الثروة الطارئة المراهق “ليونيداس” شقيق زايدة زوجة رابايت الذي يرتكب سلسلة من الحماقات تصل إلى الاعتداء الجنسي على ابنة أنيبال، فتكون تلك الطامة الكبرى التي تؤدي بالشركاء إلى الفراق الأبدي رغم كل ما يبذله رابايت وأورسولا من محاولات لاسترضاء أنيبال، والحصول على عفو منه قصد إنقاذ الحفيدين، ميغيل وانديرا.
يتكون الفيلم من خمس فصول يحمل كل منها عنوانا مميزا هي “الحشائش البرية”- 1968، إشارة إلى بدء عائلات “الوايو” في كواجيرا بشمال كولومبيا الانغماس في تجارة المخدرات، ثم “المقابر- 1971”، و”الازدهار- 1979”، و”الحرب”، وأخيرا Limbo وهي تعني حسب الميثولوجيا الدينية السائدة “على حافة الجحيم”.
إننا نرى كيف تنتقل كل عائلة من العيش في أكواخ بدائية إلى قصور فخمة محاطة بالحدائق، بينما يقيم رابايت مع زوجته وحماته وابنيه في منزل بديع مشيّد في الصحراء، يتمتع بديكورات ثرية.
وبين حين وآخر نلمح ساقي طائر سيتضح في النهاية أنه بجعة تسير على أرضية البيت، كما نلمح أسرابا من الطيور تحلق في السماء في تكوينات مدهشة، ويظهر بين حين وآخر، طائر الهدهد الأحمر الذي ترى فيه أورسولا نذيرا ينذر بالخطر القادم، وقبائل الوايو عموما تؤمن بأن الطيور تحمل الأرواح.
عالم الأحلام
الفيلم يطرح فكرة السقوط في الخطيئة كمعادل لخيانة الأصل والتنكر للقيم الأصيلة التي ترتبط بالقبيلة
تؤمن أورسولا بالأحلام باعتبارها “دليلا على وجود الروح”، كما تقول لابنتها زايدة. وفي الحلم الأول، ترى زايدة جدتها المتوفية وهي تسير بين قضبان سكة القطارات، في اتجاه البحر وظهرها للكاميرا، وتهمس أورسولا “إن جدتك ترشدنا إلى الطريق”.
وفي الفصل الثالث “الازدهار”، تحلم زايدة بالجدة وهي تقف في منتصف الكادر وظهرها للكاميرا، على يمينها مباشرة شجرة رفيعة الجذع، وعلى يمينها رجل، وعلى يسارها صبي، كلاهما ملفوف الرأس بقماش أبيض ومغمى العينين. تكوين الكادر يعكس هيمنة روح الجدة على الذاكرة، ثم نسمعها تردّد “تمت التضحية.. لكن هناك أحزان”.
يتحرك الصبي ليخرج من الكادر تدريجيا على اليسار، تتابعه الجدة بنظراتها وتستدير قليلا بجسدها ثم تقول “غابرييل يعلن دفنه الثاني”، ومن داخل منزل ومن وراء باب أحد مصراعيه مفتوح والثاني مغلق، يتقدم الرجل المغمى صوب الباب من عمق الصحراء، ويأتي صوت الجدة “الموتى يأتون إلى البيت.. ميغيل (ابن رابايت) في خطر”. يتوقف الرجل فجأة، ثم تظهر زايدة وهي مستلقية على الفراش تقول لأمها “كان هناك رابايت وليونيداس”، إنه نذير بما هو آتٍ.
يتعين على الأم أن تأتي بالتعويذة السحرية، تدلف زايدة إلى شرفة المنزل، الديكور أبيض والسرير منقوش ومصنوع بدقة تعكس ذوقا شديد الجمال في تصميم تغريبي مقصود تماما، فلم نعد نعرف هل هذا مكان حقيقي أم خيالي (مما بعد الموت).
أرجل البجعة تنقر على أرضية الردهة.. تتحسس الأم التعويذة، يأتي رسول الكلمة يطلب ضرورة الذهاب لحضور الاحتفال باليقظة الثانية لشقيق أنيبال (غابرييل) من الموت. رابايت يعيش الآن في عزلة تامة في منزله الواقع في قلب الصحراء تحيطه الرمال تأكيدا على اغترابه عن العالم، وعندما تقول له أورسولا إن الأرواح غاضبة، يردد “لم تعد الأرواح تحمينا”.
استعادة الميت
في فصل “المقابر” يتجمع الحشد أمام قبر غابرييل في حديقة قصر أنيبال، يزيحون شاهد القبر ويخرجون النعش، يفتحونه، وتنشد امرأة: حان الآن وقت رجوع الميت، تقوم ابنة أنيبال بالتقاط الجمجمة ثم العظام واحدة إثر الأخرى، تقوم بغسلها وتنظيفها وتضعها في سلة تحملها امرأة وتسير.. لا نعرف أين سيذهبون بها؟
ويبدأ الفصل الرابع “الحرب”، بإخراج رجال قبيلة البوشاينا الأسلحة من مخازنها، تحت إشراف أورسولا، ثم يحبسون رابايت ويمنعونه من الخروج حماية له، ويأخذون ابنه وابنته إلى مكان آمن، ويذهب رسول الكلمة يعرض التسوية على أنيبال، لكنه لا يعود.
لقد ارتكب أنيبال الاعتداء الأكثر بشاعة على قانون “وايو” المقدس، فقد قتل الرسول الذي يعتبرونه مثل طائر الأوتا المقدس، وأصبح لا مفر من الحرب الشاملة، وتجتمع القبائل وتقضي بضرورة معاقبة أنيبال على جريمته بقتل كل أفراد عائلته، ولكن يتعين أولا أن تتخلى أورسولا عن التعويذة.
ليتنا استمعنا إلى الأحلام.. ليتنا أنصتنا لأصوات الموتى 
وعندما يأتي أنيبال لكي يثأر من رابايت، يأتي راكبا حمارا، ويقول له رابايت وهو يواجه الموت “لا يهم.. فقد أصبحنا جميعا من الموتى”، وبعد أن يقتل رابايت يعود سيرا على قدميه مهزوما وهو يجرّ الحمار، فمصيره بدوره قد تحدد بالموت، ثم يحلق طائر عاليا، وتبدو اللقطة من أعلى، ثم تظهر البجعة التي هي دخيلة تماما على المكان وكأنها روح مقدسة تتبع رابايت، تتهادى بجوار جثته.
تنتهي انديرا وحيدة، تهيم على وجهها في الصحراء، وبصحبتها ثلاث عنزات، ثم يعود المنشد الذي رأيناه في بداية الفيلم، ليختتم الملحمة مرددا “وعندما رأيت تلك الفتاة التي لا تعرف كيف ترعى الأغنام، والتي نسيت ما يعرفه أسلافها، عرفت قصة الحشائش البرية التي جاءت كمنقذ ولكنها أصبحت وباء مدمّرا.. هذه الحشائش كانت دائما مصحوبة بالجشع، ليتنا استمعنا إلى الأحلام.. ليتنا أنصتنا لأصوات الموتى..”.
تلعب الصورة والتكوينات البصرية واللونية (استخدام تفاصيل الطبيعة والألوان الحارة)، دورا أساسيا في توصيل الإحساس بالمعاني والرموز المختلفة، مع استخدام الدفوف والطبول والإيقاعات الخاصة من البيئة، مع موسيقى آلات النفخ التقليدية، والاهتمام الكبير بتصميم الحركة داخل المشهد، ففي الفيلم أكثر من مشهد للرقص: أهمها مشهد زايدة وهي ترقص أمام الرجال وقد صبغت وجهها بالألوان، واتخذت لنفسها شكل طائر، تريد أن تختار زوجا لها، فينهض رابايت ويرقص أمامها.
إنها صورة مجازية لما يمكن أن يفعله الجشع بالإنسان، وما تتعرض له التقاليد القديمة أمام غزو قيم دخيلة، ورغم طبيعة الموضوع وما ينتهي إليه، إلاّ أن الفيلم يخلو من مشاهد العنف وسفك الدماء، فنحن نرى نتائج العنف فقط، فالاهتمام الأساسي هو رصد التحولات التي تتعرض لها ثقافة المنطقة وتقاليدها لا خلق التوتر والتشويق، هنا يختلط الواقع بالحلم بالخيال، وتصبح الطيور أرواحا ترشدنا إلى الآتي، ويصبح المغني الأعمى الذي يجلس وحيدا في الصحراء، عقل الحكمة، لكنه يختفي لكي يترك الطيور العابرة تروي القصة وتجعل لها مكانا في الذاكرة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي