رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

انتحار الكاتب ستيفان زفايج

خاص - العالم

)ستيفان زفايج وداعاً أوروبا) هو عنوان الفيلم الجديد الذي يتناول مأساة انتحار الكاتب ستيفان زفايج، وقد بدأ الناقد الفني لصحيفة الغارديان ستيوارت جيفريس مقالته عن الفيلم بالاشارة الى العبارة التي قالتها ماريا شريدر، الممثلة الألمانية المعروفة "كل حادثة انتحار تخفي دائما سراً وراءها، شيئاً ما مجهولاً لا تكشفه كل الأسباب والتفسيرات" وهي تتحدث عن موضوع الفيلم الذي قامت بإخراجه وتم ترشيحه لنيل جائزة الأوسكار. غادر الكاتب ستيفان زفايج وطنه في عام 1934 مع صعود هتلر متوجها إلى لندن ومن ثم نيويورك واستقر أخيراً في بيتروبوليس، وهي بلدة جبلية تبعد 60 كم شمال ريو دي جانيرو التي أصبحت موطناً لمجموعة من المنفيين الألمان. في 23 شباط من عام 1942 وكان يبلغ من العمر حينها 60 عاماً عثر عليه منتحرا هو و زوجته الثانية لوت، 33 عاماً من قبل الخدم بعد تناولهما جرعة زائدة من المنومات

من الصعب أن نفهم على وجه الدقة لماذا قتل هذين الزوجين نفسيهما. وكان ستيفان زفايج قد انتهى لتوه من تأليف كتاب،بعنوان البرازيل: أرض المستقبل، يمتدح فيه وطنه الجديد.وتظهر زوجته لوتا، في أحد مشاهد الفيلم وهي تروي لأحد المرشدين الذي يريهم إحدى مزارع السكر لماذا تحب هي وزوجها الجنة البرازيلية: "هنا تعيش مختلف الأجناس معا بشكل طبيعي بحيث يبدو الأمر وكأنه معجزة بالنسبة لنا ."

في مشهد آخر،يقف ستيفان زفايج وزميله المنفى الألماني على الشرفة وهما ينظران الى الببغاوات وهي تحلق فوق المناظر الطبيعية الاستوائية الرائعة. وهو يقول "نادراً ما كنت أشعر بمثل هذه المتعة في الأشهر الثلاثة الماضية. لا شيء سوى العمل والمشي والقراءة. ليس لدينا أي سبب للشكوى "،.فيوافقه صديقه جذلاً. "

ولكن بعد ذلك يسقط قناع الطمأنينة. ستيفان زفايج ، الذي يؤدي دوره ببراعة الممثل الاميركي جوزيف هيدر كان حتى الآن رجلاً ساحراً ورقيقاً، ينظر بغضب نحو زملائه المقربين ، والدموع تترقرق في عينيه: وهو يقول "كيف يمكن للمرء أن يتحمل كل هذا؟".

ويبدو الأمر كما لو أن العيش في الجنة يجعل فقدانه لأوروبا الحبيبة أكثر صعوبة. ولكن ذلك لن يكون سوى شرح اختزالي لتفسير السبب الذي جعله يقتل نفسه بعد بضعة أشهر من هذا المشهد. للمخرجة شريدر بالتأكيد الحق في الاشارة الى أن كل حادثة انتحار تخفي ورائها أسراراً. ومن المحتمل إن المخرجين الأقل تمكنا منها كانوا قد سردوا موضوع الفلم منذ البداية وأرسلوا البطل بلا شفقة نحو مصيره المتوقع. ولكن المخرجة شريدر، بدلاً من ذلك، خلقت مساحة تسمح للكاتب أن يدفن معه سره النهائي.

في وقت وفاته، كان ستيفان زفايج واحداً من الروائيين الأكثر شعبية في العالم (باستثناء بريطانيا حيث كان دائما غير مقروء على نطاق واسع). ونشرت أخبار وفاته على الصفحات الأولى من الصحف الأميركية جنباً الى جنب مع خبر اعلان الحرب من قبل الرئيس روزفلت. تقول المخرجة شريدر، التي تعتقد أن صدى مأساة انتحار زفايج كان يتردد بشكل غريب على مر السنين. "لقد فوجئت بجميع القضايا التي نتجت عن هذا القرار المزعج. كيف يمكنك التعامل مع عالم يتحول إلى التطرّف؟ هل هناك شيء أكثر قيمة من السلامة البدنية والسعادة الشخصية؟ خلال سنوات البحث والتقصي عند الاعداد لاخراج الفيلم لم يكن لدي أي فكرة عن مدى ملاءمة هذه الأسئلة لواقعنا اليوم –ولكن الامر أصبح واضحاً مع تزايد أعداد اللاجئين الهاربين من أوطانهم بحثا عن ملاذ آمن في أوروبا ."

وفيلم شريدر - الذي تم اختياره في القائمة القصيرة للأفلام المرشحة لنيل جائزة اكاديمية الفيلم الأوروبي وبدأ يشتريه الموزعون في جميع أنحاء العالم (باستثناء المملكة المتحدة، كما اخبرتني شريدر) – يقدم على شاشات السينما ونحن نعيش أزمة لاجئين جديدة. وتشرح المخرجة ذلك قائلة "انه عكس ما حدث قبل 70 عاماً عندما غادر الملايين من الناس القارة. الآن يبدو أن أوروبا تقدم الأمل للكثيرين. إنهم يريدون أن يكونوا على الجانب الأيمن من البحر الأبيض المتوسط ". اليوم، تسعى ألمانيا على وجه الخصوص إلى أن تكوّن صورة جديدة عنها غير تلك التي عرفها الناس عنها أيام حكم هتلر.

لماذا تثير مأساة ستيفان زفايج اهتمامنا اليوم؟ أحد الأسباب هو أن التاريخ عادة ما يكتب من قبل المنتصرين، وقصص المنفى غالبا ما تتحدث عن أولئك الغرباء الذين ازدهرت حياتهم في أراضي غريبة، أو على الأقل، لم يستنفذها فقدان الوطن لكن انتحار زفايج وفلم المخرجة شريدر قد يكونا بمثابة تصحيح لهذا الامر.

كتب ستيفان زفايج في رسالة انتحاره يقول :

 ... ان يبدأ المرء كل شيء من جديد بعد عامه الستين لهو أمر يتطلب ميزات خاصة، ولقد استنفدت كل قواي بعد سنوات من التجوال بحثاً عن مأوى. ولذلك فإنني أفضل أن أنهي حياتي في الوقت المناسب، وأنا في أحسن حالاتي، كرجل كان العمل الثقافي يمثل دائما بالنسبة له مصدر سعادته وحريته الشخصية – وهما أثمن ما يمكن أن يمتلكه الانسان على هذه الأرض.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي