رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2096

في التحريض على الدولة

محمد الكاظم

خلال حملته الانتخابية التي سبقت وصوله الى رئاسة الولايات المتحدة اعلن دونالد ترامب عزمه على استرداد "الحلم الأمريكي" وكان قد صرح وقتها ان الحلم الامريكي قد مات في فترة رئاسة سلفه باراك اوباما. هذا التعبير يستهلك دائما في تقييم الادارات الامريكية المتعاقبة. لدرجة ان اداء أي ادارة يقاس احياناً بمدى تطابقه مع الحلم الامريكي الذي يعبر عن الروح الوطنية للشعب الأمريكي، وعن التطلع لتحقيق حياة أكثر رفاها وسعادة تحت ظل دستور يؤكد على المساواة والحقوق غير القابلة للتجاوز عليها. وبغض النظر عن استراتيجية ترامب لاستعادة هذا الحلم وتصوراته وفهمه له، فالحلم الامريكي يحتل مساحة كبيرة في الوجدان الشعبي في بلاد العم سام، فهو يعبر عن تصورات ابناء تلك البلاد عن ذاتهم الوطنية وعن بلادهم ويحدد بالتالي طبيعة تعاملهم مع كيفية ادارتها وطموحاتها والتحديات التي تواجهها. 
اذا اردت ان اقرّب هذا المفهوم أكثر سأقول ان مثل هذا الحلم يمثل روح الامة. وفي اغلب بلدان العالم هناك منظومة مفاهيم اخلاقية وفلسفية تشكل روح تلك الأمم، فهناك روح للأمة الفرنسية او الالمانية او اليابانية او التركية او الايرانية وهكذا. ويقاس نجاح أي تجربة بمقدار تقارب تلك المفاهيم او ابتعادها عن روح الأمة. 
يؤسفني القول اننا في العراق لا يمكن ان نتفق جميعا على ما يمكن تسميته بروح الامة العراقية، او الحلم العراقي، فنحن ننام في مكان واحد ولا يراودنا حلم واحد، تجمعنا الجغرافيا لكن التأريخ يفرقنا، نسكن في بيت واحد، لكننا نعيش في أزمنة مختلفة. 
غياب روح الامة، وانحسار احلامها يقود الى موتها. فهناك نوعان من موت الأمم، أولهما هو الموت الخارجي الذي قضى على بعض الأمم عسكريا لكن روحها بقيت حية وتمكنت من استعادة عافيتها بعد زوال المؤثر الخارجي، فألمانيا التي خسرت حربين عالميتين كانت تعود اكثر قوة في كل مرة. اليابان مثال اخر صارخ على قوة ارادة الامم التي لا تموت. هنا يصبح الموت رأسمالاً رمزياً يدفع الامم للنهوض مرة بعد مرة. والكثير من حركات التحرر والتنظيمات الثورية والثورات الإصلاحية استلهمت الكثير من ذلك الرأسمال الرمزي في مختلف بقاع العالم وضخت منه الكثير من الطاقة في روح الأمة. 
في الجانب الآخر، هناك امم تموت بطريقة مختلفة. فهي تموت موتاً بطيئاً مذلاً عندما تتفشى فيها مظاهر التعسف والعنف او سوء الادارة والفساد وتجاهل حركة الزمن وتجذر الحماقة والسلوك العبثي والرثاثة في كل شيء. والدولة العثمانية وغيرها مثال على ذلك.  قد تعيش مثل هذه الأمم فترة من الزمن يدفع فيها ابناؤها ثمن بقائها غالياً. لكنها ستنهار في النهاية وستنهار قبلها احلام ابنائها وارادة البقاء لديهم. مثل هذه الامم لا يقّدر لها العيش لأنها توقفت عن الحلم.  
قد يكمن الحل في تجديد روح الأمة العراقية وصناعة بيئة جديدة تنمو فيها الافكار التي تبني المستقبل ودراسة الطريقة التي كفلت الاستمرار لباقي الدول التي اصبحت دولاً كبيرة وعظيمة وكيف ساهمت طاقة الأمة المضمرة ورأسمالها الرمزي في تقوية الدولة بعد ان ضمنت لها استمرار التأثير في حركة العالم المعاصر عبر رفدها بالمعرفة والإنتاج. فللدولة في النهاية نظام يعتمد نجاحه على حسن ادارة الموارد والمدخلات والمخرجات. وهذه كلها تحتاج الى فكر جديد وعقل جمعي جديد عبر السماح بروح الابتكار والتجديد والمشاغبة الايجابية لأن تعبر عن نفسها من اجل البقاء في سباق التنافس الدولي ووضع بصمة في سجل الحضارة الانسانية. فالدولة التي لا تحلم ولا تستثمر في العقل البشري ستصبح جزءا من التاريخ، لذلك انا احرضكم على الحلم، فلا تقبلوا بدولة يائسة تعيش ليومها فقط ولا تحلم بالغد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي