رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1688

ما الذي غيّرته المهرجانات في الثقافة العراقية؟

بقلم: صفاء ذياب
منذ العام 2003 أقيمت في العراق؛ وفي مدنٍ مختلفة، مهرجانات عدّة، ابتداءً من مهرجان الجواهري الذي أقيم عقب سقوط النظام السابق بثلاثة أشهر فقط في بغداد، ومهرجان المربد الذي استأنف درواته عام 2003 في البصرة، ومن ثمَّ مهرجان المتنبي في الكوت، والحبوبي في الناصرية وملتقى السياب في البصرة وملتقى قصيدة النثر في البصرة ومؤتمر الرواية في البصرة، وملتقى الرواية في بغداد، ومهرجان أبي تمّام في الموصل، وعالم الشعر في النجف وكذلك مهرجانات أقيمت في كركوك وفي الديوانية وغيرها الكثير.
بعض هذه المهرجانات استمرت، وبعضها توقف، مثل مهرجان الجواهري والحبوبي وأبي تمّام وعالم الشعر، وبعضها الآخر ما زالت دوراته تقام كل عام، وتصرف عليها مئات ملايين الدنانير العراقية، لكن السؤال المهم هنا: ما الذي غيّرته هذه المهرجانات في الواقع الثقافي العراقي؟ وهل كرّست تقاليد ثقافية تؤسس لرؤى مستقبلية في الوعي والمعرفة؟
يذهب الشاعر والتشكيلي مازن المعموري إلى أن مشكلة المهرجانات في العراق ما زالت للأسف الشديد تعمل بآليات السياسة القديمة التي تؤمن بأن الأدب والشعر والفنون كافة هي خادم مطيع لفكرة الدولة، وأجندات الحكومة، وهذه المشكلة يتمسك بها الأدباء والفنانون أكثر من المؤسسات الحكومية ذاتها، وهذه هي المصيبة الكبرى، لأنهم ما زالوا يؤمنون بأن صوت الشاعر والفنان يساهم في دعم العقل الإداري للحكومة بصفته الراعي والأب للمجتمع.
من هنا يرجو المعموري ألا يُؤخذ كلامه على إنه ضد أحد أو ضد مؤسسة اتحاد الادباء، و»لكن مسؤوليتي الأخلاقية تجعلني أؤكد على أهمية النقد المستمر، من أجل تغيير رؤية القائمين على المهرجان، ومدى استثماره براغماتياً على أقل تقدير». ففي كل العالم يكون المهرجان مناسبة للتماس مع الشعوب وثقافاتها وتعريف المجتمع بالجديد من المبدعين والمفكرين وغيرها من مظاهر لقاء الفئة النخبوية للجنس البشري. في حين نجد أن القائمين على المهرجان يعملون بعقلية شيخ العشيرة، إذ إن كل من يملك هوية اتحاد الأدباء له الحق في الدعوة لدرجة الخصام والأخذ بالثأر إعلامياً. مضيفاً أن المهرجانات في الحقيقة هي خلاصات لاستدعاء المبدعين حصراً، حتى إن كانوا خمسة أشخاص، لتعريف الناس بهم والتفاعل معهم أولاً، وإيجاد فرصة للمؤسسات الثقافية والفنية لاستثمار أعمالهم الإبداعية بشكل مادي ومدروس ثانياً، استثمار وجودهم الشخصي بصفتهم نجوم المجتمع من أجل إحداث تأثير سياسي أو ثقافي أو إنساني ثالثاً. «هكذا أفهم المهرجانات الثقافية وعلى القائمين عليها أن يفهموا هذا الموضوع بجدية كاملة، وإلا فإن مهرجان المربد أو غيره من المهرجانات يبقى مجرد حلقة مفرغة في ظل الخراب الكبير الذي نعيشه».
يشير الشاعر والمترجم نصير فليح إلى أن الثقافة العراقية تعاني مما تعاني منه الثقافة العربية عموماً من هيمنة للارتجال على حساب التأسيس والتراكم الثقافي. وهذه الظاهرة تمد جذورها في عمق بنية العقل العربي والمجتمع العربي نفسيهما. وبالتالي، فإن ظواهر المهرجانات، التي هي مناسبة للقاءات الثقافية، لا تترتب عليها تلك النتائج التي تترتب عليها في ثقافات أكثر تقدماً وأقوى رسوخاً ومنهجية. ففي الأخيرة توجد مؤسسات وبنى ثقافية راسخة متراكمة، كونت منهجيتها وطرائقها وبلورتها بمرور الزمن على مدى عقود وربما قرون من الزمن. وعليه فإن المهرجانات نفسها – وليس الندوات أو المناظرات أو المحاضرات فقط – تنخرط في سياق هذه البنى والمؤسسات، بينما تظل في ثقافاتنا حركة على السطح تبدأ وتنتهي بالسطح، من دون تمثل لما يرشح منها أو ما يمكن أن يتبلور عنها.
ويضيف: بمعنى آخر، في ثقافات أكثر تقدماً يلتقي الأدباء ويتعرفون على بعض أيضاً، يتبادلون الكتب ويكونون العلاقات أيضاً، وهذا ما يجري أيضاً في مهرجاناتنا، ولكن الفارق الجذري، إن المستوى الثقافي الأعلى سيتيح أولاً تمييز النتاجات الأعلى نوعية، وحيث أن الكثير من الأدباء أنفسهم منخرطون في شتى المؤسسات الثقافية الحكومية وغير الحكومية، وحيث أن الدوريات والمنشورات والمراجعات الثقافية عمليات مستمرة متواصلة ذات طابع منهجي تراكمي أعلى نوعية وأكثر رصانة بكثير، فإن ما يسفر عن هذه التبادلات الثقافية والنشاطات المهرجانية سينخرط في نهاية المطاف في «تمثل ثقافي»، يندرج فيها في البنية الثقافية نفسها في سياق عمليات النقد والمراجعة والنشر والتوثيق وما إلى ذلك. وكل هذا يغيب عن ثقافتنا، لعدم وجود تلك البنى والمؤسسات والمنهجيات القادرة على التمييز النوعي الرفيع أولاً، ولا على تمثل الحركة الثقافية داخل الجسد الثقافي نفسه تأسيساً ونقداً ومراجعة وتوثيقاً. ولهذا تكون في النهاية مهرجانات اجتماعية أكثر مما هي ثقافية. هذا بالطبع يندرج في نهاية المطاف ضمن التأخر الثقافي العربي العام، الذي تؤكده المصادر والإحصائيات العربية والعالمية في مختلف المجالات، بما في ذلك تقارير اليونسكو حول الموضوع.
يلخّص كريم ناجي كلامه حول تساؤلنا هذا قائلاً: نعم هذه المهرجانات مهمة، ولكن أثرها محدود جداً… ولتفسير ذلك يقول إنَّ هذه الفعاليات – لاسيما المهرجانات الشعرية – موجودة في العراق منذ زمن غير قصير. ومثلها موجود في معظم دول العالم، ومنها ما ترسّخت قيمه وذاع صيته عالمياً، لذا فإنَّ أهميتها لا تُنكر، فهي مهمة ضرورية بالمنظور العام المطلق.
أما المتحقق منها على أرض الواقع فهو ضعيف، لم ينجح في تحديد مساراته، ورسم ملامحه، وبلورة مبادئه وأهدافه، وترسيخ أسس وقيم ثقافية مؤثرة. لذلك جاءت باهتة الألوان، فاقدة الفاعلية، فلم تكن لها آثار بيّنة في الواقع الثقافي. يتضح مما تقدّم أنَّ المشكلة لا تكمن في فكرة المهرجانات وجوهرها وطبيعتها العامة، بل تكمن في نوعيتها وخططها وبرامجها ومحتواها وتفاصيلها الأخرى. وهذا يعني أن الخلل في الجهات المسؤولة وتعددها، والأشخاص القائمين عليها. نلمس في كل مرّة العشوائية والتساهل والبعد عن الدقّة والحرص والتخطيط المدروس. وتتكرر الأخطاء والوجوه ولا يتعظ أحد ولا تُكتسب العِبرة والخبرة من التجارب السابقة.
وعلى الرغم من التحسّن البسيط في بعض الجوانب للمهرجانات التي جرت مؤخراً، لابد من الطموح والعمل المخلص الجاد. ولابد من المراجعة والدراسة والإفادة من التجارب الناجحة من أجل الوصول إلى مستوى يليق بتاريخ العراق الحضاري. مستوى ينجح في خلق التأثير الفاعل في الوسط الثقافي، ويطمح إلى الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع. وأشار ناجي إلى أن ذلك لن يتم بسهولة، ولا يتحقق بوصفات جاهزة، ولكن يمكن تقديم مقترحين، الأول؛ فتح نقاش واسع تشترك فيه فئات مختلفة من الأدباء والأكاديميين والمثقفين. والآخر؛ تشكيل هيئة دائمة تشرف على المهرجانات وتراجع وتقوّم.
يبيّن الناقد محمد رشيد السعيدي أن في العراق مهرجانات أدبية متعددة، أغلبها شعري، لها دور في تجدد الحركة الأدبية وتطورها، من خلال الاستماع للآخرين، والحوار معهم، لكنها للأسف تدار بطريقة (الشللية)، ولا يفتح منظموها الباب لنقاش سلبيات مهرجاناتهم، ولا يتنازل بعض رؤساء اتحادات المحافظات عن مشاركتهم الحتمية في المهرجانات كلها، وثمة أسماء تتكرر في كل مهرجان، وأخرى تدعى على أساس العلاقات لا على أساس الاستحقاق، فلا يدعى المستحقون، لأنهم لا يتمتعون بتلك العلاقات، ولا يعرف السعيدي مهرجاناً منها تمت دعوة المشاركين له بشكل علمي وشفاف، أي طرح المواضيع وتكليف لجنة لفحص النصوص ودعوة الأفضل، على حدِّ قوله.
فأهمية هذه المهرجانات تأتي من خلال دورها الأساسي في الحركة الأدبية العراقية ونشاطاتها، فهي التي تتيح للأدباء فرصة اللقاء، واطلاع بعضهم على إبداعات البعض الآخر مباشرة؛ مما يحفز المنافسة النزيهة، ويطرح في هذه اللقاءات من الأسئلة والأجوبة ما يعزز المعرفة، فضلاً عن فائدة الحوار ومتعته، مع المتخصصين والمبدعين… أما السبب الآخر في بعض إخفاقات المهرجانات فهو الإدارة المالية، التي لا يوجد مثلها في المهرجانات العالمية، وأصبح التخلص منها ضرورياً، إذ إن الاعتماد الكلي على منحة الدولة، وتحمل أجور سفر المشاركين، يتسببان في ضعف المهرجانات؛ لأن البعض يأتي للتسلية، ولا يخسر شيئاً، لذا يفترض ألا تتحمل المهرجانات أجور سفر المشاركين، من خارج العراق أو من داخله، والالتفات إلى إشراك داعمين محليين من الشركات، وهو ما يعود عليها بفوائد معنوية… فالمهرجانات ضرورية للحركة الأدبية، ولكنها بحاجة ماسة إلى التطوير؛ عن طريق تجاوز المنهج الشللي، وجعل الدعوات على أساس الكفاءة لا غير.
وحسب فاطمة بدر، فإن المهرجانات والملتقيات الأدبية تسهم في إثراء المشهد الثقافي على الرغم مما يعتريها من نقص؛ لأن أي فعل ثقافي هو أفضل من الركود، ولكن هذا الفعل الثقافي يجب أن تكون له رؤية استراتيجية من حيث المستوى العلمي والتنظيمي، لإبراز دور الملتقيات والمهرجانات في تنمية المواهب الإبداعية وصقلها وتهذيب الأفكار وتوجيه العقول في التعمق في الواقع الثقافي، فضلاً عن رفد الحركة الثقافية بجعل الأوراق والبحوث المقدمة للمهرجان أو الملتقى، أعمق وأثرى، بتشكيل لجان علمية تقوم بتحكيم الأوراق والأبحاث وتستبعد من لا يستحق المشاركة، كما أن الإبداع لا ينحصر على فئة عمرية معينة، فلا بد من مشاركة الشباب في مثل هذه المهرجانات لكشف طاقاتهم الإبداعية.
وهي تؤكد على أهمية التغطية الإعلامية، التي تعدّها ضرورية في إنجاح هذه المهرجانات. أما عن مساوئ هذه المهرجانات فتحددها بدر بعدم سماع ما يلقى من بحوث وأوراق، ويتم التعليق على كل شيء، مثلاً الاستهزاء بالذي يدير الجلسة أو الشخص الذي يقوم بتقديم ورقته، فغالباً ما يهتم الحاضرون بالأشياء الصغيرة أكثر من الأشياء المهمة، ومن ثمَّ فإن تكرار الأسماء المدعوة واقتصارها على العلاقات والصداقات، وإهمال الكثير من المبدعين، إضافة إلى أن معظم الأوراق المطروحة في هذه المهرجانات إنشائية لا تقدم أي جديد، فضلاً عن جدول الفعاليات المزدحم بالجلسات مما يؤدي هذا إلى الملل في بعض الأحيان، وعدم وجود استراتيجية في تنظيم المهرجانات، كأن يحضّر له في وقت مسبق، مثلا قبل ستة أشهر وليس خلال أيام قبل انطلاق الفعاليات.
أما فوائد هذه المهرجانات، فتبيّن بدر، أنها كثيرة، منها مواكبة تطور الكتاب والحالة الإبداعية التي هي جزء من التواصل مع الآخر، وهذا بدوره يكشف عن قيمة المنجز الذي تقدمه المهرجانات إذا دُرست ووضع لها ضوابط ومحددات لرفع المستوى الثقافي والاجتماعي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي