رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2331

من التاريخ المنسي: مدرسة شماش

الاثنين - 13 اب( اغسطس ) 2018

 مازن لطيف
ربما لم يكن يتخيل الثري العراقي يعقوب شلومو شماش - يوماً - أن حلمه في تأسيس مدرسة، ترفع المستوى العلمي لطلبة عراقيين، من أديان مختلفة، وربما متناقضة، وتأهيلهم؛ ليكونوا قادة حقيقيين في ميادين علمية وسياسية واقتصادية وأدبية، لبلاد وقعت فريسة الجهل والفقر، بعدما كان موطن أوّل حرف في تاريخ الحضارة الإنسانية. لم يكن يتخيّل أن مدرسة شماش الرائدة ببغداد ستغدو في الألفية الثانية "كراجا" لوقوف سيارات مستوردة من الخارج، يتحصّل بها العراقيون رزقهم، بعد أن أضحت حياتهم مفرغة من الحياة. 
وقتذاك؛ فكّر شماش، بافتتاح مدرسة، لن تكون حكراً على يهود عراقيين، لكنها كانت مشرّعة أبوابها أمامهم بالدرجة الأولى، وعُيّنت إدارة لمدرسة شماش، وقد حملت اسمه، وتولّى رئاستها أخوه يوسف شلومو شماش، فاشترى المؤسّس بناية؛ لتكون مقرّ المدرسة الجديدة، وهيّأت مستلزماتها، لتفتح أبوابها في العام 1928، لتكون مدرسة لغة التعليم الأولى فيها اللغة الإنكليزية، ولا تقلّ أهمية عن مدارس الاليانس الشهيرة، إذ ذاك، ولغة التعليم الأولى فيها اللغة الفرنسية.حظيت المدرسة باهتمام الطلبة اليهود المهتمّين بالثقافة الإنكليزية، فكانت المدرسة تمنح طلبتها شهادة كفاءة في اللغة الإنكليزية "المتريكوليشن"، تؤهّلهم لدخول الجامعات البريطانية، من دون اجتياز اختبار في اللغة عند التحاقهم بها. 
كانت - أيضاً - تطلق دورات خاصة لغير طلبتها استعداداً لأداء امتحان (Matriculation) الذي يؤهّل الناجحين فيه لدخول الجامعات الناطقة بالإنكليزية. وحفاظاً على المستوى العالي لهذه الاختبارات، كان الطلبة يُنتَقون بشكل دقيق. وتقول إحصائيات أن 90 % من أولئك الطلبة كانوا يهوداً، واعتبرها البعض - أي مدرسة شماش - مدرسة إنكليزية، بكل معنى الكلمة. 
في الأعوام العشر التي تلت تأسيسها، اتّسعت مدرسة شماش، لتكون مدرسة ثانوية متكاملة، تضمّ مدرسة متوسطة، فضلاً عن الإعدادية، كان ذلك في العام 1941. لكنْ؛ بعد ثمانية أعوام (1949) ألحقت المدرسة المتوسطة بمدرسة (فرنك عيني)، لتدمج معها المدرسة الإعدادية الأهلية، لتقتصر مدرس شماش - فقط - على المدرسة الإعدادية، مستمرة على تخصّصها هذا حتّى إغلاقها في عام سحب الجنسية عن اليهود العراقيين (1951)، وسفّر غالبيتهم قسراً إلى خارج بلاد الرافدين، فانتفت الحاجة للمدرسة الرائدة كبقية المدارس اليهودية الأخرى. 
تخرّج من صفوف مدرسة شماش كبار رجال المال والإدارة والعلم العراقيين، مسلمين ومسيحيين ويهود، كانت المدرسة بمنطقة الحيدر خانة، صاحبة الجامع الأشهر، وكانت وقفاً من العقار تسلسل 290 جديد حسن باشا، وفي المنطقة ذاتها، اشترى الأخوان شماش - وهما يوسف ويعقوب - 17 دكاناً مع صيدلية وفندق، لتكون وقفاً يهودياً عراقياً، فعُمّرت تلك الدكاكين والمدرسة والمباني الأخرى، ليذهب ما تبقّى من ريع الوقف إلى الجمعية الخيرية الإسرائيلية المعروفة باسم (انكلو جويش اسوسيبشن) في لندن؛ ليُضاف إلى رأس المال المباشر، من أجل استرباحه هناك. كانت المدرسة تلاصق بناية "فندق صباح الخير" الفندق الشعبي، وتلاصق من الجهة الأخرى مقهى حسن عجمي، وتقابل جامع الحيدر خانة. 
تسلّم شماش البناية عام 1928، بعد أن وافق على أن تكون دروس التوارة والدين ضمن البرامج الدراسية ودراسة اللغة الإنكليزية بصورة مكثفة، لاجتياز امتحان المتركليشن بصورة إجبارية، بالإضافة إلى تطبيق مناهج الحكومة الرسمية للدراسة الثانوية (البكالوريا). 
ضمّت المدرسة في البداية مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، وفي عام 1941، أُلغيت المرحلة الابتدائية. 
وفي العام الدراسي 1944 – 1945 افتتحت المدرسة صفوفاً مسائية لدراسة العلوم التجارية ومسك الدفاتر والمواصلات، وكانت اللغة الإنكليزية تُدرّس لمدة سنتين في الفرع التجاري، وهو أوّل فرع تجاري نظامي دراسي في العراق، وقد أُغلق عام 1947 بعد إنشاء كلية التجارة والاقتصاد. وفي عام 1949، نقل القسم المتوسط فيها إلى مدرسة فرنك عيني، وتمّ دمج الإعدادية الأهلية بالقسم الإعدادي، وأصبحت المدرسة إعدادية فقط، وكان آخر مَن أنهى الدراسة الإعدادية فيها الأخوان سامي وريموند معلم - موريه اللذان أصبحا - فيما بعد - أستاذين جامعيين أسوة بعشرات الأساتذة التي أغنت هذه المدرسة الجامعات في العالم، كان المعلّمون من إنكلترا، ودول أخرى، ثم تدخّلت الحكومة العراقية، وأمرت بطرد المدرّسين الأجانب، والاستعاضة عنهم بمدرّسين عراقيين مسلمين؛ لأن وزارة المعارف بدأت تشعر بوجود رائحة الصهيونية في المدرسة. 
ومن أبرز المدرّسين فيها؛ كان المفكر الماركسي اللبناني الأصل حسين مروة؛ حيث كان يدرّس مادة اللغة العربية الذي كان يعقد فيها مسابقات في كتابة القصة القصيرة، فاز فيها الطالب سامي إبراهيم معلم بالجائزة الأولى عام 1949، وكان الأستاذ محمد شرارة يلقي محاضرات فيها. 
كانت المدرسة تُموّل من الجمعية اليهودية البريطانية - الفرع البر يطاني للاتحاد الإسرائيلي الإليانس. 
يذكر الأستاذ ضياء ابن الأديب أنور شاؤل، أنه درس في مدرسة شماش المتوسطة والثانوية 1951 – 1946، وكانت سنوات دراسته حافلة بأحداث سياسية خطيرة، أهمّها ألوثبة ضدّ "معاهدة بورتسماوث" بين بريطانيا والعراق، ثم حرب 1948 بين العرب واليهود في فلسطين، حين شارك طلاب المدرسة طوعاً، وبحماس وإخلاص في المظاهرات الشعبية التي تبعت نجاح الوثبة. بعد بضع سنوات، شاركوا - هذه المرة إكراها - في قسم من المظاهرات الصاخبة التي واكبت زحف الجيوش العربية لتحرير فلسطين. لا يمكنني أن أنسى تجمّعنا مع بقية المتظاهرين في ساحة كبيرة، لم تبعد كثيراً عن مدرستنا، واستماعنا إلى خطبة مسمومة لأحد المتعصّبين، ذكر فيها وهو يصرخ جهراً ذاكراً الحديث الملفّق الخرافي التي سمّاه المعجزة عن الصخرة التي تكلّمت؛ لتقول: يا مسلم، هذا يهودي يختبئ ورائي، تعال، اقتله!. ويواصل ضياء شاؤل حديثه قائلاً: للمدرسة صفوف وغرف واسعة محاطة بالنوافذ الكبيرة، يدخلها النور والهواء النقي. كان هناك كنيس متواضع يشغل قسماً من الطابق الأرضي، وكانت غرف الطابق الأعلى تتضمن مختبراً واسعاً بكامل المعدات لتجارب موضوع الكيمياء، يقوم بها الدكتور نسيم نسيم، وأصله من الديوانية. كان هناك - أيضاً - مسرح كبير للتمثيليات، وجناح خاص لاستراحة التلميذات اللواتي اشتركن في الدراسة في الصفّين الرابع والخامس الثانويين. 
في السنوات الأولى لدراستي، كان للمدرسة صفّ مسائي لتدريس الاقتصاد والتجارة، ربما كان الأوّل من نوعه في عراق ذلك الحين. تجدر الإشارة - هنا - بأن أحد المحاضرين في هذا الصفّ كان طيّب الذكر والدي (أنور شاؤل). كانت اللغة الإنكليزية إحدى مواضيع الدراسة المهمة في مدرسة شماش التي كانت تعدّ تلاميذها لاجتياز امتحانات "المتريكوليشن" لجامعة لندن، لذلك كانت إدارة المدرسة تستعين بالمعهد الثقافي البريطاني ببغداد، لاستقدام خيرة مُدرّسي اللغة الإنكليزية مباشرة من بريطانيا، للتدريس في الصفّين الرابع والخامس، تمّ إجراء الامتحانات في بغداد، واجتيازها بنجاح من جانب أغلب تلاميذ المدرسة الذين تقدموا للامتحان، أمّا عن اللغة العربية؛ فقد حظي تدريسها باهتمام بالغ من قِبل إدارة المدرسة، فكانت تجلب من الدول العربية الشقيقة لتدريسها كبار الأساتذة، أذكر منهم الأساتذة محمد شرارة، أحمد مغنية، وحسين مروة. وكان مدرّس اللغة العربية الأخير في مدرسة شماش هو الأستاذ محمد حسن الصوري، أمّا المدرس الذي لا يمكنني نسيانه؛ فقد كان العالم الفلكي العراقي رشيد رشدي الذي تجاوز عمره السبعين عاماً، وكان يدرّسنا علم الجغرافية في ألصفين الأوّل والثاني. كان يُلهب خيالي عندما يحدّثنا عن النجوم والكواكب التي كان يراقبها بواسطة المنظار الجبار الذي كان بحوزته. كنتُ في نهاية اليوم الدراسي أتبعه مع مجموعة من الطلاب إلى الحلاق الذي كان يقصده بجانب المدرسة؛ لكي نسمع منه المزيد عن روائع علم الفلك. 
بعد تهجير يهود العراق عام 1950، أصبحت المدرسة تحت رعاية مديرية الأموال المجمّدة (استُحدثت هذه الدائرة لإدارة وحماية أموال وممتلكات اليهود بعد هجرتهم من العراق)، وتحولت المدرسة إلى الجالية الإيرانية في العراق، وكان اسم المدرسة مكتوباً في أعلى البوابة باللغة الفارسية (دبستان ودبيرستان شرافت إيرانيان). ويُروى أن أحد مُدرّسي هذه المدرسة - اليوم - كان يقول لطلبته، "إنكم تدرسون في بناية مدرسة كانت أفضل مدرسة في العراق في العهد الملكي".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي