رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1688

الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب

العالم ـ بغداد
علاقة الشخصية بالمكان والزمان تخصص لها الباحثة الفصل الثالث، هو الآخر له مبحثان: علاقة الشخصية بالمكان، كيف يؤثر يتأثر بالشخصية الروائية، الثاني عن علاقة الشخصية بالزمان، كيف يكون الحاضر منبعا للزمن الروائي منه استدعاء ذكريات مفرحة أو حزينة عن احداث تاريخية وسياسية واجتماعية، احداث تخص الوطن والناس والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في فترة معينة لها دلالات بعيدة تحمل روح الكفاح والصبر، تستعيد الانتصارات الانكسارات. الباحثة ترى أغلب نصوص برهان الخطيب لها العلاقة بين الإنسان والمكان قوية، يؤثر أحدهما في الآخر قويا، تذكر شواهد من رواياته تدعم استنتاجاتها، المكان تجسيد أو رمز عنده لحضور جغرافي أكبر، أيضا يجعل من شخوص رواياته رموز حضور اجتماعي أكبر، يعبر من الخاص إلى العام، يُدخل قارئه في لعبته أو صرحه الفني آخذا في الاعتبار حجم الشخصية النامية، تأثيرها تأثرها مع المكان متجاوزا المسطحة، قوة المكان تبدو واضحة في تصريح الخطيب عام 1973 لمجلة ألف باء عدد 245 ، جل عمره يعيش في الخارج لكنه يقول: أنا لم أغادر الوطن لأني أحمله في قلبي دائما. العلاقة تلك يعكسها العديد من أبطال رواياته، من حميد الكردي في (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) إلى أبطاله العديدين في (أخبار آخر الهجرات) و (أخبار آخر العشاق).. يتجاوز المؤلف المكان رغم اندغام الشخصية أحيانا فيه، انظر قصته (البحر) تحوّل المكان من اعتباره وعاء نفسيا إلى وعاء فكري للشخصية الروائية، مغلبا بذلك إدراكها على حدود أو سطوة المكان (البحر ما كان رسمي كنت أنا البحر) رافعا كنه انسانه من مجرد حيوان سياسي إلى مرتبة أعلى، ذات إرادة. الإنسان في روايات الخطيب يصارع ليكون محركا لأحداث، من خلال أفعاله، رغم جبروت الأحداث العامة العاصفة بالمصير. في المقتطف أعلاه يفاجئنا الخطيب بتوحد سامي مع البحر، الماء سيد الأشياء عنده، يخبئ الحياة كما الموت، ذلك مَعلم في أدبه نراه قويا، يكشف من خلاله ثنائية الواقع، هو مَعلم جديد في السياق الروائي لم يتم تداوله عريضا في الرواية العراقية لا العربية ولا ربما العالمية، يتجلى جليا في روايته الأخيرة (الحكاية من الداخل) منشور منها حلقات في صحيفة العرب اللندنية، ما يسمح فهرستها في خانة جديدة يمكن تسميتها (رواية الحقيقة) فهي لا تكتفي بسرد الظاهر بل تسعى إلى كشف الباطن، تتلمس الباحثة بدايات ذلك المَعلم منذ روايته الأولى (الضد) (ضباب في الظهيرة) المنشورة أواخر حقبة الستينات، تلاحظ كيف يبدأ راوي الخطيب فيها سرده بعيدا عن النمطية منذ سطرها الأول: (الآن فقط استطيع أن أرى بوضوح ما كانت تعنيه الأيام الماضية في حياتي..) حيث يتم السرد بناء على عقلنة ما حدث، لا سرد وقائعه فقط، هنا تغير نوعي في السرد عموما، ينتقل اهتمام القارئ من المكان الخارجي للحدث إلى الداخلي، ذات الشخصية، بوتقة التفاعلات والتغيرات. 
علاقة الشخصية بالزمن لا تقل اهمية عن علاقتها بالمكان، كل منهما وسيلة فنية للتعبير المباشر أو غير المباشر عن تفاصيل يومية وفكرية تقوم الرواية عادة بتجميعها وصولا إلى غرضها الرئيس، أي إعادة صياغة الواقع في صور متحركة أكثر عقلانية وعدلا من التي لنا في الواقع المعاش، ضمنا النفس البشرية، يتبدى الزمن شخصية مستقلة تدخل في صراع مع الشخصيات الروائية فيبدأ آنذاك النحت المتبادل بينهما حتى ينهزم العقل عند وهن أو يتبوأ العرش الذي يصبو إليه تحت سقف صفاء وانسجام مع الوجود. ب الخطيب يستخدم الهم السياسي والاجتماعي وسيلة لتوسيع حدود الذات بدل كسرها، تلك سمة ظاهرة في أدب الخطيب مستلهمة ربما من طبيعة شخصيته أو من نظرية التحدي والاستجابة لتوينبي الفيلسوف الانكليزي، من ملامحها تحدي الصعاب يقود إلى الرقي. هي نظرية تحوز على إعجاب الكثير من كتاب الستينات، الخطيب في رأس قائمتهم ترى الباحثة. هكذا يبدع الكاتب العراقي لا بمعزل عن النشاط الفكري العالمي بل بالتفاعل معه من غير أن يصاب بنزعة تقديس الذات أو التغريب، الجري وراء ظواهر تضر العملية الأدبية المتطورة صعودا، ذلك عند إدراك الكاتب مهامه الإبداعية الاجتماعية عميقا.  
 تشير الباحثة ان في مقدمة الصعوبات التي واجهتها في دراستها شأن دراسات علمية جادة تبرز صعوبة العثور على روايات الكاتب، جميعها لا تتوفر في المكتبات الرسمية، لا بين كتب شارع المتنبي عدا (ضباب في الظهيرة، الجسور الزجاجية، شقة في شارع أبي نؤاس) ما يضطرها الانتظار طويلا حتى مجيء الروائي إلى بغداد، فضلا عن شحة المصادر، إلى غيرها من الصعوبات التي تذلل بتوفيق من الله تعالى. لا تنسى الباحثة توجه الشكر إلى عائلة الخطيب لمساعدتها في انجاز البحث على اتم وجه، أيضا إلى استاذتها د. كرنفال أيوب كذلك د.  حيدر فاضل. في الخاتمة: فضاء روايات الخطيب من نظرة فوقية مقسم إلى مكان داخل الوطن، آخر خارج الوطن. مع تجاوز النظرة الفوقية تبدل الأماكن ذريعة اقتراب مجهري إلى موضوع الوطن، في كل تلك الروايات أنماط شرائح اجتماعية تتصارع من منطلقات حزبية ضيقة تؤدي إلى محنة كبرى. ثانيا، تشكل الروايات بمجموعها تاريخ العراق المعاصر، تطرح مشاكل جديدة في الصيغ القديمة، كأن المؤلف يدعو إلى ترشيد أو تصفير الحياة السياسية، إلى بداية جديدة للخروج من محنة الذات العراقية المعذبة بعد تناول إكسير الفن الروائي، تأمل الروح أمام مرآة الخيال.  
المصادر والمراجع حوالي الخمسين، ثمة خلاصة في خاتمة الأطروحة باللغة الانكليزية. الدراسة بمجملها يمكن أن تترك أثرا انقلابيا في ذهن القارئ لما تحمله من أفكار عميقة جريئة واضحة. الأدب والواقع يتناوبان غربلة المفاهيم، إبراز الحيوي المجدي منها، الأدب له أفضلية حين يبرز و يركز على القيم العليا باعتبارها ركيزة أساسية له، كما في واقع حصيف، لو تطمر في الواقع عن اهمال أو نيات سيئة فإنها في الأدب لا بد أن يوليها المؤلف اهتمامه الكبير، برهان الخطيب يحرص على ذلك، أو تتراجع قيمة الأدب، ذلك يفسر اهتمام الناس في كل العالم حتى اليوم بالأب الكلاسيكي، بما فيه من قيم عالية، مع غض النظر عن أدب حديث لا يولي تلك القيم المطلوب من نفس بشرية مرهفة.
في دراستها تثبت الباحثة ان برهان الخطيب مع كل رواية له يتبدى من طليعة الكتاب الكلاسيكيين الجدد، الذين يعودون إلى الذود عن القيم الأصيلة العليا التي تقرب أفضل البشر بعضهم إلى بعض، قبلها تؤكد: يضع المؤلف الخطيب قارئه أمام تأريخ أمته مختصرا في رواياته ليتبنى رأيا، يتحمل مسؤوليته في نهضته ضمن نهضة بلده مع العالم. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي