رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2096

اللوحات التشكيلية والمنحوتات والإعلانات بحيز النظر

قيس العذاري
لدينا الكثير من البحوث الفنية بحاجة الى استكشاف، بعد ان غزت الغثاثة البحوث المدعية المعرفة او شؤون الثقافة، والثقافة بمفهومها العام تشمل كل شيء في حياتنا ومنها كمثال عاداتتا الغذائية ونوعه والاثاث باعتباره احد المنتجات الابداعية والفنون الحياتية. وهذا الجانب او المنحى الفني والحياتي من اكثر الفروع الفنية تطورا، لكن عدم الاهتمام به لا يلغي اهميته في الحياة اليومية، وربما يفوق في الحياة العملية الكثير من الفروع الثقافية والفنية الاخرى، ولكنه غير منظور بحكم العادة او الالفة. فالدخول الى صالة بيتية بسيطة ستشكل اللوحات التشكيلية والمنحوتات جزءا يسيرا من مكونات الصالة، بينما الاثاث يشكل النسبة الاكبر من لوحة الصالة، ويلعب الفراغ او الفراغات في الصالة دورا اساسيا بالتشكيل العام لها، او ما تتركه من انطباعات سلبية او ايجابية. وهناك جانب مخفي او غير محسوس؛ فالصالة اضافة الى تأثيرها الفني بشكل مباشر اذا احسن استغلال مكوناتها مع تناسب الفراغات بداخلها لها تأثير نفسي غير محسوس ولكنه يشكل احد اهم غايات الصالة من الناحيتين الفنية والنفسية.
وقد يفوق رواد الصالات البيتية اعداد رواد المعارض التشكيلية او النحتية باعتبارها ملتقى افراد العائلة والضيوف من مختلف الشرائح والمستويات الثقافية والاجتماعية. وقد تشكل بعض نماذج من هذه الصالات دافعا لتقليدها وانتشارها باشكال وترتيب مختلف ومتباين، يفوق احيانا تأثير اللوحة التشكيلية او المنحوتة التي تعرض وتختفي خلال ايام معدودة. 
مما يؤشر الى ان الفنون بمستوياتها التقليدية المعروفة لم تعد الرافد الوحيد للثقافة الفنية على مستوى الافراد او المجتمع. لانها انتقلت الى حياتنا العملية بشكل غير محسوس او تقليدي غير واضح من الوهلة الاولى. ودخلت الفنون والابتكارات سواء بتصاميمها الفنية او طرق استعمالاتها بجميع شؤون حياتنا اليومية والاجتماعية، واصبح الفن جزءا غير محسوس نصادفه بكل مكان تقريبا، اثناء تجوالنا في المدن والاسواق، حيث نصادف معارض فنية بشكل يومي تبيع مختلف المواد واللوازم الضرورية، اضافة الى انها تحتوي على جميع المؤثرات المفترضة لمعارض الرسم او النحت، اي الجاذبية والتأثير الذي يغني الثقافة الفنية، وينمي الذوق الفني العام لدى المشاهد والمستهلك.  
والمثال الاقرب اذا اخذنا احد الشوارع او المنتزهات فان المنحوتات او النصب تشكل حيزا صغيرا من الشارع او المنتزه قياسا بفضائه، واحيانا تطغى مكونات الشارع الاخرى خاصة اذا كان تجاريا على المنحوتات والنصب، او حتى الابنية التراثية واشكالها الفنية، اذا كانت تقع ضمن الشارع او فضائه العام. وفي كل الاحوال فان نصب ومنحوتات الشارع او المتنزه ليست وحدها من يقرر جاذبية الشارع او المنتزه او الرافد الوحيد لتشكيل الذوق الفني للرواد، انما احد روافده الاساسية. 
القشلة وشارع المتنبي وحيز المكتبات بشارع السعدون عبارة عن لوحات تشكيلية متحركة او غير ثابتة سوى عناصر محدودة فيها، او تقع ضمن مكوناتها كلوحات تشكيلية. وتشكل احد الروافد الاساسية للتأثير في الذوق الفني العام مع بعض الخصوصيات برغم انها ليست كذلك بمفهوم الفن التشكيلي وتقنياته ورغم ان تأثيرها يفوق تأثير معارض الفنون التشكيلية مهما كانت شهرتها وانتشارها، يظل تأثيرها محدودا، قياسا باللوحات التشكيلية المتحركة لتلك الشوارع، وحجم تأثيرها على الذوق العام.
وهذا بطبيعة الحال، لا يقلل من اهمية اللوحات التشكيلية او الفنون التشكيلية والمنحوتات وتأثيرها المحدود، رغم اننا نعتبرها مؤشرات على ان اللوحة والمنحوتة لم تعد معزولة عن الحياة، انما دخلت في العديد من نواحي حياتنا العملية بطريقة او باخرى. ولم يعد الفن التشكيلي او النحتي قابلا للتأثير او المساهمة بصياغة الذوق العام، اذا ظل حبيس ابراجه العالية او المتعالية ليتغلغل بشؤون حياتنا ومقتنياتنا واشكالها المجسدة لهذه الفنون. 
وعلى الصعيد الادبي، لم يعد الشعر ديوان العرب، او الرافد الاساسي لتطوير اللغة خاصة الشعر التقليدي او العمودي منه، واصبح تأثيره ودوره ثانويا، وعدد قراء الشعر خصوصا وصل الى ادنى مستوياته قياسا الى باقي الفروع الادبية كالسرد والنصوص بشقيها الشعري والنثري وسواهما من فنون الكتابة المعاصرة، علما ان الشعر العمودي ظل في تأريخ الادب تحت اسم: الشعر التقليدي ويرجع السبب الى انه حصر بقوالب محددة من الصعب وربما الاستحالة، اضافة الى اشياء جديدة او عمل تجديد ضمنها، يمكنه من مواكب تطورات عصرنا. وجدل التقليد او التشبه بالمعاني السابقة او المطروقة، انتبه لها نقاد الشعر منذ ما قبل عصر ابو هلال العسكري، ومن الامثلة على التقليد وتوليد المعاني نفسها. يذكر العسكري في كتابه :"ديوان المعاني" ان ابا عمرو بن العلاء قال لاصحابه يوما: ما احسن ما قيل في العيون قال بعضهم قول جرير:
ان العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن اضعف خلق الله انسانا
ويواصل العسكري بالقول: اخذ بعض المحدثين قول جرير "وهن اضعف خلق الله انسانا" فقال:
كأنما ازدادت قوى اجفانها
ضعفا تقوين على ضعف القوي
ومثله قال الناشئ:
لا شيء اعجب من جفنيه انهما
لا يضعفان القوي الا اذا ضعفا
والغرض من ذلك ان الشعر التقليدي ظل بمجمله يولد نفس المعاني المكررة باساليب مختلفة، واطلق في عصرنا او صيغ بمصطلح منفرد دعي بـ"التناص" والكثير من النقاد العرب، ادعوا ان اصل المصطلح الغربي كتاب ابو هلال العسكري: "ديوان المعاني". وبغض النظر عن ذلك فان التناص بمفهومه الغربي ابعد من عملية توليد نفس المعاني باساليب مختلفة وبذلك عجز الشعر العمودي عن مواكبة شؤون عصرنا، وطغى النص على ما عداه، وتراجعت كذلك نتيجة لهذه التطورات قصيدة التفعيلة التي شكلت في الستينات وما بعدها حضورا لافتا في الثقافة العربية، لكنها سرعان ما تراجعت كذلك لتفسح المجال للنصوص بشقيها النثري والشعري لاخذ الصدارة في المشهد الشعري العربي. ولكنه ظل تأثيره محدودا بسبب تراجع عدد قراء الشعر عموما، وبالتالي تراجع تأثيره وحضوره في التأثير او اعادة بناء الثقافة العربية او المساهمة بشكل فعال بمواكبة تطورات عصرنا.
هكذا تطورت الكثير من المفاهيم حول الثقافة والفنون ودورها في بناء الذوق الفني والثقافي العام في المجتمع، اهمها الخروج الى الشارع والمقهى والاسواق او النزول من الابراج المتعالية، اذا ارادت ان تكون مؤثرة ومساهمة بتشكيل وبناء الذوق العام على المستوى الثقافي والفني بدون التحصن في القوالب والاساليب القديمة التي فقدت تأثيرها وحضورها في المجتمع. الثقافة والفنون في الدول المتقدمة تغلغلت بجميع شؤون الحياة ونجدها حتى في الاعلانات التجارية التي يشاهدها ملايين الافراد، بينما نجد الفنون والثقافة في تراجع بمجتمعاتنا العربية، وعجزها عن مواكبة ما يحدث من تطورات ثقافية وفنية في عصرنا.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي