رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2181

بثينة العيسى: مهمة المثقف تكمن فـي رفع وعي المجتمع

الأربعاء - 16 كانون الثاني ( يناير ) 2019

حاورها/ أحمد العياد
 الروائية الكويتية بثينة العيسى، غزيرة الإنتاج رغم صغر سنها، استغلت "إيلاف" فرصة قدومها للرياض لتقديم دورة حول الكتابة الإبداعية فأنجزت هذا الحوار معها.
صراحة قابلت كتابا وأناسا كثر ومتنوعين لغتهم  ولهجتهم العربية بيضاء، لكن مع بثينة لغة عربية صحيحة دون أخطاء ودون تأتأة، تتكلم وتستطرد، واضحة وصريحة في معظم الأحيان، لكن لا مانع لديها من الحذر في بعض الإجابات، درست إدارة الأعمال وتفرغت للأدب والكتابة ، تدين لتجربتها في البداية من التشتت والأخطاء لأنها صقلت معرفتها، ترى أن الإحساس بالأمان الوظيفي يقلل من قدرتك على الإنتاج، وتقول يجب على الكاتب أن يخرج من منطقته الآمنة ويكتب عمّا لا يعرف.
لها مشكلة مع الرقابة في الكويت ولها مقولة وهي أن الكتاب في الكويت  ممنوع حتى يتم فسحه.
"إيلاف" التقت مع بثينة وكان معها هذا الحوار الصريح.
* أ. بثينة.. من الطب إلى الإدارة ثم التفرغ للأدب ما يعني تجارب عديدة، هذه التحولات كيف ترينها أو كيف تصنفينها؟
ـ أعتقد أني عشت حياتي بشكل تجريبي، أجرب ثم أحكم إذا كان يناسبني او لا، خاصة في السنوات المبكرة إذ لم أكن قادرة على أن أثق بالصوت الداخلي الذي يطلب مني التفرغ والتوجه للكتابة، كان هناك كثير من الضوضاء الآتية من الخارج حول ما ينبغي أن يكون عليه المكان المناسب لي، وأنصتّ لهذه الضوضاء كثيرًا، واعتقد بأني شتت نفسي كثيرا، يعني من الطب إلى إدارة الأعمال، ومؤخرا تفرغت تماما للكتابة لكن أنا مدينة لهذه التجربة في البداية صقلت معرفتي بذاتي، وأنا مدينة كثيرا لأخطائي فهي التي عرّفتني عليّ على نحو أكبر. فلو لم اعترف بكونها أخطاء لبقيت عالقة بحياة لا تشبهني.
* خطوة الاستقالة من عملك والتفرغ للأدب... هل كانت الرؤية واضحة في ذلك الوقت؟
ـ كانت واضحة 100%
* ألم تكن  مخاطرة برأيك ؟
ـ فيها مغامرة بالطبع، لكن نحن بحاجة إلى أن نشعر بالخطر وبالتهديد حتى ننجز على أتم وجه، حتى لا نهدر هذا الوقت الثمين، حتى نعمل بقدر الاستطاعة ونبذل جهدا أكبر، هذا القدر من المخاطرة الذي يأتي في العمل الخاص اعتقد أنه صحي وضروري، وأتمناه لكل إنسان على وجه الأرض. فمشكلة من يعمل بالقطاع الحكومي أو حتى بشركة براتب مضمون يعطيه إحساس بالأمان، هذا الإحساس بالأمان قد يقتل قدرتك على الانتاج فأنت يجب أن تبقى خائفا، ويجب أن تبقى دائما في حالة بحث عن سبل التطوير والنمو والمنافسة وكل هذه الأمور وهذه الأمور تحدث من خلال العمل الحر أو القطاع الأهلي.
هذا يقودني لفكرة قلتيها سابقًا وهي: "على الكاتب أن يخرج من منطقته الآمنة للكتابة" برأيك هل هو استسهال  للكاتب أن يكتب في منطقة معينة ؟ كان غابرييل ماركيز ينصح الكتاب الجدد بـ: "أكتب عما تعرف" وهذه النصيحة ليست حكرًا على ماركيز فأغلب مدربين الكتابة الإبداعية يقولون كذلك، لأن الأمر أسهل فإذا استطعت السيطرة على موضوعك فستبقى لك الأدوات، فأنت تفرغ نفسك لصقل الأدوات وهي الجانب الفني من الحرفة لكن يكون التحدي حينما يكون الموضوع مجهولا والأدوات مجهولة، وهو ماكنت أتحدى نفسي فيه على الأقل في كل الأشياء. وهذه الفكرة تبلورت تماما في إحدى الورش، حيث كنت واقفة وذكرت هذه النصيحة، لأننا غالبا ننصح بالكتابة عما نعرف لكن المغامرة أن تكتب عما لا تعرف، فالتحدي الحقيقي خروجك من هذه الشرنقة أو الفقاعة الآمنة التي أنت ملم بها تماما، بحيث تتحول الكتابة من حالة بوح إلى حالة اكتشاف، قفزة 180 درجة في كل شيء، كل شيء سيتغير ليس على مستوى الموضوع بل على مستوى المعالجة والأدوات، وهذا استشعرته أنا شخصيا. أيضا اكتشفت أن بعض الكتاب لديهم خوف، في اللحظة التي قلت فيها: "اكتب عما لاتعرف" استوعبت أنني على مستوى التنظير أتجاوز نفسي.
* أي أنك تقولين كلاما لا تطبقيه؟
ـ نعم. حتى تلك اللحظة كنت كتبت رواية "كبرت ونسيت أن أنسى"، ومنذ "ارتطام لم يُسمع له دوي" وحتى "كبرت ونسيت أن أنسى" كنت أكتب عن بطلة أنثى في مجتمع خليجي أو مجتمع ذكوري في المنطقة الشرقية، في عموم المنطقة الشرقية من العالم العربي، أي موجودة في حياتي الخاصة وأعرفها، ويسهل علي أن أكتب عنها أي لا يوجد أي تحدي، فشعرت أن خطابي في الورش يتجاوز منجزي الأدبي، وقررت بعد تلك الليلة أن الرواية القادمة ستكون مختلفة تماما، فلما حضرتني فكرة خرائط التيه كأنها نزلت عليّ من السماء، الآن استطيع أن أكتب في أماكن مجهولة بالكامل، وعن قضية مجهولة بالكامل، الشخصيات الأساسية نساء ورجال والأغلبية رجال، واستطيع أن أتمثل صوت الآخر، وصوت الطفل وصوت المجرم وصوت الأسود والأبيض، هذه هي المغامرة فبعد هذه التجربة قررت ألا أكتب إلا كتابة اكتشاف، قررت ألا أكتب كتابة بوح. وتحدثت عن هذا الأمر مع مجموعة من الزملاء الكتاب واكتشفت أن هناك خوف لدى الكاتب من مغادرة منطقته الآمنة، ولا يكون الخوف أحيانا على مستوى الموضوع، فقد يكون على مستوى الأداة، فأحد الكتاب الزملاء كان يقول: "أنا لا أتخيل نفسي أكتب بغير صوت الراوي الذاتي، لا استطيع أن أكتب بالراوي العليم." 
وهذه مشكلة لأن اختيار صوت الراوي يكون بحسب الموضوع، أي أننا لا ننحاز للأدوات بشكل مسبق، الأدوات نختارها بحسب حاجة النص فإذا كنت متخوفًا من أداة فنية فلديك مشكلة، إذ أنه قد لا تكون الأداة التي اخترتها تخدم موضوعك بالضرورة. وهذا هو الخروج من المنطقة الآمنة، يبدأ بالتجريب في الموضوع وفي الأدوات، وكل ذلك عندما نتجرأ على الكتابة في مكان لم يسبق لنا اكتشافه.
* مابعد سنة 2000، كانت هناك موجة تدين حجاب وخلافه، وفي هذه الأيام لا نقول أنها موجة تنوير بل موجة تمرد على الدين قد تصل إلى الإلحاد برأيك هل هذه مرحلة من مراحل التفكير أو موضة وستذهب في حال سبيلها ؟
ـ اسأل عالم اجتماع لعلك تجد الإجابة عنده! بصراحة اعتقد بأن كثير من العورات انكشفت مع تويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي ، خاصة كثير ممن كنا نعتقد أنهم رجال دين واكتشفنا أنهم مخادعين بالدرجة الأولى، ناهيك عن تأويل النصوص، فالنصوص هي النصوص إذ لم يكن هناك أي انغلاق فكري فما الذي تغير!؟ للنص تأويل متعدد لكن المصيبة أن يؤخذ تأويل واحد ويعتقد أنه التفسير الوحيد لهذا النص، وتعمم الفكرة على مجتمع بأسره، متجاهلًا أنه يقتل حق البشر في الاختلاف، أيضًا الموضوع تعدى ذلك فنحن كنا نعتقد دائما بأن السلطة السياسية تتبع السلطة الدينية واكتشفنا أن الأمر بالعكس، وأن الدينية تتبع السياسية وأن ما كان حراما بالأمس صار حلالا اليوم بسبب طلب من السلطة السياسية، وبعد ذلك كيف تريد من هذا الشارع أن يثق بالمنظومة الدينية فأنت خنت المنظومة الدينية! رجال الدين هم من خانوا المنظومة الدينية بالدرجة الأولى !! واعتقد أن الإلحاد العربي هو إلحاد نفسي بالدرجة لأولى، وليس فكري هو غالبا يلحد لأنه يردد: "كيف يسمح الله بأن يحدث هذا الأمر/لماذا يحدث هذا الأمر لي؟!" وكأنه زعلان على أبوه لأنه اعتقد أن من واجب أو دور هذا الإله أن يذود عن مصالحه أو يتدخل في إنقاذه لذا يستدعيه ويجده في الوقت الذي يريد! وهذا يكشف لنا أن الإلحاد كأنه طفولة دينية كرستها كثير من المؤسسات الدينية الرسمية، مطلوب منا أن ننقذ أنفسنا وأغلب نكباتنا 99.9 % من صنعنا وليست من صنع الإله.
* مع وجود هذه الأزمات السياسية والطائفية وغيرها، ما دور المثقف العربي أو المثقف عمومًا؟
ـ دور المثقف في هذه المرحلة أو غيرها تفكيك الخطاب، مطلوب منه رفع وعي الشارع فيما يتعلق بأدوات التفكير النقدي والتحليل، المطلوب منه ألا " يطبّل" وإذا كان لا يملك خيار النقد فهو يملك خيار الصمت، المطلوب منه ألا يصطف مع سلطة معينة، المطلوب منه تحرير إبداعه من أي أجندة، ربما هذه ثوابت في كل زمان، وسيبقى دائما دور المثقف أن يمتلك القدرة على أن يقول لا وإن لم يستطع قولها فهو يمتلك حق الصمت.
سبق وأن قلتِ أن الشيء الوحيد الذي يحول بينك وبين الكتابة هي الموسيقى، "هي الوحيدة التي  تسرقني من الكتابة" ما رؤيتك للموسيقى أو فكرتك عنها، ماذا تمثل لك؟
مهرب، فسحة خارج الواقع، وكذلك الكتابة، لكن الكتابة عملية ذهنية بالدرجة الأولى أما الاستمتاع للموسيقى فهو تجربة وجدانية عاطفية بالدرجة الأولى، وأنا لا استطيع الجمع بين الاثنين فإما أن أكون هنا أو أكون هنا.
* ما رأيك بالجوائز الأدبية السنوية كالبوكر وغيرها عموما؟
ـ اعتقد أن هذه الجوائز انعشت المشهد الثقافي، وصار كأن هناك رافعة إعلامية أو تسويقية لعديد من الكتب لم تكن لتحظى بهذه المقروئية لولا الجائزة، لكن لا اعتقد أن هناك أي جائزة تستطيع أن تضيف أو تأخذ قيمة من الكتاب، بمعنى لا تجعله كتاب أعظم مما هو عليه ولن تجعله أقل.
* هل  هذه الجوائز تساهم بنشر الكتاب على نطاق أوسع ؟
ـ المفروض، وفي الوضع المثالي أن الجائزة عندما تصل إلى الكتاب الصحيح فهو سيحقق مقروئية عالية، مثل ساق البامبو وعزازيل، لكن في كثير من دورات البوكر لا يوجد مقروئية لكثير من الكتب الفائزة فالأمر ينجح غالبا عندما يتوافق مزاج اللجنة مع مزاج القارئ، وهذا قد لا يحدث دائما لأن الجوائز تعبر عن وجهة نظر اللجنة وهذه اللجنة ليست سلطة تمنح صك الإبداع أو تسلبه من هذه الأعمال هي في النهاية وجدت أن هذا العمل جميل ويستحق هذا التكريم ودفعت لهذا الاتجاه وهذا لا يقلل  من أي نص لم يحظى بجائزة، أيضا كثير من النصوص التي حصلت على جوائز دون أن تستحق هذه الجوائز لم تجعلها نصوصا عظيمة بالضرورة بدليل أن المحك دائما هو Good reads بمعنى القارئ لا يخدع بجائزة أو قراءة نقدية من أهم ناقد في العالم، القارئ في النهاية يبحث عن المتعة البسيطة على سطح النص وإن لم يجدها فسوف يعاقب هذا الكاتب.
بالنسبة للمجاملات في الوسط الثقافي وأنا كصحفي أراها كثيرًا هل السبب أن البعض يغضب من النقد أو يتضايق منه؟ هو صحيح أن الطبيعة البشرية لا تحب النقد، لكن اعتقد أن الطبيعة البشرية لاتحب الكذب أيضا. فإن  كنت تعتقد أن هذا النص لا يستحق كل هذه الضجة ولم يعجبك ببساطة أنت تستطيع أن تكتب رأيًا لا يخدش ولا يجرح مشاعر الكاتب وتستطيع أيضا أن تصمت، لذا استغرب من المجاملة لأننا لسنا مضطرين لها أبدا.
* كونك كاتبة نسائية لماذا دائما يطلب من الكاتبة الأنثى سواء في كتابة السيناريو أو الرواية أو حتى المخرجة الأنثى أن تكون قضيتها الأساسية في العمل أو البطلة امرأة؟ لماذا الجو العام يرى أنه مطلوب منك ذلك؟
ـ قضية المرأة قضية مستحقة، حقوقيا مستحقة، مطلوب مني كموقف حقوقي أن أقف مع قضايا المرأة أو المساواة هذا أمر، لكن أن يكون مطلوب مني ككاتبة أن أخصص مشروعي للكتابة عن هذه القضية فلا، هناك قضايا كثيرة تثيرني وتهمني، وهذا لا ينفي هذا ولا يتعارض معه وأنا مع تمكين المرأة Women's Empowerment  لكن لن أكتب بالضرورة ما يريده الآخر مني، وأنا كتبت عن المرأة كثيرا من "ارتطام لم يسمع له دوي" وحتى "كبرت ونسيت أن أنسى" لكن ليس لأنني مدفوعة بهاجس، أنا امرأة وأكتب عن المرأة كشأن أو هم خاص ثم أمنح القارئ أن ينظر إلى القضية بالطريقة التي عالجتها بها.
* كونك كاتبة وقارئة نهمة كما تسمين نفسك "دودة كتب" ولديك عمل بالإضافة إلى كونك أما كيف تنظمين وقتك وتربطين بين هذه الأشياء؟ 
ـ أعتقد أنني workaholic، ولدي مشكلة مع الفراغ وإن كان نصف ساعة! فتجدني اقرأ أو أكتب أو مع الأطفال، أو اشتغل مع تكوين، لديّ مشكلة مع اللا فعل، وأدفع ثمنها من صحتي ونفسيتي الآن، هذا سبب أول والسبب الثاني على مستوى الكتابة أعرف أنني عندما لا أكتب لن أتمكن من أن أعيش يومي بشكل طبيعي، خاصة إذا تطاول علي الأمد بين كتابة وكتابة، فأنا أتعب وأكون أكثر عصبية، و"دمي ثقيل" وقد أصبح فظّة وبحاجة لإغلاق باب العالم. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي