رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

حسام السرايي يسكن حي السموات السبع فيحلم بالكرادة

عبد الجبار العتابي

اقام الشاعر العراقي حسام السراي حفل توقيع مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان (حي السماوات السبع) وقد استضافته مؤسسة برج بابل للتطوير الاعلامي، حيث شهدت الاحتفالية قراءات شعرية قدمها الفنانان المسرحيان جبار جودي ومازن محمد مصطفى فضلا عن الشاعر ،وقدم الجلسة الشاعر ميثم الحربي الذي شرح في قراءة نقدية ما احتواه الكتاب، وتحدث عن اشتغالات السراي واسلوبه في عرض قصائده والتعامل معها وكيف يوظف أدواته في كتابة قصيدة مميزة كهذه، وتضمنت الاحتفالية عرض التخطيطات التي ضمتها المجموعة الشعرية التي ابدعها الرسام كريم رسن التي استوحاها من نصوص المجموعة حيث عدت التجربة من التجارب الابداعية التي ينجسم فيها الشهر مع الرسم .

يقع الكتاب الصادر عن دار الرافدين في بيروت 52 صفحة من القطع الصغير ،ويتضمن نصا واحدا طويلا، فيه مقاطع وأكثر من استدراك ، ان كان المقطع يخبيء ناره تحت وجع اللغة فالاستدراك يفصح عن ذلك الوجع ويشعله، فالنص يتحدث عن مدينة (نيويورك)، ولكن الشاعر يرسم فيه استعادة لمدينة بغداد وهو في ذلك المكان البعيد ، فقد ولدت نصوص المجموعة بعد زيارة الشاعر للولايات المتحدة وتحديدا مدينة نيويورك وضمنها استدراكات ومقارنات ومقاربات بين الواقع المحلي العراقي ونظيره الامريكي وبقصدية عالية كما يذكر الشاعر ،ولعل اهم هذه المقاربات ماحدث عام 2001 في مدينة نيويورك من تفجير لبرجي مركز التجارة العالمي والتفجير الارهابي المأساوي الذي طال (مجمع الليث) التجاري في مدينة الكرادة ببغداد عام 2016 وتهطل مشاعره مضمخة بالاسى في نظرته للشهداء الذين سقطوا جراء هذا العمل الاجرامي الجبان ،كما يتذكر اصدقاءه ممن رحلوا ضمن قافلة الشهداء في ذلك اليوم المشؤوم الذي ما زالت رائحته تملأ المكان .

نشيد شعري

لا اهداء في المجموعة الشعرية ةلا مقدمة ، بل هناك رأي على غلاف الكتاب الأخير ، رأي للشاعر فاضل العزاوي بالكتاب قال فيه (كثيرون هم الشعراء الذين كتبوا قصائد عن نيويورك، مثل والت ويتمان وغارسيا لوركا ولانغستون هيوز وميروسلاف هولوب وأدونيس، وهو ما فعله الشاعر حسام السراي أيضا بعد زيارة لمدينة نيويورك التي لا تكاد تنتمي الى أميركا. ولكنه ليتجنب الوقوع في فخ الانطباعية السياحية جعل قصيدته عن المدينة قصيدة عن نفسه قبل كل شيء، لنتذوق معه طعم مرارة العالم المتداعي القديم الذي جاء منه، ونشاركه دهشته إزاء عالم آخر مختلف. (حي السماوات السبع) نشيد شعري طويل ومتدفق، بنبرة رثائية شخصية، غنية بإيحاءاتها، صرخة في ليل ضد تاريخ كامل من الأوهام).

انهيارات وعناءات

في النص.. يبدأ الشاعر بسرد تفاصيل رحلته الى اميركا ،لاول مرة، بتكثيف شعري، يحاول ان يزرع الدهشة في نظراته حيث تأخذه الاشياء الى جمالياتها وارتفاعات ابنية المدينة العالية ، يبدأ من حيث يرى ما لم ير :(..الى أنوار منهاتن/ قدماك في مطار أبيض/ اسمه John F Kennedy/ وأوراقك بيد شرطية جوازات من إفريقيا/ لا حدود للعقل كي يمتحن الألوان)، يحاول ايضا ان يتغنى بما يرى لكن ذاكرته ترده الى اعماقها حيث تباغته اطياف الاحداث العابرة من التاريخ الذي قرأه والارض التي عاش عليها ، يسمع : نشيد (على خط النار يا ابن امي) و ينصت لـ (جاءنا البيان التالي)،وصولا الى تهجده وعبوسه حين يابى على مسامعه (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل ...) ،فهذه الاشياء ولدت من شحنات ولادة الاشياء التي يراها امامه قبل ان يتوقف ازاء (طائرات متقدتان بين السحب/ أعلى فأعلى تصاعد تحليقهما على المقاعد/ تلاقت ذئاب كانت منا ذات يوم/ نحن طرائدها في الجنة والنار..)، هذا الحادث الذي يستذكره الشاعر وهو يقف هناك امام بقايا (البرجين) فيرتد سريعا الى بغداد فيقف امام (مجمع الليث التجاري) الذي التهمته تماما سيارة ملغومة ادت الى تلاشي وذوبان الناس هناك (في الساعة 8:46 am بتوقيت نيويورك / بعد 12 عاما، يترجل الزائر نحو المقتلة / او ما يتخيله منها /السواد الذي يلبسه (coat) اشتراه من مجمع الليث ببغداد) حيث يرسم في استدراكه الثاني الوجع كله الذي يعتريه (.. بأسوده الوافد مثلك تهبط على رماد مركز التجارة العالمي ،في ساعة كان فيها مجمع الليث البعيد حيا، المكان البغدادي :الكرادي،بعد الاف الساعات، في الـ 3 من تموز 2016، موديلاته الجديدة تفجمت،الباعة فيه تحرقوا،ومن اشتريت منهم الـ coat الاخوة الثلاثة مسعود وحسن مصطفى ،ماتوا الف مرة وما استراح منهم الموت)، ومع ذلك لا يريد ان ينسى انبهاراته النيويوركية (دهشة الشوارع، مفترق طرق هناك ،بيت روبرت دي نيرو، البنايات الشاهقة،اللون الأصفر لإعلان الكوداك الأليف، الإنارة المتبدلة فوق مسرح برودواي).

هذه الزيارة الى المدينة ذات السموات السبع، بكل ما فيها من تغييب للحاضر المعاش لكثرة الانبهارات ، الا ان بغداد تقف امام العيون يراها من بعيد ، يقرأ ما فيها من توهجات ما يرى ،كأنه يقول في سره اي حاضر هنا واي حاضر هناك ، لا تسعفه المناظر والموسيقى الا بتلك التي عليها بغداد وحكاياتها التي تتوزعها الطائفية والمحاصصة والقتل على الهوية : "السيّارات /تنفجرُ أينما كانت مركونة، القطط تتعوّد منذ شباط 2006 عَطَن أشلاء/علي وعمر ومن تلاهما من العراقيّين. الكلابُ تهرُّ معتذّرة عن سوءات جَلَبةِ الشُّركاء في المنطقة الخضراء"

مع كل ما ذهب اليه في رحلته النيويوركية ومقارناته ومقارباته الا انه يختتم مجموعته بما يريد ان يحتفظ لنفسه من شجن او عزاء فيقول :

(لا تَبْتَئِس،

هذا عِيدُ مِيلادٍ فِي غَيرِ مَوْعِده

تَهِيمُ بِكِتَاب لهادي العلوي

عَن أحوالٍ وبَصَائرَ غَيرِ قَلِقَة

وتَطْرَبُ لأغنيةِ رَاهِبِ ألحَان

اسْمُه مَروان خُوري

بإغْمَاضٍ لثَوانٍ،

وبِلا إشْفَاقٍ عَلى مَا كَان

تَحْرُثُ فِي أخْطَائِك،

طَلَباً إلى بَذْرَةِ التَطَهُّر

فَيَحِينُ مَوْعِدُ المُغَادَرَة).

تداخلات عميقة

قال السراي : كتابة النص كانت صعبة، هناك تداخلات عميقة في هذا النص اشتغلت عليها، وانا اكتبه، بعد الكتابة الاولى العفوية، جرت احالات ومراجعات كي يكون مهيئا للترجمة، التداخلات في النص هي تداخلات دينية وسياسية لأحداث ثقافية، وحتى تداخلات تصل الى مستوى العقائدية.

عن تجربته مع الفنان كريم رسن يقول السراي : هي تجربة ليست بالجديدة فهناك مثلا تجربة الشاعر يوسف الصائغ بديوانه (انتظريني عند تخوم البحر) مع الفنان التشكيلي العراقي العالمي ضياء العزاوي وكذلك تجربة الشاعر سعدي يوسف في ديوانه ( خريف مكتمل ) مع الفنان التشكيلي صدام الجميلي ،التجربة مهمة في مواجهة الشعر العمودي والشعر الشعبي ،انا سعيد بهذه التجربة التي اتمنى ان تتكرر فهكذا محاولات رغم بساطتها تعمل على ردم الهوة بين الفن والثقافة ،طرحت الفكرة على كريم وهو لم يبدي موافقته رأسا ،كان يريد ان يقرا النص ويسأل هل يتوافق المضمون مع ذائقته ؟فرحت لتقبله الفكرة واعتبارها فرصة لتقارب الشعر مع التشكيل.

غير تقليدي

اما التشكيلي كريم رسن الذي امتدح هذه التجربة الابداعية فقال :عندما عرض حسام الفكرة علي اردت اولا قراءة النص ،قرأته بشكل عميق عدة مرات ،اعجبني كونه غير تقليدي وبدات الاشتغال عليه ،وضعت تخطيطاتي وفق رؤية خاصة وابتعدت عن الترجمة الحرفية للنص لكنني استوحت تخطيطاتي من روح النص وفق تصورات بصرية عميقة خاصة وهو يتحدث عن اماكن اعرفها من خلال زيارتي لامريكا كوني اقيم في تورنتو بكندا ،محاولتنا هذه يذرة لمشاريع اخرى لخلق تواشجات بين النص التدويني والنص البصري.

ويعد الشاعر الشاب حسام السراي من الأسماء الشعرية العراقية التي نشطت بعد العام 2003، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان "وحده التراب يقهقه" في العام 2009 عن دار الفارابي ببيروت. نشر قصائده في صحف عراقية وعربية، وهو أحد مؤسسي بيت الشعر العراقي ورئيس هيئته الإدارية في دورتها الثانية (2013- 2016) ورئيس تحرير مجلته الثقافية الفصلية "بيت".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي