رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب

 العالم ـ بغداد
 تعالج أطروحة السيدة مروج حسين (الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب) أنواع المكان الروائي، الأليف، المعادي، الواقعي، تقول في المبحث الثاني من الفصل الأول: يزداد عالم الرواية اتساعا كلما قام على الاختلاف والتوافق، على ديدن عالم الأوطان المعاصرة، متعددة القوميات، الأديان، كالعراق. لا مبالغة حين يذكر الخطيب في مقابلة على منعطف الألفين: لقد سبقنا العالم بتعدد أدياننا وأعراقنا منذ القِدم. عليه تتوالى رواياته متنوعة ضاربة جذورها في عمق التاريخ. الأماكن لا جغرافيا فقط، السلطة التي تخضع لها تحدد طبيعتها، مكان لي، مكان يخضع لسلطة الغير، مكان عام، مكان غير متناه، كل منها له دوره في البناء الروائي عند الخطيب. كما هناك المكان المجازي، الهندسي، والمعاش. الباحثة تجد أن د. شجاع العاني يحدد أربعة منها: المسرحي، التاريخي، الأليف، المعادي. تتناول نماذج لها من روايات الخطيب تبين كيف تؤثر على شخصيات الروايات تتفاعل معها، تستخلص: للمكان في أعمال الخطيب معنى أكبر من الجغرافي الاستيعابي للبدن، قرية أو مدينة، يرمّزه الكاتب غالبا يحمّله معاني صغيرة ملحقة بمعنى عام كبير يسعى إلى كشفه. ص47 الأطروحة.
الفصل الثاني من الأطروحة من مبحثين أيضا، عن بناء الزمن الروائي: الأول منهما عن أهمية الزمن في العمل الروائي، أنماط الزمن. الثاني عن ترتيب الزمن في أدب الخطيب، ضمنا: الاسترجاع، الاستباق، تسريع الزمن، تبطئه، اعتماد الحذف، عن التلخيص، تقنية المشهد، الوقفة. تستهله الباحثة قائلة أن هاجس الزمن حاضر في الاداب القديمة والأساطير، الاهتمام به يتصاعد في العصر الحديث، هنا لابد من المرور على مشاهد مطاردات السيارات نهاية قصص غالبية الأفلام المشوقة في القرن العشرين، ظهور الإيقاع السريع في السرد، الجملة البرقية عند همنغواي، بعد أن أمتدت لدى الكتاب الكلاسيك، ستندال، فلوبير، تولستوي، غيرهم، طويلا، تبلغ الجملة الواحدة صفحة كاملة أحيانا. ولعل أفضل مثال على محورية الزمن في الأدب الحديث ما يقدمه لنا الروائي العراقي الخطيب في عدد كبير من رواياته، تحديدا في ما صار يسمى خماسيته أو سداسيته الروائية، الزمن هو بطل محوري في رواياته، تشكيل صورة كاملة عن الزمن فيها متاح بعد الانتهاء من قراءة الخماسية أو السداسية، أي رواية منها منفصلة في خلفيتها مرحلة زمنية محددة من الزمن العراقي الحديث.. في مجموعها نرى تخطيطا زمنيا هندسيا كاملا يستوعب تحولات العراق نهاية القرن العشرين إلى يومنا. الباحثة تفحص كل رواية على حدة وصولا إلى استنتاجها: الزمن هو العمود الفقري لروايات الخطيب لا عن عسف فني بل عن رؤية شاملة إلى التاريخ العراقي ضمن تاريخ العالم، ضمنا مشاكل الأشخاص مصائرهم المختلفة داخل مصير الوطن الواحد مع تأكيد على أهمية الإدراك الفردي في رسم المصير الشخصي، المؤلف يقول لنا فنيا في النهاية أن مصير الوطن هو محصلة مصائرنا جميعا، خاصة في حالات عدم الاستقرار. 
تعود الباحثة إلى آراء المفكرين قبلها في ذلك الموضوع، الشكلانيين الروس، توماشفسكي، تودوروف، جينيت، من النقاد العرب سعيد يقطين، مرتاض، سيزا قاسم، تستنتج أن الخطيب يضغط أو يجمع في روايته الجديدة (أخبار آخر الهجرات) زمن الوطن مع زمن المنفى يقدم شخصياته المهاجرة في بعدين، البعد الوطني داخل البعد الجديد بعد الهجرة، يتجلى ذلك من نقاشات انتصار مع زوجها يوسف، الحصيلة زمن متعدد الأبعاد، الماضي والحاضر والمستقبل، الزمن المطلق، روايته (الجنائن المغلقة) تبدأ من تفكيك مفهوم الزمن تركيب جملة مجنحة فوقه، انظر إلى المقتطف منها: 
"معرفة أصل الأشياء وأجوبة على أسئلة غامضة، تفسير ظواهر خارقة، هَم تحمله جدة حامد منذ غياب زوجها، تورثه بعد وفاتها إلى قلة من أحفاد مختارين، هَم يبدأ حين يواجهها السؤال الأكبر في حياتها، السؤال الوحيد الذي لا يمكنها العثور على جواب له في دهاليز عقلها الدؤوب غير المنقطع حتى حين تنام عن التنقيب في رموز أو إشارات متجلية في الطريق، البيت، في خطوة شيطان حينا، خفقَ جناحي ملاك حينا آخر، أو نداء من بائع جوال يروّج بضاعته: يشامغ.. يشامغ.. تسمعه هي: قشامغ.. قشامغ.. تفهمه: قشامر.. قشامر.. تفسره: العرب قشامر حين يلبسون يشامغ، طريقة سرية يعلن البائع الغريب عن حضوره، عن بضاعته الحقيقية، ظواهر تعرض لها الحياة صراعا دائما بين خير و شر لا تعرف كنههما خارج خيمة إيمانها المغلقة دون سماء طافحة من وجه الرب، نوره، صراع متواصل في أو بين أحفادها في ساحة بيتها أيضا، تعبّدها طابوقات مقدسة عندها، تقوم منتصف ليل تنتزعها تبدأ تعبّد منها الساحة ثانية طريقة تراها أفضل من سابقتها، ثم ثالثة في ليلة أخرى، رابعة، خامسة، حتى تصير لا تتذكر كيف متى تبدأ تنتهي متاهة الحزوز التي تصنعها من رصŸ تلك الطابوقات، متاهة غالبا تجد نفسها طفولتها تضيع فيها أكثر مما تنقذ منهما حين تخلق، تمد، تلاقي فروعها على أمل بلوغ كمال في رصفها، ترتيبها حصنا لها لأفكارها يقي من الذوبان في الزمن، تجميده في خطوط على الطابوقات على خطى أجدادها البابليين في رقائم تشاهدها أثناء زياراتها ضريح عمران قادمة من الحلة قرب بابل تستلهمها في صنع رقائم تخص سلالتها في الساحة، نافعة لها.. " احتواء المعنى البعيد هدف الخطيب، يبلغه عازفا على أنماط مختلفة من الزمن، الطبيعي بجانبيه التاريخي والكوني، كذلك النفسي غير الخاضع لمعايير خارجية، كالتوقيتات المتداولة حسب تعبير الناقد جبرا ابراهيم جبرا. 
 المبحث الثاني عن ترتيب الزمن، متتاليات، استرجاعات، استباقات، الربط بين اللحظات الراهنة والمنسية الضروري لتصاعد الإدراك، يلعب المؤلف عليها يدفع الأحداث من ذروة إلى أخرى. في (ليلة بغدادية) يسرح عدنان مع افكاره.. "يذكر يوم قتله أخته ويوم قيام ثورتهم بدقة، هما أسطع يومين في ذاكرته، كلاهما مغبر عاصف عنيف كأنهما يوم واحد في حياته، يتكرر مرة رمزا حلما وثانية واقعا وحقيقة ليعرف ان الفرق بين الحلم والحقيقة هو كالفرق بين الصبا والشيخوخة، بين اللذة والألم، بين الأمل والخيبة، بين فسحة للحياة وأخرى للموت".. يتضح للباحثة ان اللعب على الزمن أو ملاقحته لا من أجل تطويل السرد بقدر ما هو من أجل فتح كل أبواب النفس كذلك الواقع ليظهرا كما هما، لا مغلقين من كسل عقل أو تعنت، خيّر أو شرير، هكذا يتيسر للشخصية الروائية أن تطل على عمق أزمتها في الطريق إلى تجاوزها. تبلغ الباحثة استنتاجها: في ذلك يختلف الخطيب عن معظم أقرانه من الروائيين العرب، يذكرنا بالروائيين العالميين الكبار أمثال (دستوفسكي، تولستوي، أندريه مالرو، وغيرهم) من الذين لم يكتفوا بالسرد وسيلة امتاع بل جعلوه وسيلة تنوير، نجحوا في ذلك كما نجح الكاتب بعيدا، وهو حين يفعل ذلك لا يستند إلى تجارب أولئك الكتاب الأجانب فقط بل ويستند إلى تراثه العراقي أيضا تراثه العربي المبشر بقيم الكرم والنخوة والشجاعة وغير ذلك، كذلك تراثه الديني الإسلامي باعتباره مصدر القيم الإيجابية بل والتراث المسيحي القائم على نشر قيم المحبة والإخاء. من هنا يمكن النظر إلى الخطيب لا باعتباره  كاتبا عراقيا حسب بل هو أيضا كاتب عربي، اسلامي، وإنساني. خذ هذا المقتطف من شاعرة روايته (سقوط سبرطة) تترنم: الفجر له فاطر، والليل له آخر، قد قيل لنا مما قيل.. سقطت بابل جف النيل.. فإذا ألف بابل تُبنى.. وإذا النيل امرأة لُبنى.. تلك الكلمات يكتبها الخطيب قبل ربع قرن تصف حالنا الراهن.
يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي