رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 28 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1692

«رهانات السلطة والحكم فـي العراق»: الحركات الاسلامية ـ سنية وشيعية ـ تربت فـي أحضان الاخوان المسلمين

قراءة وعرض/ د. صالح الرزوق
يلقي كتاب) رهانات السلطة والحكم في العراق)، الصادر في دمشق عن دار الأمل الجديدة  بالتعاون مع مؤسسة المثقف العربي في سيدني، الضوء على الازدواجية التي عانينا منها خلال عقود، منذ نهايات أول حرب عالمية وحتى عام 2003 وهو المنعطف المؤثر والتاريخي الذي وضع نتائج سايكس بيكو تحت الاختبار والتعديلات.
يأخذ الكتاب شكل الفصول المفيدة، أو يطيب لي تسميته أيضا شكل السؤال المتفق عليه للوصول إلى أجوبة تفسر المناطق الرمادية والغامضة من تجربة العرب مع السياسة أو فن الحكم .بتعبير آخر يقدم الكتاب نفسه بخط عريض وواضح على أنه قراءة تجريبية، تستند للملاحظة والخبرة. المشاركان في عملية التأليف وهما الأستاذ طارق الكناني والمفكر المعروف ماجد الغرباوي، اتفقا على أن السياسة هي عمل من عدة مستويات. إنها إنتاج لأفكار لها صفة الإطلاق وإنتاج لمجموعة من الممارسات التي لا تتبلور إلا من خلال الوعي بمعنى تاريخية الظواهر. حتى لو أن الأفكار أسرة بالمقارنة مع الممارسة ص8.
واختار الكناني "أسئلة موجعة" بتعبيره :مباشرة وحادة وتتطلب موقفا صريحا لا لبس فيه ص .7وطرحها على الغرباوي الذي وضع في إجاباته الواقع العربي على المحك.
وأن نتكلم عن الواقع العربي يعني أن نقارب نقاط التحسس بين التصورات، ولا سيما في المرجعيات سواء هي مادية أو أنها تستمد شرعيتها من الإسلام. وحتى أن الدين يعاني من مواجهات مرعبة ودامية بين أهل الشورى وأتباع الإمامة كما ورد على لسان الغرباوي في آخر الكتاب.
مع أن الرسول لم ينص على أحد باتفاق الشيعة "كما ورد في كتب الشيخ المفيد، )والسنة (التي يمثلها الطبري ص181.
لقد تركت وفاة النبي فراغا بين النخبة السياسية الذين نعرفهم باسم الصحابة. وبتعبير الغرباوي إن ما جرى في مؤتمر السقيفة كان مخزيا، فهو مجرد تقاسم لسلطات النبي الروحية وتنازع عليها. وبرأيي الغرباوي محق حين نظر للمؤتمر على أنه التأم لحسم نزاع سياسي ولو هناك نص "يعني قاعدة شرعية"، لانتفت الحاجة للخلاف أصلا ص181.
وكانت الحجة لدى كل فريق تعتمد على النسب العائلي أو درجة القرابة ص181 .
إن هذه الجرأة في تجريد الأفكار ثم شخصنتها يذكرني بمشروع سابق ومبكر ظهر في الستينات للمرحوم جلال صادق العظم، أول من فكك التفكير الديني وأول من فك التشفير عن أسباب الهزيمة عام 1967 وذلك في ثنائيته المشهورة "نقد الفكر الديني  1970 والنقد الذاتي بعد الهزيمة .1968 
لكن مشروع الغرباوي ينقل هذه التجربة الى مستوى التشريعات، بمعنى أنه يعارض السلفية المعاصرة من داخل القانون الإسلامي . فهو يفحص مشكلة الفتوحات بعد وفاة النبي ويسأل:  هل هي جزء من الرسالة أم أنها استعمار وغزو وبقوة السيف؟ ص40، ويتابع مع مفهوم الجزية، هل هو إسلامي في ظروف الألفية الثالثة أم أنه تفسير جاهلي لظاهرة إيمانية تعود للقرن السادس بعد الميلاد ص .180
بهذه الروح يواجه الكتاب خمسة محاور أساسية:
الأول الفكر القومي ص19، ويعتقد أنه يعاني من الضعف والهشاشة في العراق لكنه أقوى في مصر وبلاد الشام ص21. ويذكر عدة أسباب لتفسير ذلك؛ فالعراق يتكون من جيوب اجتماعية أو إثنيات، بينما مصر جاهزة للتجانس ص.24
وأضيف لما سلف، أن الخلل في هذه المنطقة ناجم عن الأفكار الميكانيكية التي تفرضها السلطات من أعلى . وكما يقول أرنست غيلنر: إن الإسلام الإصلاحي لعب دورا يشبه الذي تلعبه القومية. وفي البلاد الإسلامية يصعب التمييز بين الحركتين ص34. فالإسلام يزود أتباعه بالهوية القومية والمثال الأبرز ما قدمه في سياق الكفاح ضد الاستعمار ص35 ، الصورة تختلف في سوريا . فقد كان للميليشيات السورية وجود بالعلن أو في السر منذ تأسيس سوريا . والصورة في لبنان أوضح لو نظرت لواقع القوات اللبنانية وحراس الأرز . مثلا يرى يوسف السودا أنه لا يوجد فرق بين لبنان وفينيقيا ص.13  حتى أن التوراة كانت تسمي السواحل الفينيقية باسم لبنان ص23. ويرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية الأسبق كريم بقردوني أن البعثيين في سوريا أقلية سياسية والعلويين أقلية دينية، ولم يجد حافظ الأسد ضمانة له للاستمرار غير اتباع أساليب غير كلاسيكية في ممارسة وتطبيق الفكر القومي. وبجرد بسيط لأسماء الجمعيات الناشطة في بلاد الشام ضد العثمانيين تلاحظ تغليب مفهوم الانتماء للوطن السوري بالمعنى الروحي لوحدة سوريا الطبيعية داخل إطار جغرافيا هذه البلاد، من هذه الجمعيات والأحزاب أذكر:  حزب الاتحاد السوري وجمعية ١٨٧٥ والحزب الديمقراطي والمؤتمر السوري العام وقد تطورت هذه الأندية من منطلق علماني صرف قبالة الحركة التي قادها الأفغاني ومحمد عبده في مصر من منطلق ديني ص78.
وعليه يمكنك أن تنظر لنشاط الأفكار في المشرق على أنه يشتمل على ثلاثة ميول أساسية : التيار الإصلاحي الديني في مصر، والوطني السوري في سوريا ولبنان، والقوماني العربي في العراق.
المحوران الثاني والثالث، هما عن إيديولوجيا التوظيف السياسي وتداعيات المواقف السياسية . وتخصصا بالمعارضة وظاهرة اللجوء إلى دول الجوار، وما ترتب على ذلك من خيانات يمكنك أن تقول إنها عظمى ص59 .وطوال النقاش كان السائل والمجيب يؤكدان على مشكلة طلب المعونة من طرف خارجي لحل أزمات الداخل ص69.
ولم تبرأ هذه المحاورة من أفلاطونية أو طوباوية سياسية . فقد كان الغرباوي لا يبرر لحزب الدعوة ظاهرة العمل من خلف الحدود لكنه نوه بحجم الفاجع الذي كانت تعانيه في إيران بالرغم مما دفعته من ثمن باهظ جراء حمل لواء معارضتها للبعث ص.78 ناهيك أنهم لم يغادروا طواعية وإنما بالقسر، وهو ما يعرف باسم التسفير وإن كان يفضل نعته بصفة التهجير ص .103 لم أقرأ شيئا بهذا الوضوح وهذا الترتيب حول الأزمة الروحية لحزب الدعوة. وأعتقد أن الغرباوي فسر مشكلة فقدان الاتجاه وانقلاب الموازين بعد الدخول في معادلة السلطة. فالمصلحة الوطنية كانت تقتضي الاعتراف بالأضداد. والإشارة هنا إلى الدولة الإيرانية والجيش الأمريكي. المحوران الرابع والخامس هما الفساد الاداري والمالي ودور الإسلام في بناء الدولة، ولقد كال الغرباوي التهم من كل الأنواع للنخب الحاكمة، فإذا كان صدام طاغية ونهب ثروات البلاد فإن حكومات المحاصصة نهبت ما تبقى ص147، ويفند الغرباوي الأسباب، ويدعمها بأرقام وحيثيات من الواقع السياسي المعيش .ولكن في كل كلمة تشم رائحة السبب الأساسي وهو غموض الاستراتيجية المتبعة ص .50 لقد كان التناحر على السلطة هو السبب الرئيسي في الصراعات الداخلية وليس تعويم الأفكار، وانقلاب البعث على حكومة الأخوين عارف في العراق من المشاكل المحيرة، فقد كان الشقاق بين حلفاء . ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الجماعات الإسلامية، فقد كانت تنضوي تحت لواء الإخوان المسلمين في الخمسينات، وكان للشيعة تكتل داخل الجماعة واسمه الفرع الفاطمي ، وهذه المعلومة من أرشيف الدكتور قصي الشيخ عسكر. وتجد للغرباوي أكثر من إشارة تؤيد هذا الطرح ومنها قوله في الخاتمة: إن الحركات الإسلامية جمعاء سنة وشيعة تربت ثقافيا وحزبيا في أحضان الإخوان المسلمين ولذلك هي لا تؤمن بالديمقراطية وتنحاز إلى اللطف الإلهي وتعتبر حاضنة طبيعية للعنف في حل النزاعات ص .170ويمكن في أي لحظة أن تنكل بالدستور المدني وتعود إلى شرع الله أو القرآن والسنة النبوية . وكانت أفظع نتيجة هي الرهان على السلطة بعد 2011 لقد حول الإهمال من طرف والتزمت من طرف آخر، الشرق الأوسط إلى بحيرة من الدم، واستشرت السياسة الانتقامية على حساب البناء، حتى بدأنا ننتبه الى أننا نراوح في المربع الأسود الذي يقول عنه ماجد الغرباوي : إنه سياسة الاحتلال ويسميه محاوره طارق الكناني باسم الفساد ص141.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي