رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2062

ما القديم الجديد فـي الدولة العجائبية والغرائبية العراقية؟

كاظم حبيب
من يتابع تصريحات الأحزاب والقوى والسياسيين، بمن فيهم، وأكثرهم، من أصحاب النعمة الحديثة المنهوبة وسياسيي الصدفة، يجد أنها تدور عن رفضهم للمحاصصة الطائفية والدعوة للدولة المدنية، حتى المرجعية الشيعية التي يفترض ألَّا تتدخل بالسياسة، تتدخل من أوسع أبوابها وتؤذي سمعتها ودورها الديني والاجتماعي ومكانتها في المجتمع العراقي. ولكن هل حقاً هناك تحول إلى الدولة المدنية العابرة للطائفية والأثنية، أم لا تزال المحاصصة الطائفية والدولة الطائفية بسلطاتها الثلاث هي السمة والسياسة الفعلية للقوى الحاكمة ومن معها من الأحزاب والقوى السياسية العراقية؟ هل أعاد القديم القائم إنتاج نفسه باسمٍ دعائي كاذبٍ وفاشلٍ جديد؟  
لقد أُبعدت هوية المواطنة والوطن وكُرّست الهوية الفرعية القاتلة، لقد انتخب رئيس مجلس النواب على أساس هوية فرعية هي المذهب السني في الإسلام المستباح، وانتخب على ذمة المعلومات السائدة بدفع مبلغ طائل يصل إل 30 مليون دولار لكي يصبح رئيساً للمجلس، ونائب الرئيس الأول شيعي المذهب في الإسلام المستباح أيضاً، والنائب الثاني كردي الهوية، ولا أدري ما هي المبالغ التي دفعت لهذين المنصبين، على وفق ما جاءت به النائبة ماجدة التميمي حول رئيس المجلس وطريقة انتخابه ودور أبو أحمد الجبوري في المسألة!! فما هو الجديد في المؤسسة التشريعية العراقية؟ هل تحولت إلى مؤسسة مدنية حقاً ومواطنة عراقية حقاً أم لا تزال كما كانت طائفية وأثنية حتى النخاع؟ في هذه السلطة التشريعية لا يجوز لمسيحي أو مندائي أو إيزيدي أو تركماني مخلص وأمين ومثقف عالي المستوى أن ينتخب لهذه المواقع الثلاثة، بل لا بد أن يكون سنياً وشيعياً وكردياً على التوالي!! فهل هذا يتناغم مع حقوق الإنسان، بل حتى مع الدستور العراقي الراهن؟ 
والآن يأتي دور رئيس الجمهورية، إذ لا بد أن يكون كردياً، بل وأكثر من ذلك، لا بد أن يكون من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني؟ وهنا استبيحت هوية المواطنة العراقية لصالح الهوية الفرعية أيضاً، سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية. والسؤال لماذا لا يحق للمسيحي والمندائي والإيزيدي والتركماني أن يرشح وينتخب لهذا الموقع المهم في الدولة العراقية، وهم، على وفق الدستور العراقي، مواطنون من الدرجة الأولى؟ هل هذه الدولة التي تنتخب رئيس البلاد، ولو شكلياً، على أساس محاصصة وليس على وفق مبدأ المواطنة، هي دولة مدنية وديمقراطية؟ ليس هناك عاقلاً واحداً بالبلاد يصدق هذه الفرية أو الكذبة التي ترددها الأحزاب الإسلامية السياسية، ولاسيما ميليشياتها الطائفية المسلحة؟ الوحيدون الذين يمكن أن يصدقوا كذبتهم هم المدعون كذباً أنهم يبنون دولة ديمقراطية ومجتمعاً مدنياً!!! هذا ما سيحصل يوم 25/09/2018 في انتخاب أحد مرشحي الكتل الكردية. ليس هناك اعتراض على انتخاب كردي لهذا المنصب ولأي منصب آخر في الدولة العراقية، بل الاعتراض أنه ينتخب على أساس المحاصصة الأثنية والطائفية في دولة طائفية بامتياز وبعيدة كل البعد عن مبدأ المواطنة والهوية الوطنية! هنا تحدثنا عن الذكور في الانتخابات في حين أن المرأة محرومة كلية من كل هذه المناصب، وهو امر بالغ الخطورة في دولة أكثر من نصف سكانها من النساء، إنه المصادرة الحقيقية لحقوق المرأة ومساواتها في المجتمع! 
وسيأتي بعد ذلك إيجاد مرشح من الأحزاب والقوى الشيعية لينتخب رئيساً لوزراء العراق حصراً! هنا يأتي السؤال العادل والمشروع: لماذا هذا الحصر بالشيعة لو كانت الأحزاب والقوى السياسية العراقية تريد بناء دولة مدنية وديمقراطية، وتريد الخروج من عنق الزجاجة الطائفية التي حُشر العراق فيها حشر وهو يختنق فيها ومنها يومياً، وتجد تعبيرها في واقع العراق الدامي والمرير؟ لماذا لا يكون مواطناً أو مواطنة من أي دين أو مذهب أو قومية أو من أي حزب يحدده الناخب الحر والديمقراطي والذي يحترم ضميره وذمته؟ 
سيأتي مجلس الوزراء على شاكلة سلفه البائس والمحنط والذي عجز عن محاربة الفساد والفاسدين المتربعين على مواقع الدولة العراقية بكل سلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية والميليشياوية المسلحة وهم يحتلون كل الوظائف الأساسية بل حتى الكثير من الثانوية في البلاد وعلى أساس طائفي أو أثني وحزبي، كما عجز عن تحسين ولو جزئياً من الخدمات التي يفترض أن تقدم للشعب، بل زاد في الطين بِلة. والمكسب الوحيد الذي لعب دوره فيه هو تحرير العراق من داعش، وأن لم ينتهِ بعد! وهو مكسب كبير. 
أما الحديث عن التغيير فأقرأ أيها المواطن العراقي، واقرأي أيتها المواطنة العراقية، السلام لا على التغيير فحسب، بل وعلى الإصلاح الذي تبخر فعلاً، بعد هذه الطريقة في انتخاب رئيس المجلس ونائبيه، وما سيلحقه من انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، فنقرأ جميعاً على الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي في العراق السلام، إلى حين أن ينهض الشعب ليكنس الرثاثة السائدة في البلاد. 
إن من واجب القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية العراقية أن تكون صريحة وجريئة وواضحة حول ما يجري في العراق، عليها فضح ما يجري وليس السكوت عنه وابتلاع اللغم الذي سيتفجر بصيغة ما في داخلها وفي المجتمع.
العراق أمام وضع صعب ومعقد للغاية، لاسيما وهناك محاولات جادة لمساومة قذرة في غير صالح العراق تبدو متحركة في سماء السياسة العراقية الملبدة بالغيوم الكثيفة، حيث إيران تمارس ضغوطاً بصورة مرعبة ومدمرة لاستقلال وسيادة العراق ولطموح الناس في دولة ديمقراطية ومجتمع مدني حديث. إننا أمام وضع شبيه بما جاء في تلخيص صائب وصادق لندوة نقاشية جرت في مجلة الثقافة الجديدة العراقية والتي أشار الملخص السيد عادل عبد الزهرة فيها إلى الحقيقة التالية:     
"هناك أزمة هيكلية ولا يمكن الحديث عن اصلاح في ظل ادارة دولة مهدمة ،أصبحت السياسة في العراق عبارة عن توزيع المغانم، يحتاج الإصلاح الى مصلحين كما تحتاج الديمقراطية الى ديمقراطيين، ليس لدينا مصلحين في العراق بسبب وجود معوقات وسيطرة عقول فاشلة على الدولة، إضافة إلى سيطرة الفساد وعملية النهب المنظمة، أذا أردنا الإصلاح فنحتاج إلى مصلح محاط بقاعدة اجتماعية مساندة، الإصلاح منظومة اجراءات تحتاج إلى أدوات ومؤسسات قانونية والى ادارة عملية الإصلاح ،البيئة الاقليمية والدولية هي بيئة طاردة لعملية إصلاح العراق، العراق فضل المكوناتية على المواطنة، لدى العراق رقم قياسي في التوافقية وليس الدستورية، الاستجوابات في البرلمان العراقي هي لأغراض الاسقاط السياسي وليس كما في البرلمانات في العالم، الفساد في العراق ظاهرة وليس حالة وهو ليس عفويا وعشوائيا وانما هو ممنهج وهو من أخطر الأمراض ربما يتجاوز الإرهاب، ننظر إلى العراق من ثقب المكونات وليس من البوابة الوطنية العراقية، هناك سوء فهم للفيدرالية في العراق وعلينا أن ننظر إليها نظرة صحيحة، ينبغي أن تقوم المؤسسة العسكرية على أساس المواطنة، قضية بيع المناصب تعكس درجة الاستخفاف بالمؤسسات، .." إلخ. (راجع: مجلة "الثقافة الجديدة" تقيم حوله طاولة مستديرة: اصلاح النظام السياسي في العراق – الواقع والرهانات، مركز الاتصالات الإعلامية (ماتع)، الحزب الشيوعي العراقي). والمقصود بالمكوناتية الطائفية والأثنية، والتوافقية تعني هنا المساومة المخلة بالدستور! (ك. حبيب). 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي