رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2096

"زهرة الأنبياء".. استعادة الموصل قبل محوها

مروان الدليمي

"أعرف أنني سأعود يوما، أبحث عن زهور النرجس تحت ساعة البريد، عن طريق ينحدر عبر حقول القمح إلى محطة القطار، عن أعمدة المرمر وتيجانها ترتمي في ساحة دار كانت ذات يوم دارنا، وأعرف أنني لن أجد شيئا من ذلك". "زهرة الأنبياء". كأن هذه السطور التي افتتحت بها سالمة صالح الكتاب عام 1994 حملت نبوءة زوال المدينة القديمة بعد خمسة وعشرين عاما! فرغم بساطة موضوعها الذي لا يخرج عن إطار السرد الذاتي، إلا أن عبثية الحاضر وإيقاعه المضطرب وفوضوية مفرداته بعد أن اختفت وبطريقة وحشية تفاصيل المكان الواقعي الذي هيمن بحضوره السردي داخل النص ــ مدينة الموصل القديمة ــ بسبب الحرب الأخيرة التي شهدتها منتصف عام 2017 لطرد تنظيم الخلافة من قبل القوات المسلحة العراقية. هذه المعركة التي دار شطرها الأخير داخل المكان نفسه، محور نص «زهرة الانبياء» ممثلا بالأزقة الضيقة للمدينة، ومدارسها وشوارعها وبيوتها العتيقة المتهالكة، التي بقيت محتفظة بخصوصية وجمال معمارها الموصلي، الذي يعكس ثقافة وشخصية أهلها.

هذا المكان الذي لن يقتصر على كونه يشكل خلفية جامدة أو قيمة فنية محايدة، بقدر ما كان يعكس حضور الشخصية الساردة بمشاعرها ولغتها وعلاقتها النابضة بالحياة، إضافة إلى أنه يشكل وحدة تقنية أساسية في السرد الحكائي، خاصة وقد أسهبت المؤلفة في وصفه ولم تترك فسحة للتخييل في أن يكون له حضور في تشكيله، وليصبح بالتالي وبعد ما يقارب ربع قرن على زمن صدور الكتاب مكانا متخيلاً لا وجود له في الواقع، بقدر حضوره في المتخيل السردي، وليبقى معلقا بخيوط نسجتها ذاكرة سردية قبل 25 عاما من تغييبه عن الواقع.

جاء العنوان "زهرة الأنبياء" معادلاً رمزيا عن مدينة الموصل القديمة التي يحتضن ترابها عددا من مراقد الأنبياء، حسبما هو متدوال وشائع في الذاكرة الجمعية، ولعل أبرزهم النبي يونس وشيت وجرجيس ودانيال والخضر، إضافة إلى العديد من الأضرحة لأولياء ورجال صالحين ومؤرخين مثل ابن الأثير، ويحتفظ لهم سكان المدينة من مسلمين ومسيحيين بمكانة كبيرة من الاحترام والتبجيل. وللأسف الشديد لم يبق من هذا الإرث أي اثر شاخص فوق الأرض بعد أن تناوب على تدميره تنظيم الخلافة، أثناء سيطرته على المدينة، ومن ثم الحرب التي شنتها القوات العراقية لاستعادتها منه.

اشتغلت سالمة صالح على موضوع التفاعل مع الذاكرة، في محاولة منها لاستعادة طفولتها بأدق التفاصيل وبحميمية مدهشة بعد أكثر من ثلاثين عاما من الاغتراب عن مدينة الموصل: «إنني انحاز إلى الطفولة، في الثانية والثلاثين وما زلت أعقص شعري في ضفيرتين، وأحلم بشاطئ صخري ونهر أدلي فيه قدمي، أؤرجحهما في الماء، وأسكن دقيقة فتعضني أسماك صغيرة. وأخوض في المياه التي لا تبلغ وسطي والتقط حصاة بيضاء بديعة التكور.. كان للحصاة البيضاء دائما سحر يجتذب إليها الأصابع. كل هذا ينتمي إلى الطفولة، حيث النهر مفروش بالحصى». لم تغادر المؤلفة زمن طفولتها وأماكن سيرتها، وما زالت تلك الطفلة التي ترتدي ثياب المدرسة وهي تسير في أزقة باب البيَض ورأس الجّادة وشارع فاروق والشيخ فتحي، وكأنها تعيش وتحيا هناك، في تلك الزوايا، وعند تلك العتبات، بروائحها ونسائمها وأصواتها وغاباتها وشخوصها وبيوتها القديمة وتقاليدها وحكاياتها: «مؤذِّن رمضان كان أكثر ألفة. كنّا ننتظره كل مساء على سطح الدار. نجلس هناك وأنظارنا مثبتة على تلك القبة، يحيط بها سطح ضيق، ولا يرى من السلالم التي تؤدي إليها سوى الدرجات الثلاث الأخيرة، أحيانا كنا نصعد إلى السطح فنجد المؤذن يجلس مسندا ظهره إلى القبة، وأحيانا نكون قد سبقناه، نبحث عنه فلا نجده. ننتظر بلهفة، ثم نراه يظهر، يدور حول القبة قبل أن يقرفص مسندا ظهره إليها، نراقب الشمس تهبط وراء البيوت".

إن النص في زمن صدوره ربما اكتسب حضوره آنذاك باعتبار مفرداته الفنية تشتغل في وحدة مكانية لا تغادر منطقة الزمن السردي الواقعي، ولأنه يحلّق في سرده عميقا داخل خبايا الذات وهي في حالة من البوح الوجداني حول أبسط أشياء الطفولة التي عادة ما ترتبط بعلاقة عضوية مع المكان وتعالق المكان مع الذات الساردة، وربما تعود أسباب حضوره نتيجة ضغط الغربة الشديد على المؤلفة، إلا أن أهمية حضوره اليوم يكتسبها من خلال انزياح المكان عن منطقة الزمن الواقعي إلى منطقة الزمن السردي المتخيل بعد تدميره وتحوله إلى أشلاء متناثرة واختفاء صورته التقليدية النابضة بالحياة التي بقيت شاخصة أمام الأجيال المتعاقبة، مثل منارة الحدباء حيث تم بناؤها سنة 1170، وأمست بمثابة مرآة يجدون فيها هويتهم المحلية منعكسة على جدران جامع النوري الذي كان يحتضنها، وفي تراتيل المنشدين داخل الكنائس المتناثرة، وبين الأزقة التي تشبه المتاهة، وفي صوت المؤذنين وهي تمتزج مع دقات النواقيس، وعند ظلال الأشجار وسط أفنية البيوت بطرازها الشرقي. فجاء حضور المكان واقعيا، بدون أن تترك المؤلفة في حينه أي فسحة للمجاز الفني في أن يمارس حريته في اللعب ليوائم ما بين الواقعي والمتخيل «خلف محطة القطار ثمة حي لا تسيَّج منازله جدران، وإنما أسوار من الآس أو أسيجة كثيفة من ورد متسلق، تشابكت أغصانه حتى بدا مثل دغل. كانت الفتيات اليافعات يستخدمن ورداته الصغيرة الغضة كأقراط، أما البراعم الفتية المكتنزة فكن يسلخن قشرتها الخشنة ويأكلن قثاءها الطري الشاحب. كانت هذه البيوت التي لا سياج لها تسحرني".

تشير بواكيرالسيرة الإبداعية للمؤلفة إلى أن هذا الكتاب جاء بعد مجموعة تجارب كانت قد خاضتها في كتابة السرد القصصي (في ركب الحياة، مجموعة قصص 1961، لأنك إنسان، مجموعة قصص 1962، بغداد النهوض، رواية، 1974، بيروت التحولات، مجموعة قصص، 1975، زهرة الأنبياء، 1994). وعلى ما يبدو فإن دار النشر الجمل عندما وضعت كلمة (قصص) على غلاف «زهرة الأنبياء» وجدت في هذه المفردة خيارا فنيا أقرب إلى الدقة في تصنيف الكتاب إجناسيا، ومن هنا سيحدث بالتالي الالتباس عند القارئ بعد أن يتصفحه ليجد نفسه أمام نص أدبي يبتعد بقدر واضح عن مقترحات النص القصصي، فيما توفرت فيه بنية النص السير ـ ذاتي، وعلى الأرجح فإن هذا التصنيف جاء انسجاما مع فكرة عدم شيوع هذا النمط من الكتابة السردية في عالمنا العربي، إذا ما قورن ببقية الأنماط السردية. وربما يعود ذلك إلى أن ما جاء في الكتاب يحمل الكثير من ملامح البناء القصصي، والملاحظ هنا أن الأحداث المستعادة عبر صيغة ضمير المتكلم لم تخرج أبدا عن الإطار الشخصي .. «تنبعث في الذاكرة من جديد سحب الدخان ورائحة الخبز الساخن وطعم الانتظار لطفل نافد الصبر، يرقب رغيفا يقلب على وجهه الآخر، لم ينضج بعد، أصابع صغيرة تنقل الرغيف الذي نضج لتوه من يد إلى أخرى فلا تحترق، أو تفقأ الفقاعات السمر على وجهه، وأعود طفلة. لكن لا ذلك البيت العتيق تنبت الغبيرات على ستراته ولا الخبز ينضج على صاج تفرقع تحته أعواد الطرفاء وهي تحترق، والطفولة لا تكون إلاّ وسط كل هذا. ولكن ما من طريق يسلكه المرء مرتين".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي