رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 28 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1692

رؤية مسحية مكثفة لواقع ومشكلات الاقتصاد والمجتمع والسياسة بالعراق

الدكتور كاظم حبيب
الجزء الاخير
إن هذه الظواهر هي وليدة منطقية للاحتلال الأمريكي للعراق ودوره في إقامة النظام السياسي الطائفي بالعراق وبالتعاون مع قوى الإسلام السياسي الشيعية وإيران، كما إن الإرهاب والفساد هما وجهان لعملة واحدة، أحدهما يشترط الآخر، ويستكمله ويغذيه، ويحافظ على ديمومته، ويستمد قوته من طبيعة النظام السياسي، وسياساته المناهضة لمصالح الشعب العراقي.
هذا الواقع العراقي أنتج وضعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئياً وثقافياً وتعليميا رثاً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مضامين، وعلاقات اجتماعية وإنسانية رثة، كما أنتج بدوره فئة اجتماعية رثة تقف على رأس النظام وتقوده وتنشر الرثاثة والعفونة في سائر نواحي الحياة العراقية، وتعمل على ديمومة هذه الرثاثة واستفحالها. وهي التي تسببت وما تزال تتسبب في كل ما يعانيه الشعب العراقي منذ سقوط الدكتاتورية البعثية وإقامة الاستبداد السياسي الطائفي الأثني بالبلاد حتى الآن. إن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر في البقاء، وإن الحكم القائم آيل إلى السقوط موضوعياً، ويبقى التحري عمن يقوم بذلك من قوى الشعب وتياره الديمقراطي وبالتعاون مع قوى أخرى، وعن سبل الخلاص منه باستخدام الأدوات الديمقراطية والسلمية، علماً بأن أسلوب سقوط أي نظام سياسي لا يخضع لإرادة المناضلين المدنيين الديمقراطيين السلميين، من أجل ضمان التغيير الجذري، بل يرتبط عضوياً في إصرار الحاكمين على ممارسة السياسات المرفوضة التي مارسوها حتى الآن، بحيث لا يمكنهم أن يحكموا العراق بعد ذاك بذات الأساليب والأهداف، ويصبح تغييرهم مسألة وقت لا غير. ولا بد للمجتمع العراقي من المشاركة مع القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية لبلورة البديل الديمقراطي، لأن قدر العراق ليس الشوفينية والطائفية، بل الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي العلماني. ولا يباح سر، حين يجري تأكيد حقيقة أن القوى المدنية الديمقراطية ما تزال ضعيفة، وغير متحدة في تيار أو تحالف واحد قادر على كنس النظام السياسي القائم عبر رؤية مدنية ديمقراطية، ونهج سياسي سليم، وعبر تعبئة الشعب بقواه الواعية والمدركة لعمق الأزمة التي يعيش تحت وطأتها العراق، كدولة ونظام سياسي ومجتمع في آن واحد، والمدركة لسبل الخلاص منه. ولا بد أن يتوجه الجهد صوب التحري عن تحالفات وطنية ديمقراطية قادرة على تحقيق ما يحل هذه الأزمة، ويوفر الأرضية الصالحة للتغيير وإجراء الإصلاح الجذري الذي يخلص المجتمع من الطائفية ومحاصصاتها المذلة للشعب.
إن الواقع السياسي العراقي وخارطة القوى السياسية العراقية الراهنة لا يشيران إلى ضعف القوى الديمقراطية واللبرالية واليسارية بالعراق حسب، بل وإلى غياب دورها كقوى معارضة فعلية صريحة وواضحة في معارضتها للنظام السياسي القائم ونضالها للخلاص من نهجه وسياساته الطائفية. فهي تتحرك حتى الآن بين مدينتي "نعم" و "لا"، فهي تعتقد بأن العملية السياسية ما زالت جارية، وبالتالي فعليها أن تسعى جاهدة وبخطاب سياسي أشبه بالمثل الشعبي القائل "لا يطير ولا يمسك باليد"، بأمل المشاركة في الحكم من ناحية، ومن ناحية أخرى تنتقد النظام السياسي القائم بطريقة هشة خجولة لا تساعد على تعبئة فعلية واسعة بشعارات واضحة ودقيقة ومعبئة للجماهير في مواجهة واقع الحكم وسياساته وأساليبه التضليلية الجارية، إنها سياسة "كفاح وتضامن" التي لا تصلح للواقع الراهن بالعراق.  
إن ما يجري بالعراق غير منفصل البتة عن وضع الشرق الأوسط، حيث تسود فيه الفوضى الشديدة، والصراعات الحادة، والنزاعات الدموية، التي تقترن بتحالفات إقليمية ودولية تزيد في تدهور الأوضاع. وهي مرتبطة بمطامع إقليمية توسعية، وبمصالح دولية غير مشروعة، وخاصة بشأن النفط الخام والموقع الاستراتيجي للمنطقة. وليس وجود التنظيمات الإسلامية الدولية المتطرفة والإرهابية وهيمنتها على مساحات واسعة من العراق وسوريا، وما يجري اليوم بهاذين البلدين، إضافة إلى الحرب باليمن وليبيا، سوى التعبير الصارخ عن الدور المخزي لإيران من جهة، وتركيا والمملكة السعودية وقطر وبعض دول الخليج من جهة أخرى، إضافة إلى دور الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية في التدخل الفظ في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وتحت شعار الدين والمذهب، لتساهم في إشعال المزيد من الحرائق والحروب التي لن يكون الخاسر فيها وحطبها سوى شعوب المنطقة، أما الرابح الوحيد فيها فلن يكون سوى الدول المصدرة للسلاح والموت وتجارها.
إن الأزمات التي يمر بها الشعب كثيرة وليست واحدة ومتشابكة، رغم تحقيق انتصارات مهمة في الجبهة العسكرية، بحيث يستحيل الخروج منها من خلال النهج الفكري الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي الراهن، بل لا بد من التغيير. ولا يمكن أن يتحقق هذا التغيير من دون رفع سقف المطالبة الشعبية ورفع مستوى مشاركة الشعب، وخاصة الكادحين والفقراء والمعوزين إلى جانب المثقفين والمتضررين من الواقع الراهن من فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية والطبقة العاملة وكادحي الريف بالعراق. إن هذا يتطلب النهوض بالمهمات من خلال سعي القوى والأحزاب والشخصيات العقلانية بالعراق للنهوض بمسؤوليتها إزاء المجتمع ومستقبل البلاد الذي حط الآن في حضيض مدمر حقاً وصدقاً من خلال السعي للقاء والبحث والنقاش بهدف الوصول إلى إقامة جبهة سياسية واسعة وقادرة على تعبئة المزيد من البشر حول شعارتها للخلاص من الوضع الطائفي السياسي الحاكم وبناء دولة عراقية مدنية، ديمقراطية، علمانية واتحادية.  

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي