رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 21 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1669

«فاليوم عشرة».. السرد على إيقاع الهزائم

بقلم: كه يلان مُحَمَد
على الرغم من التنوع اللا محدود في أشكال السرد وطرائق بناء الرواية، فإن ثمةَ بنية توحدُ بين الروايات التي تتناولُ واقع العراق ما بعد 2003 يمكن تعريفها ببنية المأساة أو الهزيمة، كما أن ما يتغلغلُ في تلافيف هذه الأعمال هو إيقاع غاضب لا ينتجُ سوى مزيد من الهزيمة ولا تُثمر فيه الشعارات غير الإنكسارات المتتالية.
تنزلُ رواية "فاليوم عشرة" منشورات ضفاف والإختلاف بيروت – الجزائر2016، للروائي العراقي خُضير فليح الزيدي ضمن صنف الروايات التي تَتَكىءُ على مَنجمِ الواقع المهشم لنسج موضوعتها الأساسية، وهي تتبع تمثلات الهزيمة على كل المستويات، لا ينفصلُ إخفاقُ حلم البطل سلام الوافي من أن يكون شاعراً عن أوضاع الوطن الذي حلت به الكوارث من الحرب والحصار الإقتصادي والبؤس الإجتماعي.
كما أنَّ مصير العقيد غسان وعجزه عن النطق وإضرابه عن الأكل، ومن ثُمَّ مشاركته في حفل رابطة "كفى للإنتحار الجماعي" ليس إلا صورة من تداعيات سقوط مدينة الموصل في حزيران 2014 بقبضة جماعة مُتطرفة. الأكثر من ذلك يُجسد هاتف الصراف بتحولاته الغريبة وأشكاله المُتناقضة نموذجاً صارخاً للإنتهازية والميوعة المندائية الشائعة في الوسط السياسي، وذلك ما أدى إلى إنحسار مساحة العراق وتآكل أجزائه بحيثُ اختار له الراوي تسمية حبة العدس.
كما تُصادف في الحقل السياسي العراقي شخصيات تضاهي شخصية الدكتور ناعم المتقن لأحابيل السياسة.
تعددت أسباب هروب سلام الوافي من العراق عقب تعاظم المعاناة بفعل الحصار الإقتصادي وإنسداد بوابات الأمل، إذ باع كتبه وتخلى عن الشعر سالكاً الطريق إلى عَمانْ، ومن ثُمَّ سافر إلى كندا وإستقر في مدينة أدمنتون، ما يراه فى عالمه الجديد من الإهتمام الكبير بمهنة الصحافة يدفع به إلى إختيار العمل الصحافي لاسيما بعد تعلمه لعدة لغات أجنبية، ومشاركته في دورة تدريبية بباريس إذ يوقع عقداً مع وكالة جوو الفرنسية لصناعة الأفلام الوثائقية في العراق.
ويتزامن توقيت عودته إلى بلده لإعداد أفلام وثائقية عن مشكلات مركبة في بيئة المنشأ مع احتلال الموصل، ومن ثُمَّ إعلان دولة الخلافة من على منبر جامع النوري الكبير.
هنا ما يجب الإشارة إليه هو أن عنصر الزمن يخرجُ من نسق التتابع، إذ تتشابك الأزمنة وتكسرُ بنية الإسترجاع لوقائع متعددة خط الزمن المُتصاعد، أضفْ إلى ذلك توظيف تقنية الإستباق التي قد تقطع الطريق على توقعات المتلقي.
إن القسم الأول من الرواية يدورُ حول الخطاب والخطاب المُضاد بين الرئيس والخليفة كما أنَّ الراوي وهو البطل سلام الوافي يرى فيلما وثائقياً بعنوان "لا مناديل لدموع العقيد" عن ملابسات انسحاب الجيش العراقي ويُفاجأُ بظهور أشخاص يدلون بآرائهم عن شخصيته وما يعرفون عنه.
هنا تبدو المشاهدُ غائمةً بل تتخذُ نمطاً أقرب إلى الهذيان، وبذلك يكون هناك مبررُ لإيراد أسماء مُعظم شخصيات الرواية ومن ثُم يُعَنونُ صاحب (فندق كويستان) كل قسم باسم شخصية معينة أو صفتها مع كشف عن خلفيتها الإجتماعية والظروف التي جمعتها بالراوي.
وهذا الأسلوب في توزيع المادة الروائية شبيه بما تبناه نجيب محفوظ في رواية "ميرامار" مع الفرق الوحيد وهو أن سلام الوافي ينفردُ بوظيفة الراوي في "فاليوم عشرة"، وبذلك يُهيمنُ منظور وحيد في سرد الأحداث، ولا وجود لحالة التناوب على موقع السارد.
غير أنَّ ما يُكسب العمل طابعاً صاخباً هو إستخدام المحكية العراقية بعفويتها والعبارات المنبثقة من صميم المجتمع والبيئات المُهمشة ناهيك عما تستخلص إليه من تأثير الوحدة المكانية على سلوك وتصرفات الشخصيات، إذ يتبدى هذا الأمر أكثر في شخصية سلام الوافي فالأخير يقع في شرك التناقض بين ثقافتين مختلفتين إذ تطفو مُخلفات النظرة الشبقية على شخصيته كلما إلتقى بالأُنثى فهو معجب بإخلاص وتفاني أدريان الفرنسية في شغلها من جانب، كما يتفادى في تفحص مفاتنها الجسدية من جانب آخر.
كذلك يكون تعامله مع سليمة حنظل وهي امرأة عراقية من ديانة المندائية اختطفت أجهزة مخبارات صدام زوجها لإقناعها بالإستسلام إلى أحد عناصر هذه الأجهزة، لكن الأخيرة تُغادرُ العراق وتصبحُ معلمة لمادة التربية الإسلامية في قطر، إلى أنْ صارت مقيمة بكندا. من هنا تلتقي بسلام وتكلفه باستعادة ابنها أصيل الذي رعته أسرة مسلمة.
وهكذا تتوالد الحكايات في فضاء الرواية، خلافاً لما كان يرغبُ فيه سلام الوافي بعدم العودة إلى العراق حتى لو باع الخبز اليابس على حد تعبيره ساقته ضرورة المهنة إلى بؤرة ساخنة بتأثير ارتفاع درجات الحرارة واضطرام حرب جديدة مع دولة الخلافة.
ما شهده العراق من الإنهيارات والحروب الضروس عَمق جرح الفرد في هذا البلد، بحيثُ حجبت غلالةُ قاتمة رؤيته للمستقبل، يروم المؤلف نقل هذا الواقع من خلال ما يُناسبه من مشاهد مُتناقضة إذ يتجول بك في منطقة الباب الشرقي التي أصبحت سوقاً لبيع المواد المخدرة والحبوب المنومة ويستخدم السُخرية السوداوية لتجسيم ما يقاسيه الإنسان العراقي من المحن إذ ترى من يستظل بحذائه من حرارة الشمس، أو يَمرُ عليك زعيم الذي لا يمكن أن تتركه دون تقيد يديه ورجليه فهو كان ضمن المُنسحبين من الموصل.
فضلاً عن ذلك بادرتْ جماعة إلى إنشاء رابطة "كفى للإنتحار الجماعي"، فالوكالة الفرنسية تعجبها فكرة الرابطة، وتكلف سلام بمتابعة حفلها الإفتتاحي.
بمقابل هذه الصور الموغلة في العبث هناك جانب من الحياة الباذخة والمحمية من كل المخاطر تستأثر بها الطبقة السياسية إذ نحت المؤلف أداة مُقنعة ليخرق الراوي بواسطتها محمية السياسيين، وذلك عندما يعثرُ أصيل - وهو موظف في مكتب مستشار رئيس الوزراء - على قرص يحتوى ملفات إقتصادية في غاية الحساسية لذا يؤرق فقدان القرص رجال الدولة، يعلنون مُكافآت لمن يُحافظ على سرهم غير أن أصيل يستشيرُ سلام بشأن القرص وهو بدوره يخبرُ هاتف الصراف فالأخيرُ له شبكة من علاقات تمتد من الباب الشرقي إلى داخل المنطقة الخضراء، كما تتغير سحنته وشكله في بغداد يكونُ في حلة الإنسان المتقي وبيده سبحة، وفي باريس يعمل لإقامة جمعية تدافع عن الشواذ في مجتمعات شرقية.
يعرفُ سلامَ وصديقه بدكتور ناعم ومن ثم يجتمع بهم الأخير في بيروت، يُقْنع الاثنين بالتواطؤ مع هاتف بالتخلي عن القرص مُقابل مبلغ مالي يصرفه سلام لمعالجة أخيه العقيد غسان الذي يعاني من أزمة نفسية، غير أن سلام ما أن يصلَ إلى كندا ويبدأُ بمتابعة الحفل الإفتتاحي لرابطة كفي للإنتحار حتى يصدمه وجود أخيه بين المُنتحرين، هنا يتذكرُ الراوي لازمة أبو العوف فهو يعقبُ على كل شيء بعبارة عادي جدا في العراق الجديد أن تفقد أفضل من أن تكتسب. فعلا أنْ سلام ينفصلُ من ابنه سراج وزوجته نادية الحلي قبل عودته إلى العراق.
هذا العمل ليس أحادي الموضوع والثيمة بل له أبعاد سياسية وإجتماعية وثقافية، وما أن تصل إلى نهايته حتى تتذكر عتبة العنوان الرامزة إلى استغراق في غيبوبة والجملة الإستهلالية التي تمتدح فعل الجنون.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي