رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1688

اليهودي التائه الكراهية بصيغتها الإيجابيّة

كريم راهي
في مقدمة طبعة حديثة من كتاب (رحلة بنيامين التطيلي)، وهو رحالة برتغالي يهودي من القرن الثاني عشر الميلادي، يذكر الدكتور (عبد الرحمن الشيخ) نقلاً عن مترجم الرحلة ومحققها اليهودي العراقي (عزرا حدّاد) أن يهود أوروربا كانوا يجدون ملاذهم في ظل الحكومات المسلمة التي كانت تحكم بعض بلادهم، فقد كانت شبه جزيرة (إيبيريا) المكونة من إسبانيا والبرتغال ملتجأً لمن كانوا يشهدون أياماً عصيبة قبل خروج المسلمين منها، كما ويذكُر أن كل المؤرخين الأوروبيين واليهود أجمعوا على أن "حضن الحكومات الإسلامية كان هو الحضن الوحيد الذي لا يأمن اليهود لحضن سواه طوال العصور الوسطى، وطوال قرنين في التاريخ الحديث (بعد سقوط غرناطة)".
ويعلّق مترجم الكتاب عن الدوافع التي حدت باليهود إلى اتخاذ التجارة مهنة اختصّوا بها وصاروا من أمهر تجار العالم وأعلمهم بخفاياها، بأنهم، وبسبب الضغوط المسيحية، لم يكونوا مختارين ترك ديارهم طوعاً، وإنما مجبرين على ذلك لأسباب دينية-سياسية، منها الرغبة المحمومة في الحج إلى المراقد المقدسة هنا أو هناك. ومنها وقوف اليهودي العالمي بين خيارين هما إما العدول عن دينه، أو مغادرته موطنه، وصار أكثر اليهود كما يقول (حدّاد) يختارون الخيار الثاتي؛ الهجرة. ويعزو المترجم شيوع أسطورة (اليهودي التائه) المسيحية الكنسية إلى دأبهم في التطواف في البلدان الأوربية بحثاً عن الأمان. تلك الأسطورة التي وضعها صليبيّو القرن الثالث عشر لتبرير قتل اليهود وتشريدهم، وهي لعنة يزعمون أنّها حلّت باليهود عقاباً على إهانتهم للسيد المسيح. وقد عُزيت كل الكوارث الطبيعية والأوبئة الفتاكة آنذاك، لهذا التائه ذي الحظ التعيس. وبوسعنا العودة لكتاب الراحل (غسان كنفاني) المعنون (في الأدب الصهيوني) لتفاصيل أكثر حول هذه الشخصيّة.
أما العامل الثالث الذي يورده (حدّاد)، وهو برأيي الأهم، فهو تحريم الكنيسة في تلك العصور امتلاك اليهود لأيّ عقار، كما حُرّم عليهم الإشتغال بالزراعة، ولم يجد اليهوديّ من طريق للعيش سوى امتهان التجارة وإدارة المال، والعمل ما بين موانيء الشرق والغرب، مورثين ذلك الدأب لأحفاد أحفادهم. ولربما كان هذا هو سبب استئثارهم بالقسط الأوفر من رأس المال العالمي. وأقرب مثال يرد على الخاطر هو إمبراطوريات المال التي عرفت بأسماء مثل روتشيلد ومردوخ وسواها.
ولربما كان السبب الأهم الذي لم يأت مترجم الرحلة عليه في المقدمة، هو الكراهية العنصريّة التي انطوت عليها الحروب الصليبية، وفكرة تغليب العنصر (الآري) الذي ينحدر منه الأوروبيون، على العنصر (السامي) الذي يجمع الأقوام العربية باليهود، وهو العصب الذي كان يغذي عنصريي أوروبا بالكراهية، ويجعل اليهود عرضة لاضطهادهم على مرّ التأريخ، ابتداءً بالمجازر التي تلت عودة الجنود الصليبيين، ولغاية آخر المجازر النازية مما عُرفت بالـ(هولوكوست). وقد استنفذت في ذلك كل الوسائل المتاحة للتحريض ضدّهم، بما فيها أعمال أدبيّة عُدّت خالدة، وأقربها هو الفخّ العنصريّ الذي سقط فيه كاتب كبير مثل شكسبير في مسرحيته (تاجر البندقية)، حين أقرن الشخصيّة الشايلوكيّة باليهوديّ، مظهراً إيّاه مُرابياً غاية في الجشع، ومعمّما ذلك في الكثير من الأعمال الأدبيّة اللاحقة مثل (أوليفر تويست)، (غرام في فيينا) و(ليلي)..
وتأتي في أسباب الرحلات التي قام بها يهود أوروبا آنذاك، ومنهم (بنيامين التطيلي) الذي أتينا على ذكره بدايةً، أنها جاءت تلبية لرغباتهم في إيجاد ملاذ آمن من اضطهاد المسيحيين، فقد كانت تلك الأعمال تأتي على شكل تقارير جغرافية وإنثروبولوجية أكثر منها سردية أدبية، وهذا ما يؤكده مترجم الكتاب في مقدمته القصيرة، بمثلما يؤكّد أن تلك الرحلات بأجمعها كانت تبتديء من الغرب وتنتهي في الشرق، كدلالة واضحة على بحث اليهود عن وطن بديل آمن قريب من (حضن) أبناء عمومتهم، وبعيد عن النبذ الإجتماعي.
لكنّ ما تحوّل إيجابياً من أسباب النبذ تلك هو ما أدّى إلى أن ينتهي الأمر باليهودي التائه مُستقرّاً في وطن أكثر أمنا، محصِّناً نفسه -شأنه شأن كلّ أقليّة اجتماعيّة منبوذة- بإمبراطورية من المال جمعها في حقبة تشرّده وتحوّله من بائع متجوّل إلى تاجر فرأسماليّ، ليبدأ الكرّة العكسية، طور الإنتقام لكلّ ما أحاق به من كراهية، كانت ولا ريب، إحدى مسوّغات ارتقائه.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي