رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2096

العنصر البصري كأولوية في "ووندر ويل"

سليم البيك

لعلّ مُشاهد أفلام المخرج الأمريكي وودي ألن يذكر ذلك الطفل في واحد من أهم أفلامه، «آني هول»، الطفل الذي كان الشخصية الرئيسية في الفيلم، وهو وودي ألن ذاته، في فيلم شبه سيَري. يذهب ألن بحبيبته آني إلى البيت ليريها مكان طفولته، مع مشاهد استعادية لها، البيت كان ملاصقا لـ«مدينة ملاهي».

كانت مشاهد عابرة في الفيلم، إنّما بقيت عالقة في ذهن ألن ليَخرج منها بفيلمه الأخير، «ووندر ويل»، حين نشاهد طفلا شبيها بالسابق، غريب الأطوار ويغيب عن مدرسته ليشاهد أفلاما في السينما.

ولعلّ المُشاهد كذلك لا يفوته الأسلوب السردي لألن في فيلمه الأخير المطابق لما هو في فيلمه المذكور، إذ يبدأ الفيلم بإحدى الشخصيات تُخاطب الكاميرا مباشرة وتبدأ في تقديم الحكاية للمُشاهدين، متخلّلة بروايتها، الأحداث التي نُشاهدها، والراوي هو شخصية أساسية في الأحداث كذلك: المنقذ على شاطئ «كوني آيلاند» في نيويورك.

فيلمه الذي نزل إلى الصالات الفرنسية قبل أيام، وكان فيلم الختام لمهرجان نيويورك السينمائي الأخير، هو أقرب ليكون فيلم مرحلة جديدة لدى ألن، الذي بلغ 82 عاما، فمن المعروف أن للرجل مراحل أمكن أن تكون «عشريّة» تتشابه أفلامه فيها من ناحية الشكل والمضمون، ونحن هنا أمام فيلم مختلف تماما عن أفلامه الأخيرة، العديدة الأخيرة لنقُل، كونه يُخرج/يَخرج لنا فيلما/بفيلمٍ كلّ عام.

الفيلم، بخلاف تلك الأخيرة، اعتمد على الناحية السينماتوغرافية فيه، وليس الحكائية، أي على الصورة وليس على السرد، على الكاميرا وليس على آلته الكاتبة. فمعروف أن اهتمام ألن الأساسي يصبّ في الحبكة، هي ما تأخذ جلّ تركيزه في مراحل صناعة فيلمه، فلكتابته مكانة أساسية فيه، يوليها ألن ذاته فهو يقدّم أفلامه «كتابة وإخراج وودي ألن»، كما أنّه كلّما تحدّث عن أفلامه نالت كتابته لأفلامه مساحة مزاحمة لتلك التي تنالها مساحة «تصويره لها»، عدا عن أن الكتّاب كشخصيّات، هم أبطال ألن الأثيرين في أفلامه بمراحلها المتعددة.

ولأنّ العديد من أفلامه تركّزت على حبكة لجريمة ما (أفلام «نْوار» النيّة)، كان لا بد للكتابة، سيناريو وحوارات، أن تأخذ مساحتها المركزية في صناعة الفيلم، إلا أنّه هنا، في فيلمه الأخير، أتى بحكاية أبسط وبتركيز أساسي ومبهر على الصورة، وهو ما يمكن أن يشكّل انقطاعا يحمل ملامح الاستمرارية لأفلامه السابقة.

من الصّعب أن يعجب الفيلمُ مُشاهدَ وودي ألن الآتي متوقّعا لما يمكن أن يشاهده، تلك المُشاهدة المطمَئنّة إلى فيلم جديد لألن يكون بتصوير جيّد، إنّما مُتعوَّد عليه وعادي، وحكاية بألغاز لمتابعة حلّ إحدى الشخصيات لها، أي باعتماد أساسي للفيلم على السيناريو. هنا اختلف الأمر، فالحكاية هي البسيطة، العادية: نيويورك، الخمسينيات، رجل وزوجته يعيشان مع طفلها في بيت داخل مدينة الملاهي، حيث يعمل هو على إحدى الألعاب وهي في مقهى، تأتي إليها ابنته التي هجرته منذ سنين لتتزوج من رجل عصابات. تتعرّف الزوجة على المنقذ، تتعرف عليه بعدها الابنة، تغار الأولى من الأخيرة، للزوج العصبي مشاكل مع زوجته وطفلها وابنته التي تبحث العصابة عنها وتخطفها.

الفيلم الألنيّ النمطي (المعتمد على الحكاية) قد يبدأ من هنا، من حيث ينتهي هذا الفيلم، من خطف الابنة وعملية البحث عنها، التي يمكن أن تقوم بها العائلة ما يستدعي مفارقات كوميدية. إنّما، في مرحلته الجديدة كما يبدو، ينتهي الفيلم حيث كانت تبدأ أفلامه السابقة، فلا معنى للحكاية هنا، إنما الميزة الألنية الجديدة هي الصّورة والألوان والإضاءات والديكورات.

كي يلعب ألن بالألوان وإضاءاتها كان الأنسب أن تجري الأحداث في مدينة الملاهي، حيث أضواء النيون السّاطعة ليلا، والألوان الموزّعة على الديكورات نهارا، تملأ الإطار داخلة عليه من خارجه، منعكسة على محتواه، على أوجه شخصياته تحديدا. منتقلة بين الأحمر والأزرق والوردي، والأصفر تحديدا، على أوجه الشخصيات في أحاديثها وانفعالاتها، فبدت الأضواء استجابات لهذه الانفعالات، حتى الشمس في غروبها كانت إضاءة موظَّفة في الفيلم.

للفيلم، Wonder Wheel، كمعظم أفلام ألن، إحالات ثقافية، فالمنقذ يتمنى أن يكون كاتبا مسرحيا، يهدي الفتاة كتابا، يحكي للامرأتين عن أوجين أونيل وهاملت وأوديب، لكن الحضور الثقافي هنا انحصر بالمسرح ـ والسينما بنسبة أقل من خلال الطفل ـ فكان الأداء مسرحيا حين تكون النقاشات في أوجها، بشكل قصديّ واضح، مع إضاءات خارجية، من نيونات الأجهزة والألعاب متخللة النوافذ، تقوم مقام إضاءات المسرح، المتنقلة من وجه إلى آخر، والمتفاعلة مع مضمون الحوارات والشكل الذي تُقال به.

من يتوقّع من وودي ألن أفلاما تماثل قمّته السينمائية في سبعينيات (وبنسبة أقل ثمانينيات) القرن الماضي فلن يتوقف عن الشكوى من كل فيلم جديد له، ومن يتوقّع من ألن فيلما من موضوعات وأساليب أفلامه الأخيرة لن يعجبه هذا الفيلم.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي