رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

الترهل في القطاع العام وحل مشكلته

علي الشرع

يوصف القطاع العام في العراق على انه مترهل بمعنى ان عدد العاملين فيه يفوق طاقته الاستيعابية الى الحد الذي تجعل من الإنتاجية الحدية لبعض العاملين فيه سالبة. والإنتاجية السالبة تكلف المجتمع أموالاً طائلة على شكل أجور تدفع للموظف لا يقابلها انتاج موجب وهي بذلك تمثل هدراً للمال العام لا تختلف كثيراً عن السرقة منه الا بالتفاصيل.

والسبب في وصول القطاع العام الى حالة الترهل هذه هي الحكومة نفسها، فهي المسؤولة عن التوسع في التشغيل فيه وليس غيرها. فهي التي تقر وتحدد عدد العاملين على الملاك لكل وحدة من وحدات القطاع العام. ولم يكن التوظيف في يوم من الأيام اعتباطياً بل هو مخطط له الا في حالة واحدة يمكن ان نتصور فيها ذلك وهي توظيف العاملين بالأجور اليومية وهو خارج عن اهتمام المقال الحالي. وواضح ان توسع القطاع العام ليس المقصود منه زيادة في حجم الخدمات التي يقدمها للجمهور بل المقصود منه توظيف هذا الكم الهائل من العاملين بطريقة لم يكن مخططاً له بشكل دقيق ومدروس بحيث تتناسب مع النمو الاقتصادي للبلد الا اذا فهم صانع القرار الاقتصادي ان نمو الاقتصاد يمثله نمو الصادرات النفطية، فوسّع- بناء عل ذلك- التوظيف في انحاء معينة من هذا القطاع، واذا كان الامر كذلك فأن معالجة هذا الخلل لا بد ان يبدأ من إزاحة هؤلاء -الذين فهموا واعطوا النصيحة بتوسيع التشغيل في هذا القطاع- من مواقعهم.

وأود الإشارة الى خطأ شائع يدور على الالسن وينتشر في الكتابات عن موضوع حجم القطاع العام لا سيما في الدول النامية ومنها العراق وهو ان هناك ترهلاً في القطاع العام وانا استخدمه هنا ايضاً جرياً على العادة. والحقيقة ان هذا الوصف تنقصه الدقة حيث ان الترهل ليس في جميع وحدات القطاع العام بل ان هناك وحدات فيها فائض وهي المترهلة فعلاً، وأخرى فيها تعاني من العجز الى درجة لا تتمكن فيها من ان تؤدي عملها بالشكل المطلوب حسب القياسات العالمية بل انها لا تقدم خدماتها الى المواطنين حتى في الحد الأدنى، وأحيانا لا تتمكن من توفر مثل هذه الخدمات اصلاً بسبب نقص العاملين فيها كما في المعلمين والمدرسين والخدمات الطبية.

وحاولت الحكومة بتشريع حلول غريبة وفاشلة للتخفيف من حجم القطاع العام من خلال مثلاً منح إجازة الأربع سنوات والخمس سنوات ولكنها لم تلق أية استجابة معقولة من الموظفين في هذا القطاع كما روّج لها البعض بحيث يمكن ان تحقق هذا الهدف. لكون هذه الحلول غير مخططة لها حيث انه من الواجب ان تكون الحكومة او من اقترح مثل هذه الحلول على دراية مسبقة ومخططة بوحدات العجز والفائض التي تسبب هدراً للمال العام لا ان تصدر تعميما لم تميز فيه مواقع العجز والفائض، ومن ثم اوكلت مهمة منح الاجازات الى تقديرات الوزير الامر الذي أدى الى الفساد والافساد، فكان على الموظف ان يدفع رشاوي بملايين الدنانير حتى يكون مشمولاً بها حتى اذا كان ينتمي الى وحدات العجز.

واذا كان حجم القطاع العام يفوق الحجم المخطط له فلابد من السعي الى تقليصه كونه اصبح عبئاً على الاقتصاد من ناحيتين: من ناحية كون الأجور فيه يشكل نسبة كبيرة من الموازنة العامة مع ان قسماً كبيراً منه يعد قطاعاً استهلاكياً اكثر منه انتاجي، ومن ناحية أخرى فهو يمتص نسبة كبيرة من العاملين على شكل بطالة مقنعة في وقت يمكن الاستفادة من تحويل درجاتها الوظيفية الى مواقع ذات إنتاجية اعلى. وسعي الحكومة الى تحفيز العاملين في هذا القطاع فضلا عن الداخلين الجدد لسوق العمل الى القطاع الخاص هي بلا جدوى ولن تؤتى ثمارها لكون مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج لا تكاد تذكر، واذا بقينا ننتظر تطور القطاع الخاص وانتعاشه فأننا سننتظر حقباً طويلة في ظل فساد مستشري وحكومة ضعيفة قادمة. ولأننا نبحث عن المتيسر من الحلول التي وان اخذت وقتاً كي نقطف ثمارها ولكنها ستكون فعالة على المدى الطويل، والمهم انها لا تكلف الحكومة اموالًا إضافية كما في تكلفة الاجازات المذكورة أعلاه حيث يمنح الموظف الراتب الاسمي طيلة مدة تمتعه بالإجازة.

والخطة التي اقترحها هنا كنت قد عرضتها بشكل مقتضب في مقال سابق على صفحات جريدة العالم عن حل مشكلة نقص الكوادر التدريسية في وزارة التربية، وهي تتلخص ببساطة في إعادة رسم خارطة الملاك في القطاع العام. ولكن هنا اريد تعميمها من وحدات الفائض الى وحدات العجز لتشمل جميع القطاع العام وليس كوادر وزارة التربية فقط. فمعلوم ان القطاع العام يتكون من نوعين من الوحدات: وحدات خدمية لها تماس مع المواطنين وأخرى إدارية تقع في الخلف تسند الوحدات الخدمية. والترهل او الفائض موجود في الوحدات الإدارية، اما العجز فهو موجود في الوحدات التي لها تماس مع المواطنين. والتقليص المقترح يشمل فقط تلك الوحدات الفائضة (المهن) المصابة بالترهل. وهنا لابد من وضع دراسة نحدد من خلالها عدد الملاك الضروري فقط في وحدات الفائض الإدارية بحيث يكون اقل من مستواه السابق الى درجة لا يخل بعملية اسناد وحدات التماس، ونزيد في الوقت نفسه عدد الملاك في وحدات العجز (المهن) حتى نتمكن من ان نرفع الإنتاجية لكل عامل في كليهما: وحدات العجز والفائض.

وتنفيذ خطة التحويل بين الملاكات من وحدات الفائض الى وحدات العجز يكون من خلال الغاء تجديد التعيين على الشواغر التي تسببها حركة الملاك (تقاعد او موت موظف) في الوحدات الإدارية المستهدف بالتقليص ونقل هذا المركز الوظيفي الى وحدات العجز مع تغيير العنوان ليتناسب مع حاجة وحدات العجز. ولن تتكلف الحكومة شيئاً حيث ان الدرجة الوظيفية تنقل من مكان الى اخر مع تغيير العنوان فقط. مثلاً الموظف الإداري في وزارة كذا تنقل التخصيصات المالية له الى وزارة التربية بعنوان جديد هو معلم. حتى وان اقتضى دمج التخصيصات المالية لأكثر من درجة في ان واحد لتقابلها درجة واحدة ذات راتب عالي مثل يجمع راتب ثلاث او اربع موظفين ليشكّل راتب طبيب واحد او تدريسي في الجامعة وهكذا.

ومن الوحدات الإدارية المستهدفة بهذا التقليص هي مراكز الوزرات والمديريات وكل الوحدات الادارية التي لا ترتبط بوزارة. ولتُعط الأولية في تحويل الدرجات الوظيفية غير المجددة من هذه الوحدات الفائضة (المهن) الى وزارة التربية بصفة معلم ومدرس، ووزارة الصحة بصفة طبيب وممرض..الخ، ووزارة التعليم العالي بصفة تدريسي.

وبهذا تم قصّ الترهل من جسم القطاع العام وبشكل تدريجي بشكل نظيف وانيق، ورفعنا الإنتاجية فيه، وخفضنا تكاليف ازاحة هذا الترهل بأقل الخسائر، بل سيحصل المجتمع على ربح ومن دون خسائر لا مادية ولا اجتماعية حيث قد تساهم هذه الخطة المقترحة في جلب فوائد عديدة للمجتمع منها تقليص حجم البطالة حيث سينطلق كثير من الطلبة الى السعي وراء التخصصات التي تعرض مثل هذه الوظائف عندما تتوسع فيها الحكومة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي