رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

العراق.. بين المصالحة والخيارات المفتوحة

حسين درويش العادلي 
   من الخطأ تبسيط الأزمة الحالية التي يعيشها العراق، فالأزمة نتاج لصراعات طويلة ومعقدة ومتداخلة في الدولة (من قبل القوى والنخب المجتمعية السياسية العراقية) وعلى الدولة (من قبل القوى الإقليمية والدولية). إنها أزمة دولة عراقية تضج بصراعات فيها وعليها منذ تأسيسها الحديث، وما زالت. 
   معظم دول العالم تعيش صراعات (فيها وعليها).. هذا صحيح، لكن، خطورة الصراع العراقي أنه صراع تأسيس يختزن صراع إرادات وليس صراع إدارات يختزن اختلاف رؤية، بمعنى إننا لم نحسم مرحلة تأسيس الدولة بعد لنختلف حول طبيعة إدارتها، وهذا ما يجعل الصراع العراقي صراعاً غير منضبط ومتشظياً ومتداخلاً اقليمياً وكونياً ومفتوح النهايات على جميع الإحتمالات بما فيها اللبننة أو الصوملة أو حتى التقسيم الناجز.
صراع التأسيس وصراع الإدارة
   الصراع في وعلى العراق يستمر ويتعاظم لأنَّ العراقيين ومنذ 1921م اختلفوا في التأسيس وما زالوا، اختلفوا في تأسيس الدولة التي تعبر عن كينونتهم وهويتهم ومصالحهم، فهو صراع حول مشروع الدولة أكثر من كونه صراعاً لإدارة مشروع الدولة وتنظيم شؤونها. 
   الدولة العراقية التي سادت وتسيدت حتى 2003م لم تحظ بقبول عراقي عام بسبب فشل معاييرها ومشروعها وسياساتها،.. لقد كانت دولة قومية تحتكر الهوية والنظام على حساب القوميات الأخرى فخلقت صراع قوميات، وكانت دولة متمذهبة بخفاء لإحتكار السلطة الثروة فخلقت صراع الطوائف، وكانت دولة مبتلعة من قبل سلطات (الشرعيات) الآيديولوجية والثورية والحزبية والنخبوية فخلقت صراع الشرعية والمشروعية، وكما كانت دولة مختطفة كانت أيضاً دولة مستبدة مغامرة عابثة بمصالحها،.. لذا اختلف العراقيون حول الدولة، على مشروعها وسياساتها ومصالحها، كما اختلفوا على هويتها وفضائها وخصوصيتها،.. اختلاف أنتجه منهج الإختطاف والإستبداد والمغامرة بالدولة، فقضى على الدولة التي هي تجسيد للإرادة العامة لتكون تعبيراً عن تأسيسات عرقية وطائفية وآيديولوجية ومناطقية ومصالحية المتحيزة. وما إن سقطت الدولة في 2003م حتى انكشف الصراع (في وعلى) الدولة لكسب مشروع الدولة، اندفعت القوميات والطوائف والإثنيات العراقية ومعظم دول العالم وقوى الشرق في صراع مكشوف حول كسب مشروع الدولة العراقية.. وما زال.
صراع أمم فرعية
   نتيجة لتحيز مشروعها ونتيجة لإختطافه، فإنَّ دولتنا لم تنتج أمة وطنية التي هي أهم لازم لتأسيس الدولة وتكامل مشروعها، بل أبقت العراق ساحة تكدس هويات فرعية شيعية سنية عربية كردية تركمانية..الخ أنتجت أمماً تتمحور حول خصوصياتها وهوياتها ومصالحها، لأنَّ المشترك (الدولة) كان محتكراً ومجيراً وليس عاماً ومشتركاً ومعبراً عن إرادة الكل الوطني. 
   كانت لحظة 2003م لحظة كاشفة لإنقسام أمة الدولة (الوطنية) الى أمم (هويات فرعية)، ولحظة كاشفة لفشل دولة الأمة في صمود بناءاتها ومؤسساتها، من هنا كان التغيير يسيراً على المغيّر، لأنه وجد مسمى دولة ليس لها من يدافع عنها إلاّ القليل،.. نعم كان التغيير يسيراً، إلاّ أنه كان عسيراً في إعادة بناءات الدولة اليتيمة، لأنَّ الدولة ما إن زالت حتى انهدت بناءاتها العمودية (بناءات السلطة) لتعود الدولة الى مكوناتها الأولى.. فكل شىء أصبح أفقياً، فلا بناءات عمودية تضبط إيقاع الأمة، ولا أمة وطنية تعيد إنتاج نفسها سياسياً على شكل دولة،.. لقد عاد العراق للحظة 1921م لحظة التأسيس، وما أشد شبه لحظة 1921م بلحظة 2003م،.. هي لحظة تأسيس لدولة يراد منها خلق أمة وطنية تتجاوز العصبيات والعصبويات لأمم فرعية تتمحور حول ذاتها وخصوصياتها ومصالحها، هي لحظة لم يتوافر لديها الرؤية والمشروع الوطني المدني ولا القوى الحاملة له ولا الظروف الإقليمية الملائمة.
صراع ذاكرة ومدارس
   ابتليت الدولة العراقية بصراع الذاكرة وصراع المدارس، فلحظات التكوين العراقي لم تكن لحظات شروع بكر تنمو على ضوء اشتراطات التكوين الحديث للدولة بعيداً عن سلبيات الذاكرة التاريخية، بل تم استحضار الذاكرة التاريخية في ثقلها الطائفي أو في ثقلها الآيديولجي المتحيز أو في ثقلها الثقافي النمطي المتمحور حول الذات العرقية أو الطائفية أو المناطقية. لقد تم أسر التجربة الحديثة في أسوار الذاكرة التاريخية وفروضها دونما إعادة إنتاج لهذه الذاكرة بما يتلائم وتكوين المجتمع والدولة الحديثة.
   ابتليت الدولة العراقية أيضاً بصراع المدارس السياسية، وهي بالأعم الأغلب المدارس القومية واليسارية والدينية، صراع يختلط فيه الآيديولوجي بالعرقي بالمذهبي بالذاكرة التاريخية بالمصالح المتحيزة والضيقة،.. مع ملاحظة، أنَّ صراع المدارس هذا هو صراع تأسيس للدولة وليس صراع برامج وإدارة للدولة، فكل مدرسة وما تنتجه من خطاب وقوى ونخب تتصارع حول كسب مشروع الدولة على وفق رؤيتها، دون وعي إلى أنَّ الدولة هي الحيز المشترك الذي يجب أن يستوعب الجميع على اختلاف تنوعاتهم، ودون الوعي أنَّ الدولة ما إن أحتكرت فإنها ستسقط ويفشل مشروعها.
الصراع الناتج
   الدولة ظاهرة تبلورها قوى الأمة، وقوى الأمة نتاج لذاكرة الأمة وثقافتها وهويتها وإرادتها المتجددة،.. فإذا كانت الأمة وقواها ونخبها –بالأعم الأغلب- تقليدية أو منقسمة أو ناكصة أو غارقة في صراعات ماضوية هوياتية حزبية مصالحية بينية.. فستكون دولتهم –بالتبع- تقليدية منقسمة ناكصة.
   صراع الذاكرة والمدارس، صراع الهويات الفرعية والمناطقية، صراع الآيديولوجيات المتشبعة بالتحيزات العرقية الطائفية المناطقية الحزبية النخبوية، صراع تصدر الخاص على الوطني العام،... الخ كل ذلك أنتج أمة منقسمة ودولة ناكصة في رسالتها وفي وظائفها.
   ابتعلت الصراعات العراقية العراقية مشروع الدولة الوطنية المدنية وصادرته لصالح مشاريع دولة/سلطة متحيزة، فقد أتت هذه الصراعات على معايير ومناهج التأسيس لأمة وطنية تنتج دولة وطنية تعبر عن جميع رعاياها، فالدولة بالنتيجة هي الحيز المشترك للأفراد والجماعات التي تنتسب لها، والحيز المشترك هو التعبير عن الإرادة المشتركة والمصالح العامة التي تنتج هوية عامة وخصوصية مشتركة.
الصراع على الدولة
   الدولة العراقية غدت نهباً للإستلاب الإقليمي والدولي، والعراق من البلدان القلائل التي تم شرعنة استلابها أممياً،.. استلاباً اشترك فيه الكل وتمظهر باشكال لا حصر لها من الإستلابات السياسية والإقتصادية والمجتمعية والثقافية..الخ.
   دولتنا العراقية غدت نهباً واستلابا،.. نهباً واستلاباً بسبب فشل مشروعها الوطني منذ التأسيس،.. نهباً واستلاباً بسبب فقدان الدولة لنواة صلبة تتمثل بوحدة المشروع ووحدة آباء الدولة في إرادة التأسيس للدولة والإدارة لمشروع الدولة،.. دولتنا غدت نهباً واستلاباً بسبب حضور الذاكرة التاريخية دونما اعادة إنتاج عصرية، وغرق أمة الدولة في هوياتها الفرعية، وبالتماهي مع الآخر الأجنبي الذي أنتجته المدارس الآيديولوجية على أساس عرقي أو مذهبي أو سياسي،.. دولتنا غدت نهباً واستلاباً بسبب ابتلاع السلطة للدولة، وبسبب توريط الدولة وإغراقها بمناهج الإستبداد والحروب والمغامرة، وبسبب مفارقتها لإشتراطات الحداثة والتنمية وأولوية المصالح،... أسباب وأسباب أنتجت الإستلاب وأسست للنهب لمشروع الدولة العراقية الوطنية الحديثة،.. وها هي دولتنا اليوم تأن من الأزمات وتنوء بالإنهدامات بسبب صراعات أبنائها التي لا تعترف بسقف ولا تهتدي لحل ولا تقف عند مشترك يوحد إرادتها،.. ها هي دولتنا اليوم محلاً لنهب واستلاب وتكالب وتدخل إقليمي ودولي يجهد لإبقاء العراق ضعيفاً منقسماً لتسهيل احتوائه أو ضمنه لصالح هذا النفوذ أو ذاك، أو إلحاقه في نطاق هذه الستراتيجية أو تلك.
المصالحة والنهايات المفتوحة
   نهايات مفتوحة على جميع الإحتمالات بما فيها اللبننة أو الأفغنة أو الصوملة أو التقسيم، هذا هو واقع الدولة العراقية اليوم،.. وما لم يتم تدراك الواقع العراقي بتسوية تاريخية عراقية تضع حداً لصراع الرؤى والإرادات والأجندة فإنَّ احتمالات انهيار الدولة هي المرجحة. المطلوب استنهاض الإرادة العراقية الواعية والحاسمة لإنتاج لحظة تأسيس لمشروع دولة وطنية مدنية صالحة متصالحة تأخذ بأسباب القوة والوحدة فلا نهايات محمودة لكم ونوع الصراعات في وعلى الدولة. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي