رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 19 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1713

هل يفشل العراقيون دائما في قراءة المشهد؟

وليد علاء الدين
أعتذر مبدئيًا لكل القرّاء عن العنوان أعلاه؛ إنما هو محاولة اقتفاء أثر منطق "المقالة" التي كتبها الناقد من العراق والمقيم في أميركا أثير عادل شواي والمنشورة بعنوان "لماذا يفشل المصريون دائما في كتابة الشعر؟"؛ إذ أكتب مقالي هذا بدعوة من إدارة تحرير مجلة "الجديد" للتداخل حول الفكرة التي تطرحها هذه المقالة.
تعلمت شخصيًا أن أتجنب التداخل مع كل مُعتنق لتعميم أو منطلق منه، لأنه بذلك إنما يصنف نفسه بداية في خانة “القارئ الضرير” و”المستمع الأصم”، الأول يقرأ باحثًا فقط عن كل ما يعزز قناعته، والأخير يَسمعك منتظرًا أن تنتهي ليعيد تلاوة تعميماته.
والعاقل لا يضحّي بوقت أو جهد مع أيّ من هذين النموذجين. لذا فإنني بعد الاعتذار للقراء عن العنوان العمومي الذي اخترته عامدًا متعمدًا، مدين باعتذار آخر لنفسي لمبادرتي بالتداخل مع طرح عمومي مبنيّ بوضوح على يقين مغلق.
ولكن عذري في ذلك أن هناك وجاهة أكيدة في عدم نشر المقالة من دون إضاءة عتمتها برؤى مختلفة. كما أنني لا أضع ردي هنا قاصدًا به صاحبَ المقالة؛ إنما القراء. وليكن واضحًا أنني لا أكتب منطلقًا من “مصريّتي الجريحة” كما يُخشى أن تجرني بِنية مقالة الكاتب؛ فلست من المعتقدين في عظمة الشعر المصري -أو غيره- لمجرد أنه يحمل هوية جغرافية محددة.
وقد يجدني القارئ في أحوال أخرى متفقًا في الرأي مع كثير مما ذهبت إليه مقالة الكاتب بشأن تجارب بعينها أو أفكار في حدودها. وأظن أن كثيرًا من المصريين يشاركونني ذلك. ولكن الاتفاق مع رأي أو ملاحظة أو معلومة لا يعني الموافقة على استخدامها داخل منطق مختلّ. وصف المنطق بالمختل لا يتضمن أيّ إهانة شخصية مع اعتذاري المسبق إن أوحى للبعض بذلك.
بعيدًا عن الكلام الذي صار بديهيًا كضرورة تجنب كل باحث أو كاتب الوقوع في فخ التعميمات لأنها دوما إما خاطئة أو تقود إلى خطأ حتى لو تأسست على بحوث ودراسات متأنية ومطولة. وبالتالي هي خطيئة إن لم تمتلك الحد الأدنى من الإحاطة والتدقيق.
وبعيدًا عن الفكرة الرئيسة التي أرادت مقالة الكاتب إيصالها حول المصريين والثقافة المصرية العربية بشكل عام وإن كان المدخل هو الشعر، بعيدًا عن كل ذلك، هناك عدة مشكلات في منهج التفكير نفسه تجعل المقالة مجرّد لغو لم يكن يستحق كل هذا العناء لولا الأسباب التي سُقتها، ولولا نشرها وإتاحة الفرصة للتداخل معها في الوقت والمكان نفسه بهدف تحريك الجمود وفتح الباب للتفكير في المستقر والثابت لاختبار عوامل استقراره وثباته.
قارئ مقالة الكاتب لن يعدم عددًا من الأفكار التي لا تخلو من صحة ووجاهة. كل فكرة مستقلة يمكن أن تكون قابلة للخلاف والنقاش: نختلف أو نتفق حول أحقية الشاعر أحمد شوقي في لقب أمير الشعراء. ونقبل بمناقشة تجربته الشعرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ذوقًا وفكرًا. ولكن تبقى أهمية أن يدقق -من يريد الكتابة عن شوقي- معلوماته التأسيسية حول قصة منحه اللقب وملابسات ذلك خاصة وهو يستخدمه شاهدًا على خلاصة يود استخلاصها؛ وإلا أصبح مغرضًا.
وإذا كان شعر العقاد ليس فوق الخلاف فكرًا وذوقًا -هل من الضروري التذكير بأن هذه هي طبيعة الإبداع الإنساني بالأساس! ما علينا- إذا كانت تجربة الأستاذ العقاد الشعرية بل والفكرية ليست فوق النقد فكرًا أو القبول والرفض ذوقًا، فإن العقاد بنفسه مارسَ هذا الانفتاح الغاضب أحيانًا على تجارب الآخرين من الأساتذة ممّن سبقوه أو ممّن أنتجوا في عصره من أمثال توفيق الحكيم أهمّ رواد المسرح العربي وصاحب الأثر الروائي والفكري الكبير، أو طه حسين صاحب الآثار النقدية والأدبية اللافتة، وغيرهما. وفي المقابل لم يبخل هذان الأستاذان وغيرهما على تجربة العقاد بالتصريح قولًا وكتابة بما رأوه جديرًا بها من نقد ورفض، قرأه العقاد وتداخل معه في بيئة ثقافية ظني بها أنها كانت أكثر تحررا من بيئتنا المريضة الراهنة.
لن أطيل، النقطة التي أريد لفت الانتباه إليها هنا، هي ما وقع فيه كاتب المقالة من خلط شارف “الخطل” بين مفاهيم أساسية ينبغي فهمها قبل التصدي لكتابة تدّعي أنها تعيد وضع الثقافة والإبداع -بل والذائقة المصرية كلها- في مكانتها الصحيحة بعد زمن طويل من الخطأ!
والخطل أن نُحكّم الذائقة الراهنة في الأمرين، فيبدو لنا كل ما أبدع الأوائل ضربًا من “الهبل” لأنه لا يناسب ثقافة العصر الحديث ولا ذائقته. غافلين عن أن هذا “الهبل” كان أولًا مناسبًا أو قائدًا لذائقة عصره، كما أنه هو الجد والوالد والبذرة التي أنبتت ما بعدها حتى ما نشأ بدافع من رفضها ومخالفتها كانت سببًا في نشأته. وهو ما نجمله في باب الريادة التاريخية، نقبل أو نرفض ولكن على أسس ومعايير.
هذه البديهيات لا علاقة لها إن كان الحديث عن المصريين أو العراقيين أو عن كائنات فضائية، لأنه يمكن لأيّ كاتب عبر تجاهل هذه البديهيات الوصول إلى حكم عمومي بأن “ملحمة جلجامش” الخالدة مجرد قصة ساذجة لا جمال فيها تجاوزها خيال أطفالنا اليوم بل أنتج أطفال ما يفوقها، أو أن كتاب “الخروج إلى النهار” أو ما يسميه البعض “كتاب الموتى” المصري مجرد نصوص أدعية تبدو ساذجة ومضحكة.
يشبه الأمر كتابة تعميمية تحاكم منتج الشاعر العربي الكبير المتنبي من منطلق أن الرجل كان وصوليًا وَهَبَ شعره وحياته كاملة لتملق الحكام والوقوف منتظرا عطاياهم، وهجاء من يثير غثيانهم من الحكام بطمعه وتملقه.
يمكنك إقناع طالب صغير بذلك بعد أن تقتطف من أشعار المتنبي بعضَ ضعيفها وسخيفها -وهو كثير- للتدليل على ما تريد. أو أن تكون أكثر دهاءً ككاتب المقالة فتمتنع عن إيراد أيّ نماذج حتى لا تتورط في مساحة الذائقة؛ فما تراه سخيفًا ربما رآه آخرون غير ذلك. عمومًا هذه ليست الطريقة الوحيدة لبناء عموميات فارغة. هناك الكثير من الطرق بعضها أكثر ذكاءً من طريقة الكاتب في صنع تعميماته والإيحاء بأنها خلاصات عقلية.
خلل آخر في منهج تفكير المقالة، هو تسليم كاتبها السلبي بالصور الذهنية العامة، وعدم بذل جهد في استخلاص وتكوين رؤيته الخاصة. يمكن أن يصلح هذا المقال شاهدًا جيدًا لطلّاب الدراسات العليا في كليات الإعلام مثلًا حول طغيان الصورة الذهنية إلى حد تعطيل الجهد الذاتي في الحكم على الأمور. اختار الكاتب ببساطة النماذج التي كرّس لها الإعلام الرسمي -صادفها أثناء دراسته الأولية التي لم يقل إن كانت في العراق أم خارجه- وحكم من خلالها أولًا على ما سواها من تجارب إبداعية ولم يكتف باعتبار خلاصته هذه حكما على “ذائقة النخبة الثقافية المصرية”! بل على ذائقة المصريين كلهم.
خلل منهجي آخر سقط فيه المقال كفيل بمفرده بوقف باب النقاش؛ هو في الواقع لم يقل لنا كأطراف يخاطبها ما هو الشعر الذي يقيس على أساسه الأمر!
الكاتب أغفل أن “المصرية” ليست جنسية جينية أو عِرقية، إنما بالأساس جنسية مجتمعية حضارية ثقافية خلَّصت كل عرق من عرقيته وكل جين من انغلاقه الجيني واستخلصته وصهرته في صيغة إنسانية اسمها “المصرية”. هي ميزة “المصرية” الكبرى التي منحتها حضورها الثقافي وتأثيرها الحضاري الأهم
فشلَ الكاتبُ إذن في تحديد هوية “الشعر” الذي يفشل “المصريون” “دائمًا” في كتابته كما ذهب في عنوان مقالته. كما أنه فشل في تحديد هوية من يقصد بالمصريين، أو اتضح حقيقة أنه لا يعرف المعنى. وهو فشل أيضًا في تحديد فكرة الديمومة التي نفهمها من استخدامه كلمة "دائمًا".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي